أعلنت السعودية (30 يوليو الفائت) إنشاء ما عرف بالتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بالتعاون مع 13 دولة معنية بأمن البحر الأحمر، وشملت قائمة تلك الدول كل من مصر وجزر القمر وجيبوتي والسودان والصومال من إفريقيا، وتركيا واليمن وقطر وباكستان والبحرين وبنجلاديش والكويت والأردن، مع استثناء بارز لكل من الإمارات وإسرائيل وإريتريا؛ لأسباب متفاوتة.
وجاء الإعلان خلال اجتماع، عقدته الرياض بعد أيام قليلة من التصعيد العسكري غير المسبوق في السنوات الأخيرة بين الأولى وجماعة الحوثيين في اليمن، وبالتزامن مع هجمة مباغتة على موقع هام في ميناء دمياط باستخدام درونز، لم تتكشف بعد هوية القائمين عليه.
وهي خطوة تعلن ضمنيًا نهاية مشروع السعودية السابق في البحر الأحمر، الذي حمل عنوان “مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر” لصالح التحالف الجديد العابر للتمثيل الإقليمي في ضوء تقارير عن توجيه الرياض دعوات لنحو 50 دولة (من بينها الولايات المتحدة ودولًا أوروبية) للمشاركة في هذا التحالف.
ويتضح من قراءة أولى للإعلان، أن التحالف يمثل أداة سعودية طموحة لحل المشكلات الراهنة المستقبلية في حوض البحر الأحمر عبر حشد إقليمي ودولي كبير، وتحالف عسكري أمني محدد المهام والأهداف، يتجاوز فكرة قيادة السعودية لمنظمة تعاون إقليمي فرعي (على مختلف مستويات التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي) في البحر الأحمر، وربما بأعباء مالية أقل في حالة التحالف، الذي ستكون لعملياته وفعاليته أثر إيجابي في تعزيز الاقتصاد السعودي على نحو مباشر.
التحالف الدفاعي: ما القصة؟
يأتي إعلان تشكيل التحالف في وقت تواجه فيه السعودية تهديدات متصاعدة من تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، وامتداد هذه التداعيات بقوة من ساحة الخليج العربي ومضيق هرمز إلى سواحل السعودية الغربية على البحر الأحمر، مع اضطراب ملحوظ في مجمل أوضاع حوض البحر الأحمر من شبح حرب أهلية وشيكة في إثيوبيا، ستمتد آثارها حتمًا لدول الحوض الإفريقية، وما أثاره الهجوم على ميناء دمياط من مخاوف تمدد رقعة هذا الصراع من جنوبي البحر الأحمر إلى شماله. وتضمنت خطوط الإعلان العامة، أن التحالف هو إطار للتعاون الدفاعي البحري، يهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين خطوط التجارة الدولية وطرق إمدادات الطاقة، وحماية المصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن، وذلك وفقًا لأحكام القانون الدولي، واتفاقيات الأمم المتحدة والأعراف الدولية.
وعن أدوات تحقيق هذه الأهداف، أكد الإعلان على تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري، وتبادل المعلومات، والاستخبارات، والتخطيط العملياتي، والتمارين المشتركة، والدروس المستفادة، والتدريب، وبناء القدرات، وتنفيذ العمليات البحرية المشتركة، وفقًا لأحكام الميثاق.
كما لفت الإعلان إلى كون التحالف “ذو طبيعة دفاعية خالصة، ولا يستهدف أي دولة أو تحالف أو منظمة دولية، ويمارس جميع أنشطته في إطار الالتزام الكامل بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحماية حرية الملاحة. كما أكد الإعلان على نحو لا لبس فيه، أن “المملكة العربية السعودية دولة مؤسسة وقائدة للتحالف، وهي المقر الرئيسي الدائم له”، ومن ثم، فقد تقرر “إنشاء القيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، والأمانة العامة” في السعودية، بوصفها الأجهزة التنفيذية الرئيسة للتحالف.
ويمكن النظر لخطوة إعلان تشكيل التحالف كاستجابة عاجلة من الرياض إلى تهديدات جماعة الحوثيين في يوليو الماضي، بفرض ما وصفته بالحصار على حركة السفن السعودية في البحر الأحمر، ردًا على قصف الرياض لمطار صنعاء الدولي في شمالي اليمن في الشهر نفسه. وخطوة لإعادة تعزيز الدور الإقليمي السعودي بعد تضرره البالغ؛ جراء الحرب الأخيرة سواء كقوة خليجية كبرى، لم تستطع لعب الدور المنوط بها لحماية نظام الأمن في الإقليم (أو ربما انكشاف هشاشة هذا الدور بشكل غير مسبوق منذ حرب الخليج الثانية 2003)، أم كقوة شرق أوسطية فاعلة في كثير من ملفات الإقليم أو رأس حربة، فيما كان يعرف بمفهوم “اللحظة الخليجية” في العالم العربي والشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر (مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال)، والتي شاركت في الاجتماعات المؤسسة لإعلان قيام “التحالف الدفاعي”، فإن الخطوة السعودية تمثل فرصة مهمة لها؛ لتحقيق مظلة عمل دولية لحزمة من أهدافها من بينها، تقوية الأمن البحري وحماية طرق الملاحة الدولية وتحسين التعاون الدفاعي بين دول حوض البحر الأحمر مجتمعة (ثمانية دولة مع استثناء إسرائيل). وإضافة إلى مصر والسودان وتقاطعات دوائر علاقاتهما مع السعودية، فإن كل من جيبوتي وإريتريا والصومال– التي تطل جميعها على مضيق باب المندب- تترقب تفعيل هذا التحالف؛ أملًا في تخفيف الأضرار البالغة، التي تلحق بها؛ جراء اضطراب الملاحة في المضيق.
كما جاءت الخطوة لتعبر عن مقاربة استباقية، باتت تنتهجها الرياض للتوصل لحزمة من الحلول المستدامة لأزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز؛ من بينها ما بات واضحًا مطلع أغسطس الجاري، من توجيه الرياض صادراتها البترولية للمستهلكين الآسيويين عبر ميناء سيدي كرير في مصر ثم الدوران حول إفريقيا. ورأت تقارير مختلفة، أن تكوين التحالف يهدف في المقام الأول لمواجهة تهديدات الحوثيين بفرض حصار على حركة السفن السعودية (20 يوليو)، وتنفيذهم جزء من هذه التهديدات بعد 48 ساعة فقط بمهاجمة سفينتين سعوديتين، وما أعلنوه من “مزاعم” عن إجبارهم العديد من السفن السعودية على العودة قبل عبور مضيق باب المندب.
كما لا يمكن فصل التحرك السعودي، الذي يتوقع تصاعده، فيما تبقى من العام الجاري، عن التصعيد السعودي في مواجهة تداعيات الحرب في أكثر من جبهة كما في ضرب الرياض بالتعاون مع واشنطن مواقع لميليشيات عراقية موالية لإيران، مع عدم استبعاد تورط ميليشيات موالية لإيران في الضربة المباغتة، التي شهدها ميناء دمياط المصري (29 يوليو).
مصر والتحالف السعودي: خطوة للأمام.. خطوتان للوراء
تمثل مشاركة مصر في التحالف الدفاعي متعدد الجنسيات استجابة منضبطة توقيتًا وعملياتيًا بشكل تام؛ إذ تلبي جملة أهداف التحالف جميع ما تأمل مصر في تحقيقه في حوض البحر الأحمر من أمن واستقرار واحترام سيادة الدول المطلة عليه ووحدتها، كما توفر هذه الأهداف دفعة قوية لتعميق مصر سياساتها الاستباقية الحالية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، أخذًا في الاعتبار ما يلي:
- حقيقة استبعاد الرياض لدولة الإمارات من التحالف (حتى الآن)، وما يعنيه ذلك من جدية الاصطفاف السعودي- التركي- المصري- الصومالي (على سبيل المثال).
- توقيت التحالف يتزامن بشكل واضح مع التدهور الحالي في الأوضاع في إثيوبيا، أكبر دولة جوار لدول الحوض وأكثرها تأثيرًا في العقود الأخيرة على سياسات عدد من تلك الدول الداخلية (مع جنوح للتأثير السلبي وتغليب أطماع أديس أبابا في الوصول لمنفذ بحري بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى).
- استهداف التحالف مشاركة أكبر عدد ممكن من الدول المعنية بأمن البحر الأحمر (بما فيها الولايات المتحدة وقوى أوروبية مهمة)، يلتقي (نظريًا على الأقل) مع هدف مصر تعزيز التعاون الدولي في الإقليم كمظلة لحمايته من التفكك ولتعظيم احتمالات استدامة استقراره على المدى البعيد، عوضًا عن حل الأزمة الراهنة.
- وفي استدراك نادر، كشفت مصادر مصرية (3 أغسطس) عن أن القاهرة لا تزال “تقيم وتدرس انضمامها للتحالف”، وهي تسريبات خطيرة– حالة جديتها وتجاوزها حدود البند، الذي نص عليه الإعلان بمنح الدول الراغبة في الانضمام الوقت لمراجعة وضبط هذه المشاركة، وفق قوانينها الوطنية- تعيد للأذهان الخلافات “الباردة” بين القاهرة والرياض خلال مراحل عمل مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، كما قد تثير تساؤلات حول أوجه تحفظ القاهرة المحتملة، وإن كانت تشمل تفادي الضغط للانخراط في عمليات عسكرية في البحر الأحمر (في الجبهة اليمنية تحديدًا) قد تقود في المحصلة إلى تورط مصري طويل الأجل.
يتضح– أوليًا- أن مساعي السعودية لضبط الوضع في البحر الأحمر تتم عبر مفهوم أساسي قوامه “القيادة” والإمساك بأوراق ضبط هذا الوضع على نحو صارم، أو ما يمكن وصفه بالتوسع المنتظم لدوائر الحركة السعودية في الإقليم، الذي سيكتسب أهمية مضاعفة في مواجهة الرياض لتهديداتها مرحليًا واستراتيجيًا.
أما رؤية مصر، التي عبرت عنها مرارًا في مؤسسة مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، والتي تقوم على تعزيز التعاون الإقليمي في جوانب اقتصادية وسياسية وعسكرية/ أمنية، فإنها تظل دون رافعة حقيقية في ظل التحالف الدفاع متعدد الجنسيات الأخير ونزوعه للتركيز على الجانب الأمني/ العسكري فقط.
تحالف البحر الأحمر والقرن الإفريقي: احتواء التهديدات
يرمي التحالف الجديد إلى خدمة الرؤية السعودية في المقام الأول، ويتضح ذلك من تضمين الإعلان، أن القيادة والعمل التنظيمي و”الإدارة” ستكون في يد سعودية، مقارنة بتنسيق العمل مع القاهرة في مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، كما لا يبدو أن للقاهرة خيارات مثلى بمنأى عن الانضمام للتحالف الجديد والعمل وفق القواعد السعودية الواضحة.
بأي حال، فإن التحالف الذي لا يزال في طور التكوين، وربما التوسع لاحقًا، سيكون من الأهمية بمكان، بحيث يمكنه تمتين علاقات الرياض بمقديشو وجيبوتي (ورفعها لمستويات أعلى لا سيما مع جيبوتي)، وكذلك مع السودان في ضوء ملاحظة الاهتمام السعودي الكبير في الأسابيع الأخيرة في هذا المسار.
وستكون قدرة التحالف على احتواء التهديدات (سواء من خارج الإقليم أم فيما بين عدد من دوله) محل اختبار مهم في الفترة المقبلة مع توقع تجدد الفوضى هناك، حالما تنفلت الأمور في إثيوبيا وفق المؤشرات الراهنة. مع ملاحظة أن إريتريا تحفظت على المشاركة في التحالف بالفعل، ولا يتوقع أن تغير موقفها في ظل قيادة الرئيس أسياس أفورقي. ومن ثم، فإن حالة الفوضى في أكبر دول الإقليم سكانًا وتأثيرًا ستمثل التهديد الأخطر في القرن الإفريقي، فيما ستركز الرياض تقليديًا على اليمن وخليج عدن في المقام الأول.
بأي حال، يبدو تكوين التحالف الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة الرياض خطوة هامة على الصعيد الإقليمي ومعبرة إلى حد كبير عن طموح السعودية في قيادة العمل الإقليمي في البحر الأحمر وخليج عدن ورفق رؤية واضحة تمامًا: القيادة والتوجيه.
ورغم أهمية هذا التحالف في تلبية كثير من أهداف مصر الرئيسة في الإقليم نفسه (بشكل غير مباشر بطبيعة الحال)، فإن خيارات القاهرة تظل محكومة باعتبارات أخرى، وحسابات حدود الاصطفاف خلف مواقف الرياض، وفق علاقة متكافئة أم اصطفاف ودعم– غير مشروط- للرؤية السعودية في القرن الإفريقي، والأكثر حساسية بطبيعة الحال هنا في اليمن.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



