قراءة استراتيجية للمقال الذي نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في 12 أكتوبر 2026، بقلم اللواء المتقاعد تامير هايمان الرئيس التنفيذي للمعهد.
المصدر الأساسي
أولاً : الخلاصة التنفيذية
تكمن أهمية المقال في أنه لا يناقش مجرد تحديث للعقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر 2023، بل يطرح احتمال حدوث تحول أعمق في تعريف إسرائيل لأمنها القومي، وعلاقتها بجوارها العربي، ومفهومها للسلام، وحدود اعتمادها على الولايات المتحدة والنظام الدولي.
وتجدر الإشارة إلى أن كاتب المقال كان يعمل رئيسًا لإدارة المخابرات الإسرائيلية خلال الفترة من 2018-2021، وله خبرة ميدانية كبيرة في العمل داخل الأراضي اللبنانية والفلسطينية.
ومن الضروري الانتباه إلى نقطة منهجية، فهايمان لا يقدم وثيقة عقيدة أمنية رسمية أقرّتها الحكومة الإسرائيلية، وإنما يستخلص- وفق تفسيره النظري- ملامح مفهوم جديد يعتقد أنه يتشكل من خلال الممارسة الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023.
والمقال نفسه دعوة إلى مناقشة هذا التحول ونقده، وليس إعلاناً رسمياً عن سياسة دولة مكتملة الأركان.
من منظور عربي استراتيجي، يمكن تلخيص المقالة في فرضية واحدة:
في المستقبل المنظور، قد تنتقل إسرائيل من استراتيجية تسعى إلى تحقيق التفوق العسكري داخل نظام إقليمي قائم، إلى استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية نفسها، بحيث تظل الدول المجاورة أضعف، وتبقى إسرائيل صاحبة المبادرة في تحديد قواعد الأمن والحرب والسلام.
ويمثل هذا فرضية استراتيجية تستحق التعامل الجاد، لكنها ليست نتيجة حتمية ولا دليلاً على وجود خطة إسرائيلية موحدة ومتكاملة لتحقيقها.
وهنا تكمن أهمية الرد العربي في ألا يكتفي بإدانة التوجهات الإسرائيلية، بل أن يبني قدرة عربية على منع تحولها إلى واقع دائم.
ثانياً: أهم الأفكار الواردة في المقال:
أولوية الهوية اليهودية على الاعتبارات الديمقراطية
يرى الكاتب أن المفهوم الناشئ قد يمنح الحفاظ على الهوية اليهودية للدولة أولوية على بعض القيم الديمقراطية والليبرالية، بما قد ينعكس على حقوق المواطنين العرب داخل إسرائيل وعلى طبيعة النظام السياسي نفسه.
(ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية والجهات القانونية العليا قد بدأت في التأكيد على تبني هذا النهج من خلال استبعاد، ووضع قيود على بعض القوائم والأحزاب العربية من أجل منعها من المشاركة في الانتخابات القادمة للكنيست).
السلام وسيلة مؤقتة وليس غاية استراتيجية
وفق قراءة هايمان، هناك اتجاه يتعامل مع التفاهمات العربية على غرار الاتفاقات الإبراهيمية، واتفاقيات السلام القائمة مع كل من مصر والأردن بوصفها ترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار، لا أساساً لنظام إقليمي مستقر.
وبذلك يصبح السلام مرحلة لإدارة التهديدات أو تحسين الظروف العملياتية، وليس بالضرورة هدفاً طويل المدى. (وقد تفسر التصريحات الإسرائيلية الأخيرة لوزير المالية سموتريتش التطبيق العملي لهذا التوجه).
التشكيك في تماسك الدول العربية
يشير المقال إلى تصور يعتبر عدداً من الدول العربية تجمعات قبلية أو إثنية تفتقر إلى هوية وطنية جامعة، ويرى أن إضعافها قد يكون أسهل من التعامل مع دول قوية ومتماسكة.
وإذا انعكس هذا التصور على السياسات العملية، فإنه يضع استقرار الدول العربية ووحدة مؤسساتها ضمن صلب التحدي الاستراتيجي.
(وتعد التحركات الإسرائيلية تجاه الأقليات في سوريا ولبنان ومحاولة التقرب منها ودعوتها للتمرد على الدولة المركزية خير مثال على هذا التوجه).
تطبيع الحرب وتوسيع الدفاع إلى خارج الحدود
يتناول المقال احتمال اعتبار الحرب حالة مستمرة لا استثناء مؤقتاً، مع إعطاء الأولوية للهجوم الاستباقي والضربات الوقائية، وإنشاء مناطق دفاع متقدمة في محيط إسرائيل، بما في ذلك الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا. (بدأت اسرائيل في إتباع هذا النهج فعليا من خلال توسيع المناطق الأمنية الحدودية واقتطاع أجزاء كبيرة من أراضي الغير تحت ادعاء تأمين مناطقها الحدودية ضد أي تهديدات).
الاستقلال الدفاعي والتكنولوجي وتقليص الاعتماد الخارجي
يدعو الاتجاه الذي يصفه المقال إلى توسيع الإنتاج العسكري المحلي والاستثمار في الصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، مع التشكيك في الاعتماد على الولايات المتحدة والتعاون العلمي والدفاعي الدولي.
(ولعل ما يحدث حاليًا من تحجيم الولايات المتحدة لأوكرانيا من الاستمرار في استخدام تكنولوجيا ستارلينك التي توفرها شركة سبيس أكس المملوكة لإيلون ماسك، هو خير دليل على قدرة الدول صاحبة التكنولوجيا في تحجيم قدرة الدول المستخدمة عن الاستفادة مما تتيحه تلك التكنولوجيات لأغراض سياسية بغية الضغط عليها).
فضلًا عن عدة أفكار أخرى تتعلق بالاستيطان وتوسيع حدود الدولة والعمليات الاستباقية
ثالثاً: ماذا تعني هذه الأفكار للعالم العربي؟
الأهمية الحقيقية للمقال ليست في كل فكرة منفردة، بل في احتمال اجتماعها في منظومة واحدة.
فإذا أصبحت المبادرة العسكرية الإسرائيلية أداة دائمة، وأصبحت التفاهمات السياسية مؤقتة بطبيعتها، وتراجعت قيمة استقرار الدول العربية في الحسابات الإسرائيلية، فإن المشكلة لن تقتصر على الصراع الفلسطيني أو على مواجهة إيران، بل ستمتد إلى طبيعة النظام الإقليمي العربي كله.
أرى أن هناك أربع نتائج استراتيجية محتملة ينبغي الاستعداد لها.
الانتقال من ردع التهديد إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة
في التصور الأمني التقليدي، تسعى الدولة إلى منع خصومها من مهاجمتها.
أما في التصور الذي يستخلصه المقال، فقد يتوسع تعريف الأمن ليشمل منع نشوء بيئة إقليمية قادرة على تحدي التفوق الإسرائيلي.
وقد أثبتت الحرب الإيرانية الأخيرة، فضلًا عما يحدث في اليمن عدم وجود بنية عربية دفاعية جماعية تواجه التهديدات التي تتعرض لها الدول العربية.
والفرق جوهري، فبدلاً من أن يكون المطلوب إزالة تهديد محدد، قد يصبح المطلوب منع تشكل قوة إقليمية مستقلة نسبياً عن الإرادة الإسرائيلية.
ولذا فإن الرد العربي يجب أن يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات المنفصلة إلى حماية توازن إقليمي يمنع احتكار أي دولة لقرار الحرب والسلم، أو فرض ترتيبات أمنية أحادية على جيرانها.
تآكل مفهوم السيادة العربية عملياً
إذا أصبحت المناطق الحدودية في دول الجوار مساحات مفتوحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، فإن السيادة قد تبقى قائمة قانونياً، بينما تتراجع فعاليتها العملية. وهنا تكمن خطورة تطبيع فكرة أن الأمن الإسرائيلي يبرر فرض وقائع عسكرية خارج الحدود الإسرائيلية، حتى من دون تسوية سياسية أو موافقة الدولة المعنية.
والواقع اللبناني والسوري الحالي هو خير دليل على ذلك.
وهنا يجب أن يكون الموقف العربي الموحد هو جعل احترام السيادة ووحدة الأراضي وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة مبادئ تشغيلية للسياسة العربية، لا مجرد مواقف دبلوماسية.
ويشمل ذلك توثيق الانتهاكات، وتنسيق التحرك القانوني، وربط أي ترتيبات أمنية بضمانات قابلة للتحقق (لكيلا يتكرر ما يحدث في لبنان عبر الاتفاق الثلاثي مرة أخرى).
تحويل الانقسام العربي إلى عامل استراتيجي
ليس من الضروري أن تتفق السياسة الإسرائيلية الفعلية مع جميع التوجهات الواردة في المقال حتى تستفيد من التنافس العربي أو من ضعف مؤسسات بعض الدول.
فالتجزئة السياسية، والتفاوت في القدرات العسكرية، والتعارض بين الأولويات الوطنية، قد تسمح بالتعامل مع كل أزمة على حدة من دون مواجهة توازن إقليمي منظم.
والمخرج هنا يتحقق عبر عدم إشتراط بناء تحالف عربي شامل في كل الملفات، بل إنشاء دوائر تعاون متخصصة بين الدول التي تتوافق مصالحها في ملفات محددة، مثل أمن البحر الأحمر، وحماية البنية التحتية، والإنذار المبكر، والأمن السيبراني، ومنع اتساع النزاعات الحدودية.
استنزاف المجتمعات العربية عبر أزمات طويلة
تطبيع الحرب إذا تحولت إلى نمط إقليمي، لا يفرض تكاليف عسكرية فقط، بل يستنزف الاستثمار والتجارة والطاقة والميزانيات العامة، ويزيد أعباء إعادة الإعمار ويضعف قدرة الدول على التنمية.
وما يحدث في دول الخليج حالياً هو خير مثال على ذلك، فقد أعلن أمير قطر خلال إفتتاحه لدورة مجلس الشورى في 13 الجاري أن الاقتصاد القطري تحمل خسائر كبيرة نتيجة الأضرار التي لحقت بمنشآته المتعلقة بالغاز جراء الحرب على إيران، مما أدى إلى انخفاض إيرادات المالية العامة للدولة في النصف الأول من العام الحالي ب 42%، فضلًا عما تعانيه المملكة العربية السعودية جراء ما تتعرض له من هجمات من الجبهتين الإيرانية واليمنية على منشآتها البترولية وبنيتها الأساسية.
والخطر أن تجد الدول العربية نفسها تنفق بصورة متزايدة على معالجة نتائج الأزمات، بدلاً من بناء قدرتها على منعها.
وهذا يستلزم إعادة تعريف الأمن القومي باعتباره مزيجاً من القوة العسكرية، والمرونة الاقتصادية، والأمن الغذائي والمائي، وحماية الطاقة والملاحة، واستقرار المؤسسات والمجتمع.
ما المخرج من هذه الأزمات؟ وكيف يمكن مواجهة ذلك من خلال استراتيجية موحدة والدور المصري في ذلك سيكون موضوع المقال القادم.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



