في المقال السابق مباشرة اتفقنا على أن ضباط يوليو ورثوا مجتمعًا قويًا، بل وفوارًا إلى حد الفوضى، تقابله سلطة ضعيفة ومنهارة إلى حد العدم، خاصة في الأشهر الستة التي ابتدأت بحريق القاهرة يوم 26 يناير 1952.
فكانت تلك هي الخلفية التي تفسر شعارهم الأول، والذي كان “الاتحاد والنظام والعمل”، أو التي تفسر قول زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة حركة الضباط: “كنا نريد لملمة الأشلاء، وإنهاء الفوضى”، وذلك في مقابلة نادرة له مع الصديق توفيق إكليمندوس، الذي كانت رسالته لنيل الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية حول حركة ضباط يوليو، أو الضباط الأحرار.
هذه الخلفية أيضًا تفسر لنا التصويت شبه الإجماعي في مجلس القيادة- بعد التمكن من السلطة- على انتهاج الديكتاتورية طريقة وفلسفة لنظام الحكم الجديد، يضاف إليها أن الأحزاب كلها، بل فكرة الحزبية نفسها أصبحت سيئة السمعة عند الرأي العام، وأن القوى الأيديولوجية الجديدة لم تدخر جهدًا في وصم الأحزاب الكبيرة وقتها ونزع مصداقيتها، وفي مقدمة تلك القوى جماعة الإخوان المسلمين، والشيوعيون، والفاشيون القوميون في الحزب الوطني، والحزب الاشتراكي المنبثق عن جماعة مصر الفتاة.
وقد ترسخت هذه الصورة السلبية عن الحزبية والتعددية أكثر لدى ضباط يوليو بسبب عجز الساسة القدامى عن الارتقاء لفهم هذه اللحظة التاريخية، فكانت لحظة حافلة بنُذر إنهاء وجودهم السياسي جميعًا، وتشييعهم إلى ذمة التاريخ مرة واحدة وإلى الأبد، إلا أن الجميع استمروا سادرين في غيهم وعلى ضلالهم القديم، فمثلما كانوا يتسابقون على رضا القصر الملكي لتولي الحكم وإقصاء حزب الأغلبية، فقد تنافسوا مجددًا على كسب رضا الضباط، والمثال الأشهر والأكثر خزيًا هو المكائد والحيل القانونية والدستورية التي حاكها كل من الدكتور عبد الرزاق السنهوري (من الحزب السعدي)، ونائبه في رئاسة مجلس الدولة سليمان حافظ (من الحزب الوطني) ضد حزب الوفد بالذات، لإحباط احتمال عودة البرلمان ذي الأغلبية الوفدية للانعقاد، وتسليم السلطة لحكومة وفدية.
ليس ذلك فحسب، بل تنافسوا أيضًا في تحقير شأن بعضهم البعض أمام الضباط، وفي الوشاية لهؤلاء الضباط ببعضهم البعض.
لكن هل تكفي هذه الخلفية وما تنطوي عليه من أسباب ظرفية وأخطاء فردية لتبني الفكر الشمولي والحكم السلطوي، وتبرر فردية القرار منذ عام 1952 حتى اليوم والغد وإلى أجل غير مسمى؟!
وذلك بصرف النظر عن التعددية الشكلية في رئاسة كل من أنور السادات وحسني مبارك، والتعددية الوهمية حاليًا.
الإجابة هي أن كل تلك الأسباب والأخطاء لا تكفي، ومن ثم وجب البحث عن الأسباب العميقة لاستمرار كراهية التعددية الحقيقية لدى الرؤساء الضباط، على اختلاف شخصياتهم وخبراتهم وطريقة وصولهم إلى السلطة، وكذلك الأسباب المتجذرة في المجتمع المصري نفسه، وهي الأسباب التي يوظفها الحكم السلطوي لمنع أو إجهاض التعددية.
كان المبرر الأول لدى جمال عبد الناصر ضد التعددية، إضافة لما تقدم من أسباب ومبررات، والذي بدا معقولًا في حينه، أن التعددية ستسهل للقوى الخارجية المتنفذة شراء أو تجنيد ولاءات وتحالفات داخل مصر وضد مصلحتها وسيادتها وكرامتها، فالسعودية ستشتري بالمال ولاء أو تحالف التنظيمات الإسلامية، والولايات المتحدة ستشتري ولاء الأحزاب التقليدية وتتعاون مع التنظيمات الإسلامية ضد اليسار، وبالطبع سيحصل الاتحاد السوفيتي على ولاء أو تبعية الشيوعيين أو بعضهم على الأقل، مع الأخذ في الاعتبار أن عقد الخمسينيات كان هو أشد عصور الحرب الباردة احتدامًا، وكذلك كان أشد عصور ثورات التحرر الوطني اشتعالًا أو اختمارًا، ثم إن كثيرًا من التنظيمات السياسية المحلية في مصر كانت لا تزال تحتفظ بقوتها وطموحها للثورة كالشيوعيين، أو حتى للاغتيالات وربما قلب النظام، كما حاولت جماعة الإخوان عدة مرات.
يذكر الدكتور إسماعيل صبري عبد الله، القطب الماركسي الكبير ووزير التخطيط الأسبق، أن جمال عبد الناصر قال له إنه يرفض الحزبية حتى لو تشكّل حزب أغلبية يؤيده بالكامل، لذلك السبب.
ربما يكون لهذا المبرر لدى عبد الناصر وجاهته في ضوء ما جرى ويجري، منذ أفسح الرئيس السادات مجالًا للنفوذ السعودي والأمريكي، ومثلما تشعبت المصالح والولاءات الخارجية داخل النخبة والمجتمع والمؤسسات المصرية في عصر مبارك، بل دخلت ليبيا القذافي وعراق صدام وغيرهما على خط شراء الولاءات داخل الساحة المصرية، وهو ما اتسع نطاقه أكثر وأكثر بعد ثورة يناير، فانتشرت الولاءات أو التحالفات أو التنسيقات في كل اتجاه خارج البلاد، بما في ذلك إسرائيل.
لكن المفارقة الدرامية، أو لعلها الميلودرامية في تحسب عبد الناصر من الاختراقات الأجنبية لنظامه وللمجتمع، أن هذه الاختراقات جاءته من حيث لا يحتسب، وفي أعلى دوائر نظامه، عملًا بالقول التراثي الحكيم: “يُؤتى الحذر من مأمنه”، إذ وفقًا للمعلومات والمؤشرات، ثم وفقًا للسياسات، كان ولاء النائب الوحيد لناصر في آخر سنواته، أي أنور السادات، هو للتحالف الأمريكي السعودي في المنطقة، بل وطبقًا لمصادر عديدة منها كتاب الصحفي الأمريكي الشهير بوب وود وارد، كانت العلاقات قديمة ووثيقة بين السادات والأمريكيين بوساطة كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية الأشهر.
الشاهد في تلك المفارقة ليس هو اتهام السادات بالخيانة، وإن كان البعض يستسهلون ذلك، وهو ما لا أتفق معه، ولكن الشاهد أو الدرس هو أن السلطوية والنظم المغلقة المعادية للتعددية باسم الأمن والسيادة هي الأخرى يسهل اختراقها وعلى أعلى المستويات، وبذلك يكون المجتمع قد فقد كثيرًا من حيويته ومن قواه وخبراته دون طائل.
على أية حال لم يكن السادات وحده هو من اختار الانحياز للتحالف الأمريكي السعودي، بل إن معظم رجال الصفوف الأولى في السياسة وفي البيروقراطية والدبلوماسية والأجهزة الأمنية المصرية، وكذلك في الإعلام والصحافة ورجال المال والأعمال، وكثيرين أيضًا في الحركة الثقافية حولوا وجهاتهم نحو الرياض وواشنطن، بتهافت المغرم المشوق الذي كان العزول الراحل يحول بينه وبين المعشوق، غير ما استجد من عواصم في المنطقة وفي العالم تتنافس على ولاء المصريين.
المؤسف أن ذلك كله كان سهلًا ودون أثمان باهظة، مثلما كان سهلًا على ناصر وجمهورية الضباط القضاء على إرث الحقبة المسماة بالليبرالية، إذ بينما كان التنافس وفوضى الحزبية مبررًا للقضاء على التعددية، فإن إضعاف المجتمع السياسي والمدني من جانب ناصر نفسه، بإلغاء الأحزاب وحصار النقابات ومصادرة حريات التنظيم والتعبير وتأميم التعاونيات والجمعيات الأهلية، هو الذي حفظ للسلطوية بقاءها وأعاد إنتاجها رغم يناير 2011.
ربما لا يكون ما ذكرناه من أسباب وخلفيات لكراهية التعددية أو عدم الثقة فيها من جانب جمهورية الضباط هو كل شيء، حتى فيما يخص المجتمع، إذ يبدو لي أن المجتمع المصري يضمر في خلفيته الدفينة تفضيل التنظيم المتسع لمعظم التيارات والقوى السياسية، أي ما يسمى في الأدبيات اليسارية بتنظيم “الجبهة الوطنية”، أو ما يسميه المستشار طارق البشري بالتيار الرئيسي، وذلك منذ الثورة العرابية وحتى يومنا هذا.
فليكن هذا هو موضوع مقالنا التالي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


