بالبلدي: سياسة “الأخونة”.. هل كانت مسارًا حقيقًيا أم مبالغة إعلامية؟ (2ـ 2)

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هناك من خارج الإخوان من رأى أن من حق الجماعة الاعتماد على كوادرها، ما دامت وصلت إلى السلطة بالانتخابات الحرة المباشرة، شأنها في هذا شأن الأحزاب الفائزة بالانتخابات في نظم الحكم الديمقراطية. ويذهب هؤلاء إلى حد القول إن علاقة القرابة والمصاهرة تلعب دورًا في الحراك الاجتماعي في أي مجتمعات بشرية بدرجة ما، وربما تصبح في بعض الأحيان طريقًا لتولي المناصب والمواقع القيادية، وإن الإخوان في هذا يتصرفون وفق القواعد المتبعة في الحياة السياسية، إذ لو فاز اليسار بالحكم، فمن الطبيعي أن يتولى يساريون إدارة الدولة لتنفيذ برنامجهم، ولو فاز الليبراليون لفعلوا الأمر نفسه.

وقد أقر القيادي الإخواني صفوت حجازي في حوار تلفزيوني، جرى معه في مطلع مايو 2013 بحق الجماعة في “الأخونة”، دون أن يعترض على الاصطلاح، حيث قال: “من حق مرسي أن يعين أتباعه في مناصب الدولة، وأن حمدين صباحي لو أصبح رئيسًا كان سيحمدن الدولة، وأن من الطبيعي ألا يستعين مرسي بشخص غير إخواني مهما كان كُفْؤا.”

 لكن مثل هذا الاتجاه ينسى أن الوضع قد يكون مختلفًا بالنسبة للإخوان، فهم جميعًا أو أغلبهم، متشابكون في “نسب” يكاد ألا ينتهي، وفق ما تسمى “الأسرة الأيديولوجية”، فضلًا عن “الأسرة البيولوجية”، ولذا نجد أن تأثير هذا النمط من العلاقة على توليهم المناصب مضاعف أو مغلظ قياسًا إلى غيرهم، لا سيما بعد انحيازهم إلى “أصحاب الثقة” من بين “الأهل والعشيرة”، وفق اصطلاحهم، على حساب “أهل الخبرة” في سياق ما كانوا يعتقدون، أنها “فرصة التمكين” من ناحية، ونظرا لهواجسهم حيال “الآخر” أو “المختلفين” معهم فكريًا أو سياسيًا من ناحية ثانية.

وظهر وقتها رأي، ذهب أصحابه إلى أن الإخوان، وإن كانوا قد اختاروا من بين اليساريين والليبراليين أو غير المنتمين لأي تيار سياسي وفكري بعض من يتولون المناصب العامة، أو يشاركون في الهيئات والمجالس من أعضاء الأحزاب المدنية وغيرها، فإنها لا تختار هؤلاء بشكل محايد، إنما ممن تضمن هضمهم في “النظام الإخواني”، أو ممن سبق لها أن زرعتهم في أحزاب مدنية قبل الثورة المصرية وبعدها، وأتت ببعضهم إلى لجنة صناعة الدستور، وبينت التجربة العملية موالاتهم للإخوان، أو على الأقل مجاراتهم لهم.

وهناك من تحدث عن أن من اختارتهم الجماعة في بعض المناصب وفي الهيئات المساعدة والاستشارية، لم يكن لهم دور حقيقي، بدليل أن بعضهم راح يشكو من الاستبعاد والتهميش، ورأينا بعضهم يقدم استقالته بالفعل، ووجدنا بعض مستشاري الرئيس، يقولون إن أحدًا لا يأخذ رأيهم في شيء، وإن عملهم الوحيد في الرئاسة هو قراءة الصحف اليومية؛ ليقتلوا وقت فراغهم. وكان من بين هؤلاء من ينتمون إلى التيار السلفي، أو المسار الحضاري الإسلامي المستقل أو غير التنظيمي.

هنا يكون من الواجب على أصحاب الاتجاه، الذي أقر بأحقية الإخوان في الهيمنة على المناصب العامة، الوقوف على عدة اعتبارات قبل الإقرار بحق “الأخونة”، أولها أن الإخوان ليسوا حزبًا سياسيًا بالمعنى المتعارف عليه، إنما جماعة عقائدية، توظف تصورها للإسلام، بعد أن حولته إلى أيديولوجية، والدليل على ذلك، أن الإخوان رفضوا حل جماعتهم، وحولوا حزب “الحرية والعدالة”، الذي أطلقوه بعد ثورة يناير المصرية إلى مجرد إصبع صغير أو زائدة دودية في جسد الجماعة، التي تمارس السياسة بمنطلقات دينية مختلف عليها، بل هناك من يصفها بأنها مغلوطة، ويراها كثير من علماء الأزهر الشريف مخالفة لبعض قواعد الإسلام وتعاليمه.

وثاني هذه الاعتبارات، وهو ما تمت الإشارة له سابقًا، من أن جماعة الإخوان لم تكن تملك الكفاءات الكافية القادرة على إدارة الدولة في مصر أو تونس أو اليمن، كما أثبتت التجربة، ومن ثم، إنها بوضعها عناصرها على رأس المؤسسات الرسمية، تكون قد سعت في اتجاه يضر بالمصلحة العامة.

أما الاعتبار الثالث، فإن جماعة الإخوان لم تقصد بالأخونة تنفيذ برنامج سياسي معلن أمام الشعب، من حقه أن يرفضه أو يختلف معه وينتقده، إنما، وحسب تصورها، عملت على تطبيق ما تراه منهج الإسلام، وهي مسألة طالما أتت كتابات الإخوان وتصريحات قادتها على ذكرها. وهذا يعني أن الأخونة، لا سيما في شقها الفكري والثقافي، ليست قابلة للمراجعة، ما دام أن بها مددًا إلهيًا، وفق رؤية أصحابها، ما يعني إمكانية ألا تعدل الجماعة عنها حال رفض الشعب لها، أو حتى رغبته في تهذيبها وتعديلها وتقييمها، أو إخفاقها في إدارة الشأن العام.

والاعتبار الرابع، أن جماعة الإخوان لم تطرح تصورها عن الأخونة للنقاش العام، وحاولت تنفيذه عبر التعاون المؤقت والمتحايل مع جماعات وتنظيمات سياسية ودعوية إسلامية، استعملتها ظهيرا لها لفرض تصورها هذا على الشعب.

والاعتبار الخامس، أن المخاوف ظلت قائمة، من أن مشروع الأخونة لن يوضع في يد مؤسسات الدولة الرسمية الطبيعية المتعارف عليها، إنما هو بيد المرشد ومكتب الإرشاد، الذي يمثل سلطة فوق الجميع، وهي مسألة تبينت بجلاء خلال السنة التي حكم فيها د. محمد مرسي، وكانت للبنى التقليدية للجماعة دور في صناعة القرار، بل اتخاذه في بعض الأحيان.

أما الاعتبار السادس، فيتمثل فيما رآه البعض من عدم ملاءمة “الأخونة” للشريعة الإسلامية، فهناك رؤية فقهية، تنطلق من رفض القرآن الكريم التعصب حيث يقول الله تعالى للبشر جميعًا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )، لتقول إن الإخوان لا تخلو من خروج على تعاليم هذه الآية، ثم ترى أن القرآن حين كانت جماعات اليهود في المدينة تعتبر نفسها أرقى من العرب، وبعضهم يعتقد أن مجرد كونه من أهل الكتاب يعطيه الحق في التعالي على العرب الأميين، الذين لم يكن لديهم كتاب بعد، بل ويعطيهم الحق في أن يخدعوهم ويسرقوا أموالهم.

ويزيد هؤلاء بأن السنة النبوية لا تحبذ هذا المسار أيضًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم، رفض التعصب لجماعة أو قبيلة أو عشيرة، فحين تنادى المهاجرون والأنصار بهذه الدعوة الجاهلية، نهرهم الرسول عن هذا وقال لهم: “دعوها فإنها منتنة. وفي رواية أخرى: “دعوها فإنها خبيثة”.

وهناك من يستدعي رؤية فقهية، لابن تيمية الذي أخذت عنه الكثير من الجماعات السياسية الإسلامية المتشددة بعض أفكاره، ليقول إن الرجل لا يقر ما كان الإخوان يسعون إلى تنفيذه من هيمنة على السلطة والدولة والمجتمع باسم الأخونة، حيث يقول: “الأصلح في كل ولاية بحسبها، فالقوي لإمارة الجند حتى لو كان فاسقًا، فقوته للمسلمين وفسقه على نفسه. والتقي لإمامة الصلاة حتى لو كان ضعيفًا، فتقواه للمسلمين، وضعفه على نفسه.”

في خاتمة المطاف، أخفق الإخوان في تنفيذ مخطط “الأخونة” أو شرعنته، وجعله محل قبول عام، سواء في مصر أو تونس، نظرًا لمقاومة مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع وجماعات المثقفين لهم، فضلًا عن عدم امتلاك الجماعة أي تصورات استراتيجية واضحة، تمكنها من تمرير وترسيخ ما كانت تنوي القيام به، وأيضًا عدم امتلاكها الكفاءات البشرية، التي تكفي للسيطرة التامة على مفاصل الدولة، لأنها عاشت سنواتها الطويلة في صفوف المعارضة، ولم تُخرج كغيرها من المعارضين رجال دولة بالمعنى التقني، أو المؤهل لأداء هذا الدور، فضلًا عن افتقار الجماعة، لحد بعيد، إلى إنتاج الأفكار المبدعة المرنة، التي تتعامل بكفاءة مع مستجدات العصر، ومختلف تحولاته، لا سيما في ظل تراجع ثقافة الحوار والاختلاف والإبداع داخل المجتمع بوجه عام.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??