منذ اندلاع الحرب الأمريكيةـ الإيرانية، كان التركيز منصبا على الهجمات المتبادلة على قطاع النفط، باعتباره السلعة الأهم لدول الخليج العربي والدول الصناعية الكبرى، لكن الواقع أكد غير ذلك، فأهم ما شهدته الحرب، كان استهداف مراكز البيانات التي تعتبر الصناعة، التي تركز عليها أمريكا والخليج، وتُضخ فيها مئات المليارات من الدولارات.
كان قصف مسيّرات إيرانية ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة أمازون لخدمات الويب في الإمارات والبحرين أول هجوم عسكري مؤكد على مزود خدمات سحابية عملاقة في التاريخ، وأرست للمرة الأولى مبدأ “للحوسبة السحابية عنوان قابل للتدمير”.
تدمير مراكز “أمازون” لا يقاس بحجم الخسائر الاقتصادية، ولكن بتأثيره على الصورة الذهنية، التي أقامت عليها الولايات المتحدة وادي السيليكون، وهي الاستقرار، والاستقرار هو المُحفز لضخ مليارات الدولارات في قطاع الذكاء الاصطناعي، باعتباره مؤَمنا ضد الهجوم.
بعد جولته في دولة الخليج في مايو 2025، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن اتفاقيات ثنائية بقيمة 2.2 تريليون دولار أمريكي، أبرمتها الولايات المتحدة مع قطر والسعودية والإمارات، بجانب الشراكات الدفاعية والاقتصادية، وكان للذكاء الاصطناعي نصيب الأسد منها.
السيطرة على الذكاء الاصطناعي وسيلة أمريكية لمواجهة الصين
الأرقام الضخمة أغرت شركات التكنولوجيا الأمريكية في ظل وفرة الطاقة الرخيصة، وإمكانية الحصول على رؤوس أموال من صناديق الثروة السيادية، وتسهيلات تنظيمية أقل صرامة لبناء مراكز البيانات، وموافقة الحكومة الأمريكية على مبيعات الرقائق الإلكترونية، التي كانت تخضع لقيود سابقة، أغرت هذه الشركات على التوسع في استثماراتها الخارجية.
مايكروسوفت على سبيل المثال، خصصت 15 مليار دولار للإمارات بحلول عام 2029؛ وتعهدت أمازون باستثمار 5 مليارات دولار لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في الرياض؛ ودخلت إنفيديا في شراكة مع شركة هيومان السعودية المدعومة من الدولة؛ لتزويدها بما يصل إلى 600 ألف وحدة معالجة رسومية؛ وأعلنت كل من أوبن إيه آي وأوراكل ومجموعة جي 42 في أبوظبي عن مشروع “ستارجيت الإمارات”، وهو مجمع حاسوبي مُخطط له بقدرة 5 جيجا وات في أبوظبي، والذي سيكون أكبر منشأة للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة.
كانت حسابات الشركات الأمريكية منطقية، فالخليج يقع عند ملتقى طرق أوروبا وآسيا وإفريقيا، مما يجعله مركزاً طبيعياً لحركة البيانات، التي تخدم مليارات الأشخاص عبر ثلاث قارات، وتتمتع المنطقة بوفرة في الطاقة مقارنةً بشبكة الكهرباء الأمريكية، التي تُعاني لتلبية احتياجات تطوير الذكاء الاصطناعي محليًا.
الإدارة الأمريكية كانت لها حسابات أخرى بعيدا عن الاقتصاد، فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وأنظمة التحكم السحابية، والوصول إلى الحوسبة، يمكن استخدامها كأداة لبسط نفوذها في الخليج العربي من خلال ربط الاستثمار والقدرات بضمانات الحوكمة.
كما اعتبرت واشنطن ذلك التعاون وسيلة؛ لمواجهة نفوذ الصين، عبر توجيه الشركاء الإقليميين نحو أولوياتها الأمنية، وإقصاء المنصات الصينية، إذ يُمكن لهذا التعاون أن يُحوّل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي المدعومة أمريكياً إلى مصدر نفوذ دائم وهادئ، وقابل للتوسع، ويصعب إزالته.
لذلك كان البيت الأبيض داعماً للتعاون بين الشركات الأمريكية والخليج بقوة، إذ أشاد باستحواذ مايكروسوفت على حصة بقيمة 1.5 مليار دولار في شركة G42 في أبوظبي، مع بنود الصفقة التي تتضمن مقعداً أمريكياً في مجلس الإدارة وضمانات حوكمة صريحة، وكان مقياس البيت الأبيض للنجاح، وهو دفع الشركة “G42” إلى قطع علاقاتها مع شركة هواوي الصينية.
حرب إيران تغير المعادلة
سارت الأمور جيدًا، كما كان مخططا لها من قبل الشركات الأمريكية، حتى جاء قرر ترامب بشن حرب على إيران، فسقطت المخططات المُحْكمة بطائرة مُسيّرة، وكشفت عن خطأ تجاهل الإدارة الأمريكية آراء مراكز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذين حذروا من أن الحرب لن تضر خطوط الأنابيب ومصافي النفط فقط، ولكن مراكز البيانات ونقاط الاختناق في شبكات الألياف الضوئية.
كان تفكير واشنطن هو بناء إطار أمني مصمم؛ لمنع وصول رقائق أنفيديا إلى الصين، وليس لمنع وصول الصواريخ الإيرانية إلى مراكز البيانات، فعلى سبيل المثال، أدخلت مبادرة “باكس سيليكا”، التي تم تدشينها في يناير الماضي، الإمارات وقطر في جهد، تقوده الولايات المتحدة، يركز على سلاسل توريد أشباه الموصلات وضوابط التصدير، لكنها لم تضع وسائل للدفاع المادي عن البنية التحتية التي ستُشغلها هذه الرقائق.
علي بكر، الأستاذ المساعد للشؤون الدولية في جامعة قطر، يقول إن الأطر الأمنية، التي تقوم عليها شراكة الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والإمارات ركزت على التحكم في سلاسل التوريد والتوافق الجيو سياسي، وليس على الدفاع المادي أثناء النزاعات الحادة.
رغم قدرة أمريكا على إصلاح الأضرار المادية مع فقد أمازون منطقتين من مناطق التوافر الثلاث لديها، وتوقف البنوك ومنصات الدفع وبرامج المؤسسات عن العمل، لكن ما لا يمكن إصلاحه هو الجغرافياـــــ بحسب بوبي جوش المحلل في الشؤون الجيو سياسية، الذي يقول إن هناك 17 كابلًا بحريًا تمر عبر البحر الأحمر، ناقلةً معظم حركة البيانات بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.
كما تمر كابلات إضافية عبر مضيق هرمز عند انقطاع أحد هذه الكابلات في وقت السلم، تصل سفن الإصلاح في غضون أسابيع. أما في مناطق النزاع، فلا يمكنها العمل بأمان على الإطلاق.
وثائق التأمين تستثني الحرب
الخطر الأرجح ليس تراجعًا شاملًا في استثمارات الذكاء الاصطناعي في دول الخليج، بل فتورًا في هذه الاستثمارات. وتشير التقارير إلى أن العديد من مشاريع مراكز البيانات الكبرى في الإمارات تخضع حاليًا للمراجعة. وتتساءل الشركات التي كانت تستعد لبدء أعمالها عن شكل التأمين ضد مخاطر الحرب، لتكتشف أن وثائق التأمين التجارية القياسية تستثني أعمال الحرب.
قبل نحو عقد من الزمان، واجهت صناديق الثروة السيادية الخليجية انتقادات حادة من المحللين الماليين لاستثمارها بكثافة في التقنيات الناشئة، وغالبًا ما تضمنت هذه الاستثمارات مشاريع مضاربة في وادي السيليكون، بدلًا من الالتزام بالمحافظ الاستثمارية التقليدية في البنية التحتية أو العقارات أو الأسهم العامة التي توفر عوائد ثابتة.
استثمر صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة مبادلة أبوظبي مبالغ طائلة بصندوق رؤية “سوفت بنك” الأول بقيمة 93 مليار دولار، والذي أُطلق عام 2017، وشهد الصندوق أخطاءً فادحة مع شركات ناشئة “مُغيّرة”، أبرزها شركة وي وورك، التي اضطرت إلى إعلان إفلاسها وإعادة هيكلة ديون بمليارات الدولارات. لُقّبت سوفت بنك بـ”حوت ناسداك” لدورها المحوري في تأجيج الارتفاع الهائل في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى.
كما تتمتع الإمارات بحضور قوي في هذا المجال. فقد استثمرت كل من الشركة القابضة الدولية وشركة ألفا ظبي القابضة في شركة SpaceX عام 2022، بينما شاركت شركة MGX، المستثمرة في التقنيات المتقدمة في أبوظبي، في جولة التمويل الأخيرة لشركة xAI.
في الوقت الذي يتزايد فيه الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؛ ليصل إلى مئات المليارات من الدولارات، فإن رغبة دول الخليج في التوسع والسرعة تمنح واشنطن ميزة نادرة ومحفزًا خارجيًا، كما ذكر محمد سليمان، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن
مع إعلان دول الخليج عن أهدافها المتمثلة، في أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنسب كبيرة في ناتجها المحلي الإجمالي- إذ تستهدف السعودية نسبة 12% بنهاية العقد، والإمارات العربية المتحدة نسبة 40% بحلول عام 2031- تنظر دول الخليج إلى الذكاء الاصطناعي كركيزة أساسية في استراتيجياتها لتنويع اقتصاداتها، لكن الحرب أظهرت أن تلك الدول لا تزال لديها تحديات، لا تتعلق بالطاقة والأموال، ولكن “التأمين والحماية”.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "












0 تعليق