جدول إيضاحي
[207 → 129 مليون متر مكعب يوميًا
انخفض الوارد اليومي من خزان الروصيرص خلال فترة التراجع من نحو 207 ملايين متر مكعب إلى نحو 129 مليون متر مكعب، قبل أن يعاود الارتفاع مع تقدم موسم الأمطار.
أكثر من متر انخفاضًا في الخرطوم
سجل مقياس النيل في الخرطوم تراجعًا، تجاوز مترًا واحدًا خلال أيام الانخفاض، في واحدة من أكبر التراجعات المسجلة خلال هذه الفترة من العام.
94 سنتيمترًا عند الحلفايا
انخفض منسوب النيل عند محطة الحلفايا بنحو 94 سم، ما عكس حجم التراجع في التصريفات على امتداد مجرى النهر.
محطة الصالحة خارج الخدمة مؤقتًا، أدى ابتعاد المياه عن مآخذ السحب إلى توقف محطة الصالحة، إحدى المحطات الرئيسية المغذية لأجزاء واسعة من أم درمان، قبل بدء المعالجات الفنية لإعادة تشغيلها.
عودة تدريجية للمناسيب
أكدت وزارة الري، أن مناسيب النيل بدأت في الارتفاع مجددًا مع تقدم موسم الأمطار على الهضبة الإثيوبية وزيادة الإيرادات المائية الواردة إلى السودان.
لم يكن انحسار مياه النيل في الخرطوم هذا الصيف مجرد مشهد أثار دهشة المواطنين، ولا حادثة موسمية عابرة يمكن احتواؤها بحفارات، تشق مجرى جديدًا نحو مضخات محطة الصالحة. فما بدا في ظاهره أزمة محلية في إمدادات مياه الشرب، سرعان ما كشف عن تحولات أعمق، تمس طريقة إدارة النهر نفسه، وتطرح أسئلة مؤجلة منذ سنوات حول مستقبل الأمن المائي في السودان بعد اكتمال سد النهضة الإثيوبي، وحول قدرة الدولة، التي أثقلتها الحرب على التكيف مع واقع هيدرولوجي جديد، لم تعد تحكمه الطبيعة وحدها، بل أصبحت تؤثر فيه أيضًا قرارات التشغيل في أعالي النيل الأزرق.
فخلال يوليو 2026، فوجئ السودانيون بانخفاض غير معتاد في مناسيب النيل، وظهور جزر رملية في مواقع لم تكن مألوفة، بينما خرجت محطات رئيسية لمياه الشرب عن الخدمة، وفي مقدمتها محطة الصالحة جنوب أم درمان، بعدما ابتعدت المياه عن مآخذ المضخات. وسرعان ما تحولت الصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى محور نقاش واسع، تجاوز حدود الأزمة الخدمية إلى تساؤلات، عن علاقة ما جرى بسد النهضة، ومدى تأثيره على مستقبل المياه في السودان.
اللافت، أن هذا الانخفاض جاء في توقيت، يفترض فيه أن تبدأ مناسيب النيل في الارتفاع مع وصول طلائع الفيضان من الهضبة الإثيوبية، وهو ما منح الحدث طابعًا استثنائيًا، خاصة أن السودان اعتاد لعقود طويلة على دورة مائية شبه ثابتة، تتكرر بتفاوتات محدودة من عام إلى آخر. أما اليوم فقد أصبحت هذه الدورة أكثر تعقيدًا، بعد دخول سد النهضة مرحلة التشغيل الكامل، وتحول النيل الأزرق من نهر تجري مياهه وفق الإيقاع الطبيعي للأمطار إلى نهر تمر مياهه أولًا عبر خزان ضخم، يتحكم في توقيتات إطلاقها وكمياتها.
هذا التحول يمثل نقطة فاصلة في تاريخ إدارة المياه في السودان. فمنذ قيام خزان الروصيرص وسد سنار، اعتمدت المؤسسات السودانية على نمط معروف لحركة الفيضان، مكّنها من تنظيم الري، وتشغيل محطات المياه، وإدارة الخزانات، وإنتاج الكهرباء. لكن اكتمال سد النهضة غيّر هذه المعادلة بصورة جوهرية، ليس لأنه أوقف تدفق المياه، وإنما لأنه جعل تدفقها يخضع أيضًا لاعتبارات تشغيلية، تتخذ خارج الحدود السودانية.
وتشير البيانات، التي أعلنتها وزارة الري، إلى أن الوارد المائي إلى خزان الروصيرص شهد انخفاضًا ملحوظًا خلال أيام محددة من يوليو، وهو ما انعكس على مناسيب النيل في الخرطوم والحلفايا وعدد من المحطات. وأوضحت الوزارة، أن هذا التراجع ارتبط بعمليات تشغيل سد النهضة، قبل أن تعود الإيرادات إلى الارتفاع مع تقدم موسم الأمطار.
وهنا تبرز نقطة بالغة الأهمية. فالإشارة الرسمية إلى تأثير عمليات تشغيل السد، لا تعني أن سد النهضة كان السبب الوحيد فيما حدث، لكنها في الوقت نفسه، تنفي أي محاولة لفصل الأزمة عن الواقع الجديد، الذي فرضه السد على منظومة النيل الأزرق. فالتفسير العلمي لا يقوم على البحث عن سبب منفرد، بل على فهم كيفية تفاعل مجموعة من العوامل في إنتاج النتيجة النهائية.
وتجمع تفسيرات المختصين، على أن ما شهده السودان هذا العام؛ نتج عن تزامن عدة متغيرات. فقد تأخرت الأمطار على الهضبة الإثيوبية مقارنة بالمعتاد، وانخفضت مساهمة النيل الأبيض قياسًا بالسنوات السابقة، في الوقت الذي كان فيه سد النهضة ينظم تدفقات النيل الأزرق، وفق متطلبات التشغيل. وعندما اجتمعت هذه العوامل في توقيت واحد، انعكس أثرها مباشرة على مناسيب المياه داخل السودان.
وتكتسب مسألة النيل الأبيض أهمية خاصة عند قراءة ما حدث هذا العام. فمنذ بدء الملء الأول لسد النهضة عام 2021، شهدت منطقة البحيرات الاستوائية معدلات أمطار مرتفعة، رفعت إيرادات النيل الأبيض إلى مستويات استثنائية، الأمر الذي خفف من آثار التغيرات التي طرأت على النيل الأزرق. لكن مع تراجع هذه الإيرادات خلال الموسم الحالي، برز تأثير أي انخفاض في تدفقات النيل الأزرق بصورة أوضح، وهو ما جعل الأزمة تبدو أكثر حدة بالنسبة للمواطنين.
من هنا، تبدو القراءة التي تحصر المسؤولية في عامل واحد قراءة قاصرة. لكن في المقابل، فإن استبعاد سد النهضة من معادلة التفسير، لا يقل تبسيطًا عن تحميله المسؤولية كاملة. فالسد غيّر بالفعل النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق، وهذه حقيقة فنية، أصبحت جزءًا من الواقع الجديد، الذي يتعين على السودان التعامل معه.
فالمياه لا تصل اليوم إلى السودان بالطريقة نفسها، التي كانت تصل بها قبل عام 2021. وبينما كانت الطبيعة وحدها تحدد توقيت الفيضان وحجم التصريفات، أصبحت قرارات التشغيل داخل سد النهضة، تؤثر في هذا الإيقاع، خاصة خلال الفترات الانتقالية بين نهاية موسم الجفاف وبداية موسم الأمطار. وهذا لا يعني أن السد يمنع المياه عن السودان، لكنه يعني أن طريقة وصولها أصبحت مختلفة، وأن هذه الاختلافات قد تكون ذات تأثير كبير على محطات الشرب والخزانات وشبكات الري، إذا لم تكن هناك معلومات مسبقة وتنسيق فني كافٍ.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالسودان لا يواجه فقط تحدي تغير أنماط الجريان، وإنما يواجه هذا التغير في ظل غياب اتفاق ملزم، ينظم تبادل البيانات اليومية الخاصة بالتشغيل والتصريفات. ولذلك، فإن إدارات السدود ومحطات المياه تجد نفسها أحيانًا مضطرة إلى التعامل مع متغيرات سريعة، دون أن تمتلك القدر الكافي من المعلومات المسبقة، التي تمكنها من تعديل خطط التشغيل أو اتخاذ إجراءات احترازية.
ولهذا، فإن أزمة الصالحة لم تكن مجرد أزمة مضخات توقفت عن العمل، وإنما كانت إنذارًا مبكرًا، بأن السودان دخل مرحلة مختلفة في إدارة النيل، مرحلة أصبحت فيها المعلومة الهيدرولوجية لا تقل أهمية عن المياه نفسها، وأصبح فيها الأمن المائي مرتبطًا بقدرة الدولة على توقع حركة النهر، وليس فقط بقياس كمية المياه التي تصل إليه.
غير أن أزمة يوليو كشفت أيضًا عن جانب آخر، لا يقل أهمية، يتعلق بمدى جاهزية البنية التحتية السودانية للتعامل مع هذا الواقع الجديد. فالكثير من محطات مياه الشرب القائمة اليوم، أُنشئت في زمن كانت فيه دورة النهر أكثر استقرارًا، وكانت مناسيب المياه الموسمية كافية لضمان عمل المآخذ دون الحاجة إلى تدخلات متكررة. أما اليوم، فقد أصبحت التغيرات في التصريفات، إلى جانب الترسبات الرملية وتحول مجرى النهر في بعض المواقع، تفرض تحديات لم تكن مأخوذة في الاعتبار عند تصميم تلك المنشآت.
ولذلك، فإن توقف محطة الصالحة لا ينبغي النظر إليه بوصفه نتيجة مباشرة لانخفاض المنسوب فحسب، بل بوصفه مؤشرًا على الحاجة إلى تحديث البنية التحتية لمنظومة مياه الشرب بأكملها، سواء من خلال تعميق المآخذ، أو تطوير نظم الضخ، أو إنشاء محطات أكثر قدرة على التكيف مع تغيرات المناسيب، أو تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر.
وزادت الحرب الدائرة منذ إبريل 2023 من تعقيد هذا المشهد. فقد استنزفت موارد الدولة، وأعاقت أعمال الصيانة والتكريك، وأخرت تنفيذ مشاريع التطوير، كما أضعفت المؤسسات الفنية، التي تضطلع بإدارة قطاع المياه. ولذلك، فإن ما بدا أزمة مرتبطة بالنهر، يحمل في جوهره بعدًا مؤسسيًا، لا يقل تأثيرًا عن العوامل الطبيعية أو التشغيلية.
وفي خضم الجدل، الذي رافق الأزمة، برزت دعوات تحمل سد النهضة المسؤولية الكاملة عما جرى، في مقابل آراء أخرى، سعت إلى نفي أي علاقة بين السد والانخفاض، الذي شهدته المناسيب. لكن كلا الموقفين، في تقديري، يبتعد عن القراءة العلمية الدقيقة.
فسد النهضة ليس تفصيلًا هامشيًا في هذه المعادلة، بل أصبح أحد المتغيرات الرئيسة، التي تحكم تدفقات النيل الأزرق. وتشغيله يؤثر بطبيعته في توقيتات وكميات الإطلاق، وهو ما أقرّت به أيضًا المؤشرات الرسمية، التي ربطت الانخفاض المؤقت في الواردات إلى الروصيرص بعمليات تشغيل السد، قبل تحسن الإيرادات مع تقدم موسم الأمطار. لكن هذا التأثير تزامن مع تأخر الأمطار على الهضبة الإثيوبية، وتراجع إيرادات النيل الأبيض، الأمر الذي جعل أثره أكثر وضوحًا داخل السودان.
وبذلك، فإن المسؤولية هنا ليست مسؤولية مطلقة، وإنما مسؤولية جزئية ضمن منظومة معقدة من العوامل. فسد النهضة لم يخلق أزمة المياه في السودان، لكنه غيّر قواعد إدارتها، وجعل أي اضطراب في الأمطار أو التصريفات أكثر تأثيرًا، على دولة تعتمد بصورة مباشرة على انتظام تدفقات النيل الأزرق في تشغيل السدود ومحطات المياه وشبكات الري.
ومن هنا، تبرز أهمية الملف القانوني، الذي ظل السودان يتمسك به خلال جولات التفاوض. فالمسألة لم تكن في جوهرها رفضًا لبناء السد، بقدر ما كانت مطالبة باتفاق قانوني وفني ملزم، ينظم قواعد الملء والتشغيل، ويضمن تبادل البيانات بصورة منتظمة، ويضع آليات واضحة للتنسيق خلال فترات الجفاف والفيضانات.
فإعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015 وضع إطارًا عامًا للتعاون وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، لكنه لم يحسم التفاصيل التشغيلية، التي أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا بعد دخول السد مرحلة التشغيل الكامل. ولذلك بقيت واحدة من أهم الثغرات، تتمثل في غياب منظومة مؤسسية، تتيح تبادل البيانات في الزمن الحقيقي، بما يسمح لإدارة السدود السودانية باتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة، لا على التقديرات أو ردود الأفعال.
وفي إدارة الأنهار الدولية، لا تقل المعلومات أهمية عن المياه نفسها. فالدول التي تشترك في أحواض مائية عابرة للحدود، لا تعتمد فقط على تقاسم الموارد، وإنما على بناء الثقة من خلال تبادل البيانات الهيدرولوجية والإنذار المبكر والتشغيل المنسق. وتجارب أنهار الدانوب والراين والسنغال، تؤكد أن استدامة الإدارة المشتركة تبدأ من تدفق المعلومات قبل تدفق المياه.
ولذلك، فإن التحدي الذي يواجه السودان اليوم، لم يعد يقتصر على تأمين حصته المائية، بل يمتد إلى بناء قدرة وطنية على إدارة “النيل الجديد”. وهذه القدرة لا تتحقق إلا عبر تحديث البنية التحتية، وتطوير شبكات القياس والرصد، وتأهيل المؤسسات الفنية، وربط تشغيل السدود ومحطات المياه ببيانات لحظية، إلى جانب مواصلة السعي نحو اتفاق ملزم مع إثيوبيا، يحقق مصالح جميع الأطراف، ويحافظ على استقرار منظومة النهر.
لقد حمل انحسار النيل في صيف 2026 رسالة، تتجاوز حدود الأزمة الآنية. فالمنسوب قد يرتفع مع اكتمال موسم الأمطار، وقد تعود محطات المياه إلى العمل بكامل طاقتها، لكن الحقيقة التي كشفتها الأزمة ستبقى قائمة: السودان دخل مرحلة هيدرولوجية جديدة، أصبح فيها سد النهضة جزءًا من معادلة جريان النيل الأزرق، سواء اختلفت المواقف السياسية أو اتفقت.
وفي هذا الواقع الجديد، لن يكون الأمن المائي مرهونًا فقط بوفرة المياه، وإنما بقدرة الدولة على فهم التحولات التي طرأت على النهر، وإدارة آثارها بكفاءة، وبامتلاك المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، وببناء علاقة تعاونية قائمة على الالتزامات القانونية الواضحة. فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار لم يعد: كم من المياه تصل إلى السودان؟ بل: هل يمتلك السودان الأدوات التي تمكنه من إدارة النيل كما أصبح، لا كما كان؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق