لم تعد مسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الاحمر مجرد مشروع اقتصادي طويل المدى، ولا مجرد ورقة تفاوض تستخدمها أديس أبابا للحصول على شروط أفضل لاستخدام المواني المجاورة.
خلال الأسابيع الاخيرة انتقلت القضية إلى منطقة أكثر خطورة، مع عودة القتال إلى تيجراي، واتساع العمليات إلى إقليم عفر، وظهور تحالف مسلح يضم قوى من تيجراي وأمهرة وعفر وأوروميا وغيرها، بالتوازي مع اتهامات إثيوبية مباشرة لإريتريا بالتدخل في الصراع الداخلي.
حيث أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن ترد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
في هذه البيئة تبدو عصب أكثر من مجرد ميناء.
فهي تقع في قلب المعادلة التي تربط بين أمن إثيوبيا القومي، واستقلال القرار الإريتري، والممر التجاري الإثيوبي إلى البحر، والتوازنات المصرية والإماراتية والسعودية في البحر الاحمر.
ولذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه لم يعد فقط: هل تستطيع إثيوبيا الوصول إلى عصب؟ بل: ماذا يحدث لإثيوبيا إذا تحولت محاولة الوصول إلى عصب إلى حرب؟
تكمن خطورة هذا السؤال في أن المسافة بين الحرب الداخلية الإثيوبية والحرب الإثيوبية الإريترية أصبحت أقصر من أي وقت مضى.
فقد تمكنت القوات الفيدرالية في نهاية سبتمبر من استعادة مناطق في عفر، بينما كانت قوات تيجراي تتقدم في اتجاهات أخرى من الإقليم. وتشير بيانات ACLED إلى أن القتال في عفر بات يمس بصورة مباشرة طرق الإمداد التي تربط إثيوبيا بميناء جيبوتي، وأن السيطرة على بعض مناطق عفر يمكن أن تمنح القوات المناوئة للحكومة قدرة أكبر على الضغط على الممر التجاري الإثيوبي الرئيسي.
هذه النقطة شديدة الأهمية، فإثيوبيا لا تدخل سباق المواني من وضع مريح.
أكثر من 95 في المائة من تجارتها الخارجية من حيث الحجم يمر عبر جيبوتي، وهو ما يجعل أي اضطراب في ممر عفر مسألة أمن قومي واقتصادي في آن واحد.
وقد أدى هذا الاعتماد إلى جعل الوصول إلى ميناء بديل قضية استراتيجية لدى أديس أبابا، بينما جعل إريتريا تنظر إلى الطموح الإثيوبي في عصب باعتباره مشروعا يتجاوز التجارة إلى النفوذ والسيادة.
لكن الطريق إلى عصب يمر أولا عبر عفر، وهذه المفارقة هي التي تجعل أي اندفاع إثيوبي نحو البحر محفوفا بمخاطر غير مباشرة في ضوء عدد من المعطيات منها:
إذا تحولت عفر إلى مسرح دائم للعمليات، فإن القوات الإثيوبية لن تواجه فقط تحدي حماية حدودها مع إريتريا، وإنما ستواجه أيضا ضرورة حماية الطريق الممتد من العمق الإثيوبي إلى جيبوتي.
وبذلك يصبح الجيش الفيدرالي أمام معضلة توزيع قواته بين تيجراي وأمهرة وأوروميا وعفر والممر التجاري، بدلا من تركيز قوته في اتجاه واحد.
التحول النوعي في طبيعة الصراع.
ففي 27 سبتمبر استهدفت مسيرات مواقع للقوات الجوية الإثيوبية في بيشوفطو، كما استهدفت مواقع ومطارات عسكرية في كومبولتشا وبحر دار، وفي الأول من أكتوبر سُمعت انفجارات في أديس أبابا قرب مقر القيادة العسكرية الإثيوبية وهو الأمر الذي يعني محاولة ضرب البنية العسكرية الفيدرالية في العمق من جانب المعارضة.
هذا التحول يجعل فكرة العملية العسكرية الإثيوبية نحو عصب أكثر تعقيدا.
فالجيش الذي يريد فتح جبهة خارجية يحتاج أولا إلى تأمين عمقه.
وإذا كان خصوم الحكومة قادرين على استخدام المسيرات ضد قواعد ومطارات في مناطق بعيدة عن تيجراي، فإن نقل ثقل عسكري كبير إلى الحدود الإريترية سيخلق فراغات جديدة يمكن استغلالها من جانب خصوم الحكومة في أمهرة أو أوروميا أو عفر.
من هنا يصبح عصب فخا محتملا، لا لأن السيطرة عليه مستحيلة عسكريا بالضرورة، وإنما لأن السيطرة على الميناء ليست مساوية للقدرة على الاحتفاظ به أو تأمين الطريق المؤدي إليه.
إذن المشكلة ليست في الوصول إلى عصب، وإنما فيما بعد الوصول إليه، بما تحتاجه من خطوط إمداد طويلة ومحمية، وإلى قوات قادرة على التعامل مع تضاريس قاسية، وإلى حماية الميناء والمنطقة المحيطة به، وإلى تأمين الطريق الذي يربط الميناء بالحدود الإثيوبية.
وفي المقابل ستتمتع إريتريا بميزة أساسية تتمثل في القتال على أرضها، وفي وجود بنية عسكرية متراكمة منذ عقود من الحرب مع إثيوبيا.
وتزداد أهمية هذه الميزة إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف بدلا من عملية خاطفة.
وهنا يجب الحذر من المبالغة في الحديث عن تفوق عسكري إثيوبي حاسم.
صحيح، إن إثيوبيا دولة أكبر سكانا وموارد، وتمتلك جيشا كبيرا وقدرات جوية ومسيرات، لكن تجربة حرب تيجراي أظهرت أن التفوق الناري لا يضمن بالضرورة الحسم السياسي أو العسكري.
كما أن طبيعة الحرب الحالية مختلفة، إذ لا يواجه الجيش الفيدرالي قوة واحدة فقط، وإنما شبكة متحركة من القوى المسلحة.
وتكتسب تصريحات دبرصيون جبريميكائيل في الأول من أكتوبر أهمية خاصة في هذا السياق.
فقد قال إن قوات تيجراي تخوض حاليا عمليات دفاعية، لكنها ستنتقل إلى هجمات مضادة واسعة، واتهم قوى خارجية بالتدخل في الحرب.
كما أن التحالف الذي تقوده جبهة تحرير شعب تيجراي يضم قوى مسلحة من أقاليم مختلفة، ما يعني أن استراتيجية المعارضة لم تعد تقوم على الاحتفاظ بمدينة أو إقليم، وإنما على توسيع مساحة الاستنزاف.
عقدة عصب
إذا تقدمت إثيوبيا عسكريا نحو الحدود، ستجد إريتريا نفسها أمام خيارين: السماح بتطور ميزان القوة الإثيوبي في تيجراي إلى مستوى يهدد أمنها، أو التدخل لخلق منطقة عازلة بينها وبين القوات الفيدرالية.
وفي الحالة الثانية تتحول الحرب الداخلية الإثيوبية إلى حرب دولية.
ولا تحتاج إريتريا بالضرورة إلى شن هجوم واسع داخل إثيوبيا.
يكفي أن تقدم دعما عسكريا أو لوجستيا لقوى معادية للحكومة، أو أن تزيد انتشارها على الحدود، أو أن تستخدم عصب ومصوع باعتبارهما نقطتي ارتكاز بحريتين.
وهذا يفرض على أديس أبابا حسابات إضافية في وقت تواجه فيه بالفعل أزمة داخلية متعددة الجبهات.
وتزداد حساسية هذه المعادلة بسبب مصر، فقد عززت القاهرة وأسمرة خلال 2026 تعاونهما، بما في ذلك في المجال البحري، ومصر تعتزم المشاركة في تطوير مينائي عصب ومصوع.
والمفارقة أن عصب نفسها هي الميناء الذي ربط آبي أحمد بينه وبين طموح إثيوبيا في الوصول إلى البحر. ولذلك، فإن التنافس على الميناء لم يعد إثيوبيا إريتريا فقط، بل بدأ يندمج في ترتيبات البحر الأحمر الأوسع، وهذا يفسر لماذا أصبح التصعيد الحالي موضع اهتمام الاتحاد الإفريقي.
ففي الأول من أكتوبر أصدر الاتحاد الإفريقي بيانا خاصا بالتوتر بين إثيوبيا وإريتريا ومصر، داعيا الدول الثلاث إلى أقصى درجات ضبط النفس والحفاظ على قنوات الاتصال.
ولا يعني هذا البيان أن حربا إقليمية أصبحت حتمية، لكنه يكشف أن الأزمة يتم تقديرها في مؤسسات القارة باعتبارها قضية تتجاوز الحدود الثنائية.
وتزداد المشكلة تعقيدا بسبب الإمارات.
فدبرصيون اتهم في خطابه الأخير أبوظبي بالمشاركة في الحرب، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية وثيقة بحكومة آبي أحمد.
وهذه الاتهامات تبقى بحاجة إلى التحقق المستقل، لكنها تكشف أن الحرب الإثيوبية لم تعد صراعا يمكن فهمه من خلال العلاقات الداخلية وحدها.
فالبحر الاحمر أصبح مسرحا لتنافس خليجي وإقليمي، وإثيوبيا جزء متزايد من هذه المعادلة.
لذلك، فإن اندفاع أديس أبابا نحو عصب، إذا تحول من التفاوض إلى القوة، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
فبدلا من حل مشكلة اعتماد إثيوبيا على المواني الأجنبية، قد يؤدي إلى توسيع عدد الدول والقوى التي ترى أن احتواء القوة الإثيوبية أصبح ضرورة أمنية.
إثيوبيا تحتاج إلى منفذ بحري مستقر، لكنها إذا حاولت الحصول عليه بالقوة قد تفقد الاستقرار الذي تحتاج إليه للوصول إلى البحر.
وهي تحتاج إلى تقليص اعتمادها على جيبوتي، لكن فتح حرب مع إريتريا قد يهدد الطريق نفسه الذي يربطها بالمواني.
وهي تريد منع تطويقها من الشمال والشرق، لكن الصدام مع أسمرة قد يدفع قوى أخرى إلى بناء ترتيبات مضادة حولها.
ولهذا ينبغي الفصل بين ثلاثة مطالب إثيوبية مختلفة كثيرا: ضمان وصول تجاري إلى البحر، الحصول على حق طويل الاجل في استخدام ميناء، وإنشاء وجود عسكري أو سيادي في عصب.
الأول يمكن التفاوض حوله بسهولة نسبية، والثاني يحتاج إلى اتفاقات وضمانات، أما الثالث فيغير طبيعة النزاع ويجعله مسألة أمن قومي بالنسبة إلى إريتريا.
المشكلة أن الخطاب السياسي الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة خلط بين هذه المستويات.
وقد ربط آبي أحمد الحاجة الاقتصادية بالوصول إلى البحر باعتبارها مسألة استراتيجية، بينما تنظر إريتريا إلى أي وجود عسكري إثيوبي على ساحلها باعتباره تهديدا مباشرا.
وهذا التباين في تعريف المشكلة يجعل فرص سوء التقدير مرتفعة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "





