سواء كانت يوليو كما يحب الأصدقاء الناصريون، هي فقط فترة حكم الرئيس عبد الناصر، ومن ثم، فإن ما بعده ليس أكثر من ارتداد عنها أو انقلاب عليها، أو كانت هي تداول ضباط من الجيش عبر الاستفتاءات، التي هي تحصيل حاصل أو عبر الانتخابات المُعلَّبة على منصب الرئاسة، سواء كانت هذا أو ذاك فهي- في التاريخ- وعاء درس وفهم وحكمة لكيف تبدأ الثورات بأفكار عظيمة وممارسات نبيلة، ثم ينزلق بها الواقع إلى أفكار عقيمة، وممارسات تبدأ بتزييف الوعي غسيلاً للعقول والضمائر والمشاعر، ثم تمر بقمع الحريات العامة ومصادرة الحقوق المدنية، ثم تنتهي سلطة بمعنى السلطة المجردة، التي ينحصر وعيُها في ذاتها وفي الإبقاء على نفسها أطول فترة ممكنة في موقعها مع الاستحواذ النهم على أكبر قدر ممكن من السلطة مع وضع الشعب تحت السيطرة، والضبط والتحكم الكامل بكافة الوسائل من شعارات وأغاني الوطنية والقومية والإنجازات، حتى القوانين المقيدة للحريات وحيث الزنازين وافرة العدد فاغرة الفم جاهزة في كل وقت لاستقبال المزيد ممن ثقُلت رؤوسهم بالأفكار، أو تحركت ضمائرُهم بالمسؤولية، حيث يجدون في خلوة الزنازين الدواء من الصداع الذي يوجعهم، كما تستريح السلطات من الصداع، الذي يتسببون فيه ويزعجها .
صباح 23 يوليو ،1952 لم تكن تحمل اسم الثورة، كانت تحمل لقب الحركة المباركة، وهذا اللقب لم يكن وليد المصادفة، كان وليد شعور جمعي صادق، إذ البركة من الله وحدها هي التي تفسر نجاحها في إزالة نظام مريض، كان أشبه ما يكون بسرطان، تتمدد خلاياه وتنتشر في كافة أعضاء الجسم من الدماغ، حتى الحواشي حتى الهيكل العظمي ذاته، سقط النظام دون أدنى جهد ودون أدنى مقاومة ودون أدنى حزن أو أسف أو أسى عليه، سواء من كارهيه أو محبيه، سقط النظام؛ لأن الشروط التاريخية: الاجتماعية والسياسية لتطويره أو تجديده من داخله، قد انقضت وانتهت وخلت، كذلك سقط بهذه السهولة لأن الشروط التاريخية لقيام نظام جديد قد آذنت بالظهور، الأمر لم يكن مجرد انتقال من نظام إلى نظام، ولم يكن مجرد انتقال من مؤسسة عائلية، تحكم مصر منذ قرن ونصف إلى مؤسسة عسكرية هي من ثمرات حكم العائلة، ولكن مجرد انتقال من طبقة إلى طبقة ولا من رجال إلى رجال، لكن في المقام الأول والأخير كانت لحظة فارقة بين تاريخين: تاريخ آذن بالزوال بعد أن انقضت وانتهت شروط بقائه، وتاريخ جديد تبلورت شروط ابتدائه . بعبارة أوضح: قامت مصر الحديثة على مؤسستين: عائلة محمد علي باشا وذريته وسلالته، ثم جيش محمد علي باشا، الذي كان الهيكل العظمي أو الشاسيه الحديدي، الذي أنبت من فوقه دعائم الدولة، وكل الذي حدث صباح 23 يوليو 1952 هو باختصار شديد: إحلال جيش العائلة محل العائلة، حكم الجيش وانتهى حكم العائلة، حتى اللحظة الأخير كان الجيش يُطلَق عليه (سيف الملك) وكل ما حدث هو أن سقط السيفُ من يد الملك، فحكم السيف، فخلع الملك، ثم حل مكانه.
ثم لا يُمكنِكَ أن تفهم جوهر الانتقال، الذي حدث من سلالة الباشا إلى سلالة الجيش، دون أن تفهم طبيعة السياسة والحكم في مصر بالمعنى التاريخي، إياك أن تشغلك سطحيات العلوم السياسية القشرية الحديثة ونظرياتها، التي تشغلك بالفروق بين الثورة والانقلاب والملكية والجمهورية والبرلمانية والرئاسية إلى آخر تلك المواضيع، مصر- سواء أرضاك ذلك أو أسخطك- يجتمع فيها الحكم مع الملك، الحكم والملك في مصر توأمان، كانت كذلك وما زالت كذلك، وسوف تبقى كذلك، إلى أن تتغير ثم تتبدل ثم تتطور حقائق الاجتماع والاقتصاد بالدرجة الأولى، بحيث تكون برامج الحكم تنافساً على أصوات جماهير لديها وعي بمصالحها الطبقية، التي هي ليست موحدة كما لديها وعي بحقوقها المدنية وحرياتها العامة، وهي بطبيعتها موحدة أو ينبغي أن تكون موحدة، القاعدة الانتخابية في مصر ما زالت بدائية، المجتمع الانتخابي في مصر ما زال غير مؤسس على مصالح مادية وأدبية، لن يكون عندنا مجتمع انتخابي حقيقي قبل أن تكتمل لدينا حقائق المواطنة الكاملة، المواطن السيد في البلد السيد، حتى الآن حقوق المواطنة منحة من السلطات إن شاء أعطت، وإن غضبت منعت، حتى الآن ما زال هدف المواطن السيد أبعد ما يكون عن الواقع، ما زال المواطن هو الطرف الأضعف في العقد الاجتماعي، وتستطيع السلطات المتعاقبة أن تفرض عليه الإذعان قهراً وجبراً أو استيعاباً واحتواءً. لن تفهم يوليو وما بعدها، إلا إذا فهمت ما قبلها منذ امتلك الباشا مصر بخداعه ودهائه ومكره، ثم بذراعه وسيفه وقوتهن وقد حصل على توافق دولي، يقره على ذلك 1840، وفي ذلك، فإن مصر الحديثة قبل يوليو وبعدها لا تختلف عن مصر في أي مراحل تاريخها من الغزو الفارسي عند منتصف القرن السادس قبل الميلاد حتى يومنا هذا وهي: من يحكم يملك، من يحكم مصر يملكها، حاكم مصر هو صاحبها.
نستكمل الأربعاء المقبل إن شاء الله تعالى.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق