مع بداية الدور التشريعي الجديد، هناك مشروع مقدم بقانون عن حرية تداول المعلومات، ولما كان هذا الموضوع في غاية الأهمية على العديد من المستويات، حيث إنه يهم كافة القطاعات المعنية بالعلم والتعلم والمعرفة والحصول على المعلومات من مصادرها، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وصلاح الحكومة والحكام بغير الحديث عن حرية التعبير والصحافة، ولا يمكن الحديث عن حرية التعبير والصحافة بغير الحديث عن تداول المعلومات ونشرها، باعتبار أن حرية الصحافة في التعبير لا تكون بغير معلومات صحيحة، وهكذا تبدو الأمور مترابطة لا انفصال بينها، يؤدي بعضها إلى بعض في تطور منطقي مقبول.
ذلك إذ أن ضمان الحق في المعلومات أمر حاسم لاتخاذ قرارات مستنيرة، للمشاركة في الحياة الديمقراطية، لرصد الإجراءات العامة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ويمثل أداة قوية لمكافحة الفساد، وأن الحق في الإعلام له دور فعال في تحقيق تمكين الشعب، وتعزيز ثقة المجتمع المدني، وتعزيز المساواة بين جميع الفئات في المجتمع، بما في ذلك النساء والشعوب الأصلية.
وإذ أن المدونات الحقوقية قد أولت أمر حرية تداول المعلومات أهمية بالغة منذ بداية الاهتمام بحقوق الإنسان بشكل كلي، ففي الدورة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1946 اتخذت الجمعية العامة القرار رقم 59/1 والذي نص على: الحق في تداول المعلومات يعد من الحقوق الأساسية للإنسان، وهو المحك لكل الحريات التي تكرسها الأمم المتحدة، وقد تعاملت الصكوك الدولية التالية للقرار مع هذا الحق باعتباره جزءًا من أحد الحقوق الأساسية الهامة وهو الحق في التعبير، والذي وجد انعكاساته في المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي نصت المادة على أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة، ودونما اعتبار للحدود”.
وقد أوضح الممثل الخاص للجنة OAS لحرية التعبير مرارًا أن حرية التداول للمعلومات هي من الحريات الأساسية بما في ذلك الحصول على المعلومات التي تكون في حوزة الدولة، وعلى سبيل المثال فقد ركز تقرير عام 1999 الصادر عن اللجنة أن “الحق في الحصول على المعلومات الرسمية هو أحد أسس الديمقراطية التمثيلية ففي نظام الحكم الذي يعتمد على التمثيل يجب أن يستجيب من يمثل الشعب لمن ائتمنوه على تمثيلهم، وأعطوه سلطة اتخاذ القرارات في الأمور العامة، ويصبح للفرد الذي فوض ممثله بالقيام بإدارة الأمور العامة الحق في تداول المعلومات وهى المعلومات التي تستخدمها الحكومة وتنتجها باستخدام أموال دافعي الضرائب”.
وفي مارس 1999 صدر عن اجتماع لخبراء الكومنولث في لندن وثيقة توضح عددا من المبادئ والخطوط الإرشادية الخاصة بالحق في المعرفة، والحق في تداول المعلومات بوصفهم من حقوق الإنسان وقد تضمنت الوثيقة أنه “يجب ضمان حرية تداول المعلومات بوصفها حق قانوني قابل للتطبيق يتيح لكل فرد أن يحصل على سجلات ومعلومات تكون في حوزة السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للدولة، أو أنها مؤسسة مملوكة للحكومة أو أي جهة أخرى تقوم بتنفيذ مهام حكومية”.
وفي دراسة لمنظمة المادة 19 تحت عنوان “حق الجمهور في المعرفة اعتبرت أن (حق الاطلاع على المعلومات أوكسجين الديمقراطية)، فإذا لم يعرف الناس ما يحدث في مجتمعهم، وإذا كانت أعمال أولئك الذين يحكمونهم مخفاة، لا يمكنهم المشاركة فعليًا في شئون ذلك المجتمع، ويفهم من تلك الفقرات أهمية حرية الوصول إلى المعلومات على أكثر من مستوى، فهي من ناحية مهمة في حد ذاتها حيث أنها توفر بيئة تمكينية عامة لجميع الحقوق الأخرى من خلال تعزيز مبدأ الإتاحة، فإتاحة المعلومات ضمانة أساسية لتمكين المواطن والمجتمع من مراقبة أوضاع الحقوق الأخرى، وأهم إشكاليات تأديتها على الوجه الأكمل، ومن ثم محاسبة ومساءلة السياسات وراسميها في حال تأثيرها سلبًا على تلك الحقوق، ومن ناحية ثانية فإن تعزيز مبدأ حرية تداول المعلومات أحد أهم مبادئ ومعايير خلق مجتمع منفتح وديمقراطي يتمتع فيه المواطن بجميع أنواع المشاركة السياسية والمدنية والتي لا تقتصر فقط على حق الانتخاب وإنما حق النقد والتفنيد للسياسات بشكل مستمر والتعبير عن رأيه فيها.
وبالتالي فإن أهم أدوات حماية أي من الحقوق ومنها الحق في المعرفة، وحرية الوصول للمعلومات هو التشريع الحامي والملزم بتأدية الحق والناظم لضوابطه ومعايير وحدود التمتع به وعدم وجود ذلك في التشريع يسمح بتوغل السلطة الحاكمة أيًا كانت في انتهاك الحق و التحكم في معايير وضوابط تأديته، ويعفيها من التعرض للمراقبة والمساءلة والنقض، وهذا ما يفتقده بشكل خاص الحق في المعرفة والوصول إلى المعلومات، فعدم وجود نظام للوصول قانونيًا للمعلومات يسمح للدولة بالسيطرة الاستراتيجية على سيل المعلومات الرسمية وتمنحها قوة حجبها عن معارضيها ومنحها لمؤيديها وداعميها، فعلى سبيل المثال عدم وجود قانون ينظم عملية الوصول للمعلومات يقيد الهدف الرئيسي لوسائل الإعلام، وهو المساهمة في تدفق المعلومات للعامة.
كما أن عدم وجود مثل هذا القانون يدعم القوانين المقيدة لحرية الرأي والتعبير.
ومن أهم التطبيقات القضائية الحقوقية في إطار حرية تداول المعلومات، ما جاء في حكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية صدر الحكم فيها عن الغرفة الكبرى في 8 نوفمبر 2016، طلبت منظمة حقوقية معلومات من الشرطة تتعلق بالمحامين المنتدبين وأعداد انتدابهم، بهدف إجراء دراسة تتعلق بجودة نظام الدفاع العام، وقد تناولت المحكمة مدى إمكانية استمداد حق الوصول إلى المعلومات الموجودة لدى الدولة من حرية التعبير في المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية.
إذن فإن أمر حرية تداول المعلومات وصونها للمواطنين طالبي الحصول عليها من الأمور ذات البعد الدولي منذ زمن بعيد، ولم تكن وليدة يوم أو وليدة صدفة، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى مناشدة السادة أعضاء مجلس النواب توخي الحذر والحرص والحيطة، وعدم الانسياق وراء أية مبررات غير ضرورية تؤدي إلى عدم إتاحة المعلومات وعرقلة الحصول عليها في مشروع القانون الذي سوف تتم مناقشته في دور الانعقاد الحالي، ولنا في الموضوع بقية وتكملة على المستوى الدستوري، والتشريعي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



