لعقود طويلة، قامت العقيدة الأمنية والاقتصادية الدولية على افتراض تكاد الأدبيات الغربية تعامله كبديهية لا تحتاج مساءلة: أن حرية الملاحة عبر المضائق الدولية شرط تأسيسي للنظام الدولي، وأن أي إخلال بهذا التدفق هو استثناء عابر، يُستعاد بعده التوازن القديم. حرب عام 2026 على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكتفِ بزعزعة هذا الافتراض، بل كشفت أنه كان دوماً افتراضاً مشروطاً بتفوق عسكري أمريكي، لم يعد قادراً على فرض شروطه كاملة. فحين اندلعت الحرب أواخر فبراير من هذا العام، لم يتحول مضيق هرمز إلى ساحة قتال عابرة، بل إلى ما يمكن تسميته أداة ضغط جيو اقتصادي طويلة الأمد بيد طهران.
المفارقة التي لم تُستوعب جيداً في التغطية الغربية لهذه الحرب هي، أن الصدمة الحقيقية لم تكن في قدرة الضربات الجوية الأمريكية- الإسرائيلية على تصفية القيادات العسكرية الإيرانية العليا وإضعاف بنيتها الصناعية التقليدية- فهذا تحقق فعلاً- بل إن إيران نجحت رغم ذلك كله في الحفاظ على إغلاق فعلي للمضيق لأشهر متصلة من الأعمال العدائية، معتمدة على تكتيكات “أسطول البعوض” من الزوارق السريعة وحقول الألغام وأسراب المسيّرات. بمعنى آخر: انتصرت الآلة العسكرية الأمريكية على الأرض، لكن طهران انتصرت في معركة تعريف من يملك حق التحكم بالممر.
وحين وُقّعت مذكرة التفاهم في الدوحة في 17 يونيو 2026 بين إدارة ترامب وطهران، لم يكن الاتفاق إقراراً باستسلام إيراني، كما صُوّر في بعض القراءات، بل كان اعترافاً دولياً ضمنياً بواقع جديد: انتهت حقبة الملاحة الحرة عبر هرمز، وحل محلها ما يمكن تسميته “العبور المشروط”، حيث تفرض طهران رسوماً، وتتولى إجراءات جمركية مقوّمة باليوان الصيني. هذا التفسير هو بالضبط ما فهمته إيران، والتزمت به، بينما رفضته واشنطن، الأمر الذي أعاد إشعال المواجهة مجدداً بين الطرفين. هذا التفسير المزدوج والمتناقض لبند واحد في الاتفاق، هو نفسه دليل على أن الطرفين لم يعودا يتفاوضان على تفاصيل تقنية، بل على من يملك حق تعريف السيادة على الممر أصلاً.
من “الممر الواحد” إلى منطق الشبكة
قبل الحرب، كان النقاش الإقليمي محكوماً بمنطق الممر الخطي الثابت، ويتصدره مشروع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، بوصفه قناة برية- بحرية موحدة، تربط المواني الهندية بالخليج، ثم بإسرائيل وصولاً إلى أوروبا. وقد بُني هذا المشروع بالكامل على فرضية استقرار سياسي ومسار تطبيع إقليمي متصاعد. المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI) قدّم في ورقته الأخيرة عن IMEC تحليلا، يفترض أن الحرب أثبتت “مرونة” هذا الممر رغم الصدمات، وأنه لا يزال قابلاً للحياة بعد تعديلات طفيفة. وهذا بالضبط موضع الخلل في تلك القراءة: فالحرب لم تُثبت مرونة IMEC بقدر ما أكدت استحالة استمرار منطقه التأسيسي كاملاً.
فمن جهة، الضربات التي طالت منشآت حيوية كمنطقة الفجيرة الصناعية في الإمارات ورأس لفان في قطر، جعلت البحث عن بدائل برية، تلتف على نقاط الاختناق البحرية (هرمز وباب المندب) ضرورة أمنية قصوى لا تحتمل التأجيل. ومن جهة أخرى، فإن الحرب نفسها- وليس رغمها- عطّلت إمكانية استكمال مشروع خطي موحد كـ IMEC، بسبب تجمّد مسارات التطبيع وتراجع الثقة السياسية، فضلاً عن أن مواني شرق المتوسط، وفي مقدمتها حيفا، باتت هي نفسها هدفاً أمنياً مباشراً لا عقدة ربط آمنة. بعبارة أخرى: الحرب لم تُنتج نسخة معدّلة من الممر القديم، بل أنهت شرط إمكانه أصلاً، وفتحت الباب أمام منطق مختلف بنيوياً.
هذا المنطق البديل يقوم على ما يمكن تسميته “الوفرة الدفاعية” بدل “الكفاءة اللوجستية”. فبدل السعي وراء طريق واحد أسرع وأرخص يربط نقطة بنقطة، أخذت الهند ودول الخليج تصمم شبكات متعددة المسارات، تربط مواني عُمانية، تقع خارج مضيق هرمز أصلاً (كالدقم وصلالة وصحار) بشبكة الطرق والسكك الحديدية السعودية والإماراتية، بحيث يمكن تحويل مسار البضائع فوراً، إذا أُغلق أي صمام بحري أو بري. الفارق هنا ليس فارقاً في الحجم أو السرعة، بل فارق في المنطق التأسيسي نفسه: الممر لم يعد يُقاس بكفاءته في تسريع التجارة، بل بقدرته على الصمود، حين تُغلق البدائل الأخرى.
البيانات والطاقة كساحة ردع جديدة
الزاوية الأكثر إغفالاً في القراءات المتداولة عن هذه الحرب هي، أنها لم تكن حرباً على النفط والغاز بالمعنى التقليدي فقط، بل كشفت أن سلاح الحصار البحري القديم يمكن تجاوزه عبر استثمار مختلف كلياً في طبيعته: الترابط غير المادي، أو ما يمكن تسميته جغرافيا “المشاع الرقمي” وطاقة المستقبل.
الاستراتيجية، التي تتبناها الإمارات والسعودية اليوم، ترتكز على تحويل الممرات البرية إلى أحزمة ناقلة لشيئين لا علاقة مباشرة لهما بصهاريج النفط: الأول هو، البيانات والذكاء الاصطناعي، عبر الاستثمار في كابلات ألياف ضوئية فائقة السرعة مرافقة لخطوط السكك الحديدية، وبناء مراكز بيانات مستقلة عن السحابة الغربية، استجابة لتحذيرات متصاعدة من مخاطر الاعتماد الكامل على بنية تحتية رقمية غير محلية. هذه الكابلات، خلافاً للناقلات البحرية، لا يمكن لأي “أسطول بعوض” في المضائق أن يحاصرها، وهو ما يمنح الدول التي تستضيفها موقعاً تفاوضياً جديداً كـ”عواصم بيانات،” لا يمكن الاستغناء عنها.
الثاني هو، الطاقة النظيفة، وتحديداً مشاريع الهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي العابر للحدود. والملاحظة الأهم هنا، أن هذا التحول لا يخدم فقط هدف تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، بل يخلق أيضاً بنية مصالح متشابكة، ترفع كلفة العودة إلى الحرب؛ لأن تخريب هذه الشبكة يعني إطفاء الكهرباء ومراكز البيانات في أماكن بعيدة كنيودلهي، لا فقط في المنطقة نفسها. بمعنى آخر: الردع هنا لم يعد يقوم على توازن الرعب العسكري التقليدي، بل على تشابك بنيوي في البنية التحتية، يجعل التدمير مكلفاً لأطراف لم تكن جزءاً من الصراع أصلاً.
سوريا والعراق: من هامش الصراع إلى عقدة الجغرافيا القسرية
من أكثر التحولات، التي أعادت الحرب رسم ملامحها هي إعادة تموضع دولتين كانتا حتى وقت قريب، تُصنَّفان ساحات صراع غير مستقرة: سوريا والعراق. وما حدث هنا لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتاج ما يمكن تسميته “الجغرافيا القسرية”، حيث تفرض الضرورة الأمنية إعادة تقييم لمواقع كانت مهمّشة في الحسابات الإقليمية.
سقوط نظام بشار الأسد، وبروز قيادة أحمد الشرع، وما تلا ذلك من انفتاح دولي على دمشق، تُوّج بقمة الناتو السادسة والثلاثين في أنقرة صيف هذا العام، حوّل سوريا بسرعة لافتة من دولة معزولة إلى ما يشبه إجابة استراتيجية إلزامية على أزمات الممرات في المنطقة. فرغبة العراق في تنويع منافذه التصديرية بعيداً عن الاعتماد الكامل على مواني الخليج المهددة، ورغبة دول الخليج نفسها في الالتفاف الكامل على هرمز وباب المندب، التقتا معاً عند نقطة واحدة: سوريا، بوصفها العقدة الجديدة على حوض المتوسط.
ما نشهده اليوم من تسارع استثمارات خليجية وتركيا لإحياء البنية التحتية السورية- من خطوط السكك الحديدية الرابطة بين مواني الخليج عبر الأردن والعراق وصولاً إلى بانياس واللاذقية، إلى إعادة تشغيل خطوط أنابيب تاريخية كخط كركوك- بانياس- ليس مجرد إعادة إعمار تقنية، بل إعادة تفاوض على من يملك حق أن يكون عقدة عبور شرعية. في الوقت ذاته، يعيش العراق مرحلة تراجع تدريجي في النفوذ الإيراني المباشر، مستغلاً انشغال طهران بتبعات الحرب لإحياء مشروع “طريق التنمية” وربطه بالعمق السوري والتركي، بما يقوّض تدريجياً استراتيجية العزلة التي حاولت إيران فرضها لسنوات.
الممرات “مع إسرائيل” و”حولها”
هنا تكمن، في تقديري، الفجوة الأعمق في القراءات الغربية لهذا الملف، بما فيها ملف المعهد الإيطالي للشئون الدولية ISPI ذاته. فهذه القراءات تصف IMEC بوضوح بوصفه ضرورة لـ”اندماج إسرائيل” وتجنّب “تهميشها” إقليمياً، أي أنها تصمم إسرائيل منذ البداية، كعقدة لا غنى عنها للتجارة بين آسيا وأوروبا. المشكلة أن هذه القراءة تتعامل مع الأمر بوصفه معطى هندسياً محايداً، بينما هو في جوهره خيار سياسي قابل للمساءلة. فتوحش إسرائيل في غزة، وامتداده إلى الإقليم المحيط بها، حوّل هذا “التصميم” من ميزة تنافسية إلى عبء سياسي صريح، وهو ما تعترف به أحد أوراق الملف نفسها، حين تشير إلى أن المسار البري المتجه للمواني الإسرائيلية يصطدم بضغوط سياسية وشعبية هائلة داخل الأردن. هذه ليست حاشية عابرة، كما تُعامَل في التحليل، بل عرَض لأزمة شرعية أعمق، يتجنب التحليل الغربي مواجهتها مباشرة.
فالحرب لم تُنتج فقط منطق “الشبكة بدل الممر الواحد” لأسباب أمنية بحتة كما أسلفت، بل أنتجت أيضاً انقساماً سياسياً حقيقياً في خريطة الربط الإقليمي، بين مسارين متمايزين بوضوح: مسار لا يزال يحاول الإبقاء على إسرائيل عقدة مركزية، ويتجسد في IMEC نفسه، وفي محور شرق المتوسط الهجين، الذي يربط الإمارات باليونان وقبرص وإسرائيل؛ ومسار آخر يُبنى بوعي سياسي واضح؛ لتجاوز إسرائيل والالتفاف حولها، ويتجسد في إحياء طريق التنمية العراقي وإعادة تشغيل خط أنابيب كركوك- بانياس عبر سوريا وتركيا، وفي التسارع الخليجي- التركي لإعادة بناء دمشق بعد سقوط الأسد. هذا ليس بحثاً عن بدائل جغرافية للأمان فحسب، بل إعادة تفاوض سياسي مفتوحة على من يحق له أن يكون عقدة شرعية للربط الإقليمي، بعد حرب كشفت حجم الدمار، الذي ألحقته إسرائيل بمحيطها.
مصر: أربعة مداخل بلا عقيدة جامعة
الغائب الأكبر عن هذه القراءة كلها، رغم مركزيته الفعلية، هو موقع مصر. والمفارقة أن مصر ليست دولة تبحث عن ممر جديد، كما تفعل سوريا والعراق وعُمان، بل هي الحارسة التاريخية لأقدم ممر في المنطقة أصلاً: قناة السويس. وهذا الفارق البنيوي هو بالضبط، ما يجعل موقعها من عقيدة الممرات الجديدة مختلفاً جوهرياً عن موقع أي فاعل إقليمي آخر في هذا المشهد؛ فمصر لا تبحث عن مكان في الخريطة، بل تحاول أن تُعيد تعريف قيمة مكانها القديم في خريطة، تتغيّر من حولها.
ومصر في الواقع لم تقف موقف المتفرج على إعادة تشكيل الممرات، بل حاولت إدراج نفسها فاعلاً في أكثر من مدخل واحد، وإن ظل هذا الحضور متفرقاً، لم يتبلور بعد في عقيدة معلنة واحدة، كما فعلت الإمارات أو السعودية.
المدخل الأول هو الطاقة. فمنذ اكتشاف حقل ظُهر 2015، سعت مصر لتثبيت نفسها منصة إسالة وتصدير للغاز في شرق المتوسط عبر محطتي إدكو ودمياط، مستضيفة منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم إسرائيل وقبرص واليونان والأردن. وهذا الموقع يجعل مصر ممراً للغاز لا للحاويات فقط، لكنه ممر مرتبط عضوياً بإسرائيل، بوصفها مورّداً رئيسياً للغاز الذي تسيّله مصر وتصدّره، وهو ما يضعها في موقع أكثر تعقيداً من الثنائية المبسّطة “مع إسرائيل أو حولها”: فمصر معها اقتصادياً في ملف الغاز تحديداً، بينما تحاول في الوقت نفسه بناء بدائل برية، تتجاوزها في ملفات أخرى موازية.
المدخل الثاني، برز عملياً أثناء الحرب ذاتها، لا كمشروع مخطط له سلفاً. فحين تعرضت الملاحة في البحر الأحمر لاضطرابات الحوثيين، وأضيف إليها لاحقاً إغلاق هرمز، برز مسار بديل يمر عبر المواني المصرية على المتوسط، تُفرَّغ فيه البضائع المتجهة للخليج، ثم تُنقل براً عبر الأراضي المصرية إلى مواني البحر الأحمر كالعين السخنة وسفاجا، لتُشحن منها بحراً إلى السعودية، متجاوزة بذلك مضيق باب المندب بأكمله. هذا الجسر الداخلي من المتوسط إلى الأحمر براً، هو نموذج مصغر لمنطق “الشبكات متعددة المسارات” ذاته، الذي تبنته دول الخليج، لكن الفارق الجوهري أن مصر نفّذته استجابة لأزمة آنية طارئة، لا كمشروع معلن ضمن عقيدة متكاملة سلفاً، وهذا بالضبط ما يفسّر لماذا لم يتحول إلى رافعة تفاوضية، كما حدث مع مشاريع الخليج المماثلة.
المدخل الثالث، هو الربط بالمشرق، فمصر جزء فعلي من خط الربط الكهربائي والبري الممتد عبر الأردن نحو العراق، وهو ما يمكن قراءته امتداداً من جهة الغرب لطريق التنمية العراقي، لا خارجاً عنه بالكامل. هذا الربط يمنح القاهرة موطئ قدم، وإن يكن غير حاسم بعد، داخل الجغرافيا، التي فتحتها الحرب في العراق وسوريا.
أما المدخل الرابع، فهو إفريقيا، حيث تسعى مصر لتحويل موقعها إلى بوابة، تصل ممرات الخليج والمتوسط بأسواق القارة جنوباً عبر مشروعات الربط الكهربائي والطرق التجارية، وهو بعد غائب كلياً عن قراءات ISPI التي حصرت النقاش بأكمله في مثلث الخليج- الشام- أوروبا، متجاهلة أن مصر تفكر أصلاً في اتجاه رابع لا مكان له في تلك الخريطة الثلاثية.
المشكلة إذن ليست غياب مصر عن هذه الممرات فعلياً، بل افتقادها عقيدة موحدة تجمع هذه المداخل الأربعة-الغاز، والجسر الداخلي، والربط المشرقي، والبوابة الإفريقية بالإضافة إلى ممر قناة السويس- في مشروع واحد معلن، كما فعلت الإمارات حين جمعت المواني بالبيانات بالطاقة النظيفة في رؤية متكاملة واحدة. مصر تملك القطع كلها، لكنها لم تُركّبها بعد في عقيدة، وهذا- لا غياب الأدوات- هو الفارق الحقيقي بينها وبين القوى الوسطى الصاعدة في هذا الملف.
من التحالفات الجامدة إلى الهجينة
من منظور استراتيجي، لم تكن الكلفة الأكبر لهذه الحرب هي الأضرار المادية في البنية التحتية فحسب، رغم فداحتها، بل أزمة الثقة العميقة وغير المسبوقة بين عواصم مجلس التعاون الخليجي وواشنطن. فرغم أن المنظومات الدفاعية الأمريكية اعترضت أعداداً كبيرة من الصواريخ والمسيّرات، إلا أن الحرب وصلت مع ذلك إلى قلب المدن والمنشآت الاقتصادية الحيوية في الخليج، وعجزت المظلة الأمنية الأمريكية عن تحقيق حظر كامل أو الحفاظ على المضيق مفتوحاً. وقد ترسخت لدى صنّاع القرار في المنطقة قناعة، بأن الضمانات الأمنية الأمريكية لم تعد كافية وحدها لحماية مشاريع تنموية، باتت هي نفسها قلب الأمن الوطني الخليجي.
هذا الانكسار في منطق التحالفات الجامدة- وأبرز تجلياته تراجع نموذج الاتفاقيات الإبراهيمية، بوصفها حلفاً أمنياً صلباً موجهاً ضد طرف بعينه- أفسح المجال لولادة نظام إقليمي، يقوم على تحالفات هجينة أكثر، وتتمتع بالمرونة العالية والتداخل فيما بينها. فمن جهة، نشأ تنسيق استراتيجي ولوجستي، يجمع تركيا بقدراتها الصناعية العسكرية وامتدادها نحو سوريا، مع باكستان بعمقها الدفاعي، ودول خليجية محورية كالسعودية وقطر بوصفها جهات تمويل وربط لوجستي، إلى جانب مصر بثقلها العسكري والسكاني والتاريخي؛ وهذا التنسيق الذي لم يصل إلى أن يكون محورا يسعى في آن واحد لتأمين مسارات برية مستدامة، وممارسة ردع ذاتي، يمنع انهيار الدولة الإيرانية من جهة، ويقيّد حرية التوحش العسكري الإسرائيلي المنفرد من جهة أخرى. ومن جهة موازية، تعمّق قوى أخرى شراكاتها اللوجستية والرقمية عبر ربط الإمارات باليونان وقبرص وإسرائيل، سعياً لتأمين سلاسل إمداد تكنولوجية معقدة.
هذه الحالة، التي يمكن وصفها بمنطقة رمادية لا سلم كامل فيها ولا حرب شاملة، جعلت الدول تدرك أن التنمية والأمن لم يعودا مسارين منفصلين، بل وجهين لعملة واحدة؛ فكل تفصيلة في تصميم شبكة طرق أو خط سكة حديد أو مركز بيانات، باتت اليوم تُهندَس أصلاً بوصفها خط دفاع جيو سياسي، لا مجرد مرفق اقتصادي.
الممرات كحدود سيادية جديدة
لم تُنهِ حرب عام 2026 الصراعات الجوهرية في الشرق الأوسط، بل أجّلتها وأعادت تأطيرها. فقد انتهى المشروع الإسرائيلي، الذي راهن على “سلام اقتصادي” يقصي قوى الممانعة الإيرانية، ويتجاوز القضية الفلسطينية، وبالمثل تخلّت طهران عن حلم الاندماج في النظام المالي الغربي، واستبدلته بفرض سيادتها بوصفها حارسة بوابات جغرافية صلبة للمضائق وممرات الطاقة، مستندة إلى تحالف تكتيكي أعمق مع بكين لإعادة الإعمار والاعتماد على اليوان.
في هذا المشهد، تصبح “عقيدة الممرات الجديدة” الأداة الأبرز لصياغة استقرار هش في عصر لا سلم فيه ولا حرب. فالممرات لم تعد مجرد طرق شحن، تبحث عن خفض كلفة النقل ببضعة دولارات، بل تحولت إلى ما يشبه حدوداً سيادية جديدة، غير مرسومة على الخرائط الرسمية، لكنها تُمارَس فعلياً على الأرض. والدول القادرة على تحويل جغرافياتها الطبيعية إلى عقدة شبكية مرنة، تجمع بين الردع العسكري والريادة الرقمية وتعدد المسارات البديلة، هي التي ستملك أدوات صياغة الاستقرار الإقليمي في العقود المقبلة؛ أما الرهان على ضمانات أمنية خارجية أو ممرات خطية أحادية، فقد أثبتت هذه الحرب، أنه رهان على سراب، لم يعد قابلاً للتصديق حتى من قِبل من روّجوا له طويلاً.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق