أخبار عاجلة

بالبلدي: حديث الحرب

بالبلدي: حديث الحرب
بالبلدي: حديث
      الحرب

عندما أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش فور أحداث الـ11 من سبتمبر 2001 مبدأه الحاسم لكل دول العالم، أن تختار إما معنا أو علينا، إما مع أمريكا أو ضد أمريكا، لم تكن مصر في أحسن أحوالها، كان النظام الحاكم قد دخل في طور الترهل والضعف والشيخوخة، ورغم ذلك استطاع أن يستجيب للمبدأ الأمريكي بقدر من المناورة الذكية والصلابة الوطنية في آن واحد . 

1 ــ فقد تعاون معها فيما هو مشترك أو فيما يخدم أجندته في الحرب على الإرهاب وبالتحديد بعض تنظيمات الإسلام السياسي التي تنتهج سبيل العنف، وكانت لدى النظام خبرات طويلة في احتواء بعض هذه التنظيمات واستمالتها وتوظيفها في أجندته، وتشجيع بعضها، وضرب بعضها ببعض، كما لديه سجل معلومات استثنائي، يمتد لما يقرب من مائة عام، منذ عرفت مصر هذا النوع من التنظيمات الدينية السياسية في مطلع الربع الثاني من القرن العشرين. في هذا المجال تعاون النظام، ولم يتردد في تقديم بعض خدماته للأمريكان.

2 ــ لكن النظام قاوم- ولو مقاومة هزيلة- مشروعها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط على نحو يسمح لها باختراق ثقافاته ومجتمعاته والتأثير النافذ على سياساته، كان النظام في حقيقة الأمر يدافع عن نفسه وعن بقائه وعن أمانه بالدرجة الأولى، كان على وعي كاف أن الطرح الأمريكاني لتغيير الشرق الأوسط، إنما يعني تغيير الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول المهمة، مثل مصر بالدرجة الأولى، والرئيس مبارك على وجه التحديد كان يعلم علم اليقين أن الأمريكان نفضوا أيديهم منه، ومن نظام حكمه وأن كفالتهم له انتهت، وأن ضمانهم لبقائه على الكرسي قد انتهت صلاحيته وتجاوزه الزمن، لم يكن عند الرئيس مبارك أدنى شك في ذلك، كان يعلم إن غزو العراق وإسقاط صدام وتفكيك الجيش العراقي وتعيين إدارة احتلال تحكم العراق كل ذلك مجرد بداية وليس نهاية، يعني لن ينتهي الأمر عند حدود العراق، إنما سوف ينطلق منه إلى عموم الشرق الأوسط، ما بين غزو العراق في ربيع 2003، واشتداد الهجوم على النظام المصري في واشنطن في ربيع 2005 تيقن الرئيس مبارك، أن بقاءه في الحكم قد أشرف على نهايته، وأن الرجل ذاته بات عليه أن يلقى مصيره، كيفما يكون. يذكر وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط في مذكراته، أنه فوجئ بحملات هجوم وانتفاد منظمة ضده أثناء زيارة عمل إلى واشنطن في فبراير 2005، وفور عودته إلى مصر التقى رئيس الجمهورية وقص عليه القصص، فلما انتهى اللقاء، وهمَّ وزير الخارجية بالمغادرة وتحرك بالفعل صوب باب الخروج، استوقفه مبارك وحدثه كمن يحدث نفسه، وقال بصوت أسيف ما معناه- بوضوح- أن الأمريكان لم يعودوا يرغبون بقاء مبارك في حكم مصر. ورغم هذا الوضوح، كان الرجل- ربما بحكم الشيخوخة وما تنطوي عليه من زهد في الأيام أو استسلام للأقدار- أعجز من أن يمنع مصيره المحتوم.

3 ــ لكن صلابة مبارك- كحاكم وقائد ومصري وطني وعربي ومسلم من عوام الناس وبسطائهم دون ثقافة رفيعة، ولا تفلسف مصطنع- تجلت بوضوح شديد في أخطر لحظتين:

1 ــ الأولى عندما طلب الأمريكان من مصر، أن تشارك بقوات مقاتلة في الحرب على أفغانستان، رفض مبارك ذلك بكل قوة رغم يقينه أن ذلك من شأنه الإضرار بمكانته عند الأمريكان، واقترح عليهم تقديم مساعدات لوجستية مثل إقامة مستشفى ميداني مثلاً، وهو ما اعتبره الأمريكان تمرداً عليهم واستهزاءً بهم، يكفي لإنهاء تحالفهم معه والتزامهم بضمان بقائه في حكم مصر، ما دام بقي في جسمه عرق، ينبض بالحياة كما كان يحلو لمن يكتبون له الخطب، أن يكتبوها له في كل خطبة تستدعي التأكيد على نيته عدم مفارقة الكرسي إلا بالموت.

2 ــ الثانية كانت اللحظة الأخطر، وهي عندما طلب الأمريكان من مصر إرسال قوات مقاتلة لغزو العراق واحتلاله وإسقاط النظام، وللمرة الثانية في غضون عامين، ينتصر مبارك على ضعفه وترهله وشيخوخة حكمه، ويتجلى في أشرف موقف وطني يُحسَبُ له في التاريخ. عظمة هذا الموقف من غزو العراق، مثلما الموقف من غزو أفغانستان، أن مبارك وضع- من حيث لا يدري- حجر الأساس الذي أنبنت عليه السياسة المصرية، فيما يخص حالة الحرب الممتدة زماناً ومكاناً على الشرق الأوسط وفيه وبينه وبين قواه سواء حروب، يشنها الخارج أو بين دوله أو داخل بعض دوله من حروب أهلية. خلاصة حكمة مبارك، التي استقاها من سنوات حكمه الطويلة، هي أن الشرق الأوسط مع مطلع الألفية دخل أتون مرحلة قلقة مضطربة، ليس لمصر مصلحة وطنية تدفعها؛ لأن تنزلق أقدامها في خضم هذا الاضطراب، وما ينطوي عليه من حروب وعنف غير معلوم مداه ولا معروف منتهاه. لم يكن غير مبارك الحاكم العجوز والحليف الموثوق للأمريكان والعسكري القديم والفلاح المصري بقادر على أن يتخذ هذا الموقف الصلب، وهو على يقين أن الأمريكان سوف يمسحون به الأرض مسحاً، ويكسرون أنفه ويذلون كبرياءه، وقد أرخو له الحبال ثم تركوها تلتف حول قدميه، حتى خرج من قصور الحكم ثم دخل أقفاص الاتهام، يمتثل في استسلام كامل لنداءات المحكمة ثم نزل سجيناً في أشهر ليمان.

هذا الموقف المصري من حروب الشرق الأوسط، في العقد الأول من القرن الحالي، هو حجز الزاوية الذي يعصم ويوجه ويرشد القرار المصري حالياً ومستقبلاً، فيما يخص حالة الحروب السائبة في الشرق الأوسط سواء في الربع الأول من القرن الحالي أو الربع الثاني الذي ما زال في مفتتحه ومبتدأه.

نستكمل الأربعاء المقبل إن شاء الله.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: ترمب يهدّد إيران بـ "ضربة قوية" ما لم يُفتح مضيق هرمز ومحادثات عمانية لإعادة الملاحة المائية وسط تصاعد التوتر في البحر الأحمر
التالى بالبلدي : تقارير: محمد صلاح يستقر على رقم قميصه مع طرابزون سبور

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 أضف موقعك
إعلان متجاوب
● مباشر
...× إغلاق
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
إعلان مُقترح
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا