أخبار عاجلة

بالبلدي: التحولات الاستراتيجية المستقبلية لإسرائيل وإنعكاساتها على مصر

بالبلدي: التحولات الاستراتيجية المستقبلية لإسرائيل وإنعكاساتها على مصر
بالبلدي: التحولات
      الاستراتيجية
      المستقبلية
      لإسرائيل
      وإنعكاساتها
      على
      مصر

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات تحولات جيو سياسية عميقة، أعادت رسم خرائط النفوذ وموازين القوى التقليدية. وفي قلب هذه التحولات، يبرز احتمال نجاح مشاريع نزع السلاح في قطاع غزة ولبنان، بالتوازي مع التوسع العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومحاولات بناء شبكات تحالف مع بعض الأقليات والقوى المحلية. وإذا ما نجحت هذه المسارات مجتمعة، فإن المنطقة ستكون أمام واقع استراتيجي جديد تتغير فيه قواعد الردع والصراع، التي حكمت الشرق الأوسط لعقود طويلة.

فقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة على ثلاثة مرتكزات أساسية: التفوق العسكري النوعي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود، ومنع ظهور أي قوة إقليمية أو محلية قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، فإن نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في غزة وإضعاف القدرات العسكرية لـحزب الله لا يمثلان مجرد انتصار تكتيكي فقط، بل يشكلان تحولاً استراتيجياً، قد يعيد صياغة البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل بأكملها.

وعلى مدى العقدين الماضيين، واجهت إسرائيل تهديداً استراتيجياً، تمثل في إمكانية اندلاع مواجهة متزامنة على أكثر من جبهة، تشمل قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا وربما العراق واليمن، فضلا عن إيران. وقد شكل هذا الواقع أحد أهم القيود على حرية الحركة الإسرائيلية.

لكن نجاح عمليات نزع السلاح في غزة ولبنان من شأنه، أن يؤدي إلى تقليص هذا التهديد بصورة غير مسبوقة، وهو ما يترتب عليه عدد من النتائج الاستراتيجية المهمة، وعلى رأسها:

  • انخفاض احتمالات التعرض لهجمات صاروخية واسعة النطاق، علاوة على المسيرات المستجدة.
  • تراجع الحاجة إلى تعبئة قوات الاحتياط بصورة مستمرة.
  • زيادة هامش المناورة العسكرية والسياسية لإسرائيل.
  • تحويل الموارد العسكرية من الدفاع إلى مشاريع التوسع والنفوذ الإقليمي.

وبذلك تنتقل إسرائيل من مرحلة إدارة المخاطر الأمنية المباشرة إلى مرحلة إعادة هندسة المجال الإقليمي المحيط بها. وإذا نجحت إسرائيل في تحقيق أهدافها المتعلقة بنزع السلاح والتوسع الإقليمي، فإنها ستنتقل من دولة منشغلة بالدفاع عن حدودها إلى قوة إقليمية تمتلك حرية حركة واسعة في المشرق العربي.

لبنان

لم يعد الوجود الإسرائيلي المتزايد في جنوب لبنان مجرد إجراء عسكري مؤقت، مرتبط بالحرب الدائرة أو بمحاولة احتواء تهديدات أمنية آنية، بل أصبح جزءاً من تحول أوسع في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية، يقوم على إعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بالدولة العبرية بعد عقود من الاعتماد على الردع التقليدي.

وعلى مدى ما يقرب من أربعة عقود، شكل جنوب لبنان الجبهة الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل. فمنذ اجتياح عام 1982، مروراً بإقامة الشريط الأمني والاعتماد على جيش لبنان الجنوبي، وحتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وصولا إلى الحرب الحالية، ظلت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى الجنوب اللبناني، باعتباره منطقة حيوية لضمان أمن الجليل ومنع تشكل قوة عسكرية معادية على حدودها الشمالية ومصدر للمياه العذبة من الليطاني والحصباني. ولا يمكن في هذا الصدد إغفال ما تحاول إسرائيل إصباغه من بعد ديني وتاريخي، حيث تربط بعض الروايات اليهودية مناطق جنوب لبنان بتاريخ القبائل القديمة وخاصة قبيلتي “نفتالي وأشير” التي تؤكد سابق تواجدهما حتى نهر الليطاني، فضلا عما تستمر في ترديده من أن الآباء المؤسسين ابن جوريون ووايتسمان، كانا يريدان توسيع حدود الدولة الناشئة إلى نهر الليطاني.

غير أن حرب عام 2006 وما تلاها من تصاعد في القدرات العسكرية لحزب الله، فرضت على إسرائيل واقعاً استراتيجياً جديداً، تمثل في تآكل قدرتها على فرض الردع الكامل، وتحول الجبهة الشمالية إلى مصدر تهديد دائم. ومن هنا، فإن أي نجاح محتمل في نزع سلاح حزب الله أو تقليص قدراته بصورة جذرية، سوف يمثل- من وجهة النظر الإسرائيلية- فرصة تاريخية لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.

وفي حال نجاح عملية نزع السلاح في لبنان- مع كل ما يحيطها من عوائق وعراقيل-  قد تسعى إسرائيل إلى تكريس وجود أمني طويل الأمد في المناطق الحدودية الجنوبية، ليس بالضرورة من خلال الاحتلال المباشر، وإنما عبر ترتيبات أمنية متعددة المستويات تشمل:

  • فرض منطقة منزوعة السلاح فعلياً جنوب نهر الليطاني وضمان تواجد الجيش اللبناني وحده في هذه المنطقة، دون أي تواجد أممي على غرار اليونيفيل.
  • الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري السريع غير المشروط.
  • إنشاء منظومة إنذار ومراقبة متقدمة أكثر تعقيدا.

وبذلك، تنتقل إسرائيل من مفهوم “الحدود الثابتة إلى مفهوم المجال الأمني الممتد”.

قطاع غزة

يعتبر قطاع غزة، وما يمثله من ثقل سكاني عنصر من أهم عناصر التهديد لإسرائيل٬ وزادت تلك التهديدات بعد عملية ٧ أكتوبر، التي أكدت للكيان الصهيوني، أن غزة هي الخطر المباشر الأكبر الذي تواجهه، وذلك على الرغم من محدودية السلاح الفلسطيني مقارنة بما كان يملكه حزب الله٫

ولذا سعت إسرائيل على استخدام أقوى معايير الإبادة تجاه القطاع وقاطنيه، وأصرت على أن يكون نزع سلاح حماس والفصائل الأخرى وإزالة أي بنية عسكرية وخاصة منظومة الانفاق، هو الشرط الحاكم في أي مساعي للتهدئة التي تمهد للانسحاب من القطاع.

وتري إسرائيل أن السلاح الفلسطيني هو مصدر تهديد متعدد الأبعاد، يمس الأمن والعقيدة العسكرية والتوازنات السياسية الداخلية. ويمكن تلخيص عناصر التهديد الرئيسية في النقاط الآتية:

  • الرمزية السياسية للسلاح حيث ترى إسرائيل أن احتفاظ الفصائل بسلاحها، يرمز إلى استمرار مشروع “المقاومة المسلحة” ورفض التسويات النهائية، الأمر، الذي تعتبره عائقاً أمام أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وتعضد من فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة المرفوضة اسرائيليا.
  • التهديد الصاروخي المباشر للعمق الإسرائيلي: ترى إسرائيل أن امتلاك الفصائل لآلاف الصواريخ والقذائف يتيح لها استهداف المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك تل أبيب وأشدود وبئر السبع، وتأثير ذلك في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
  • تقويض مبدأ الردع الإسرائيلي من خلال اتباع استراتيجية الاستنزاف طويلة الأمد: وترى إسرائيل أن استمرار وجود قوة مسلحة مستقلة في غزة مع ما تملكه من بنية تحتية ممثلة في الانفاق التي تحسن استخدامها، يعني بقاء طرف قادر على تحدي هذا الردع وإلحاق خسائر بشرية ومادية بها.
  • الارتباط بالمحور الإقليمي: تنظر إسرائيل إلى الفصائل المسلحة في غزة، باعتبارها جزءاً من شبكة إقليمية أوسع، تضم أطرافاً مثل إيران وحركات مسلحة أخرى في المنطقة، وهو ما يثير مخاوفها من فتح جبهات متعددة في وقت واحد.

ولذا سيستمر الاصرار الإسرائيلي على التخلص الكامل من هذا السلاح وفقا لقواعدها في التحقق، قبل حدوث أي انفراجة سياسية أو إنسانية في القطاع.

 التوسع في سوريا وإعادة تشكيل المجال الحيوي

يمثل التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي السورية أحد أبرز مظاهر التحول الاستراتيجي الجاري. فإسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا، باعتبارها مجرد دولة مجاورة، بل باعتبارها فضاءً أمنياً مفتوحاً، يمكن من خلاله منع ظهور تهديدات مستقبلية.

وتسعى إسرائيل، من خلال توسيع وجودها العسكري في بعض المناطق الحدودية، إلى تحقيق عدة أهداف:

  • إنشاء مناطق عازلة تمنع اقتراب القوى المعادية من حدودها.
  • السيطرة على المرتفعات والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية.
  • قطع خطوط الإمداد بين إيران وحلفائها الإقليميين.
  • التأثير في مستقبل الدولة السورية وتركيبتها الداخلية.

وفي هذا السياق، تبرز سياسة بناء التحالفات مع بعض الأقليات والقوى المحلية بوصفها امتداداً لاستراتيجية إسرائيلية قديمة، تقوم على إقامة علاقات مع الفاعلين غير الحكوميين من أجل خلق توازنات جديدة داخل الدول العربية المجاورة.

فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تبنت إسرائيل ما عرف بـ”استراتيجية الأطراف”، القائمة على بناء علاقات مع قوى غير عربية أو مع جماعات هامشية داخل المنطقة. واليوم، يبدو أن هذه الاستراتيجية تعود بصيغ جديدة في ظل حالة التفكك، التي تشهدها بعض دول المشرق (العلاقات الاُسرائيلية الكردية، والتدخلات في الوضع الدرزي في السويداء ٬ والتنامي في العلاقات مع العلويين هي خير أمثلة على ذلك).

إن نجاح إسرائيل في بناء علاقات مستقرة مع بعض الأقليات أو القوى المحلية في سوريا والعراق ولبنان من شأنه، أن يمنحها عدداً من المزايا الاستراتيجية تتمثل في:

  • إنشاء مناطق نفوذ غير مباشرة.
  • الحصول على مصادر معلومات استخباراتية متقدمة.
  • تقليل الحاجة إلى الوجود العسكري المباشر.
  • بناء توازنات داخلية تمنع ظهور جبهة إقليمية موحدة ضدها.

ولا يعني ذلك بالضرورة السعي إلى تقسيم الدول المجاورة بصورة مباشرة، لكنه يعكس توجهاً نحو بناء شبكات نفوذ، تضمن لإسرائيل دوراً مؤثراً في إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها.

لن يقتصر تأثير هذه التحولات على فلسطين ولبنان وسوريا، بل سيمتد إلى مجمل دول الجوار العربي، وعلى رأسها الأردن ومصر.

فالأردن قد يجد نفسه أمام ضغوط متزايدة مرتبطة بمستقبل الضفة الغربية، وباحتمالات إعادة تعريف العلاقة السياسية والديموجرافية بين الفلسطينيين والدولة الأردنية.

وتبقى مصر الدولة العربية الأكثر تأثراً بأي تحول استراتيجي في المشرق العربي، بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي وثقلها السياسي.

فمن الناحية الأمنية، قد يؤدي نجاح نزع السلاح في غزة إلى تقليص بعض التهديدات المباشرة على الحدود الشرقية، لكنه قد يفتح الباب أمام تحديات أكثر تعقيداً، مثل:

  • احتمالات الفراغ الأمني في القطاع، خاصة مع حرص إسرائيل الكامل على إزالة كافة أشكال التواجد الأمني الفلسطيني به.
  • الضغوط الدولية المتعلقة بإدارة الحدود.
  • مخاطر التهجير أو إعادة توزيع السكان.

ومن الناحية السياسية، قد تجد مصر نفسها أمام ضرورة إعادة صياغة دورها الإقليمي، بما يتناسب مع البيئة الجديدة. فالتراجع النسبي لدور بعض القوى التقليدية، وصعود إسرائيل بوصفها فاعلاً إقليمياً أكثر تأثيراً، يفرضان على القاهرة تطوير أدوات جديدة للحفاظ على مكانتها الاستراتيجية.

خاتمة

إن نجاح عمليات نزع السلاح في لبنان وغزة، بالتوازي مع التوسع الإسرائيلي في سوريا وبناء شبكات نفوذ جديدة، لا يعني مجرد تغير في موازين القوى العسكرية، بل يمثل تحولاً عميقاً في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

فإسرائيل تسعى، في هذه المرحلة، إلى الانتقال من منطق الدفاع عن الحدود إلى منطق إدارة المجال الإقليمي المحيط بها. غير أن نجاح هذا المشروع سيظل مرتبطاً بقدرتها على التعامل مع التحديات الديموجرافية والسياسية والأمنية التي ستنتج عن هذا التحول.

أما بالنسبة لمصر، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في مواجهة التداعيات المباشرة لهذه التحولات، بل في القدرة على استعادة دورها التاريخي بوصفها القوة العربية القادرة على صياغة التوازنات الإقليمية ومنع انزلاق المنطقة نحو حالة جديدة من عدم الاستقرار. ومن منظور الأمن القومي المصري، تكمن المسألة الأساسية في الحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع ظهور نظام إقليمي أحادي القطبية، لأن اختلال موازين القوى في المشرق العربي ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن المصري، سواء في شرق المتوسط أو البحر الأحمر أو القرن الإفريقي.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: هزة أرضية بقوة 5.2 ريختر تضرب قرب السويس وتشعر بها القاهرة الكبرى وعدة محافظات
التالى بالبلدي: التحولات الاستراتيجية المستقبلية لإسرائيل وإنعكاساتها على مصر

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 أضف موقعك
إعلان متجاوب
● مباشر
...× إغلاق
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
إعلان مُقترح
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا