مع دخول الحرب الأمريكية الإيرانية شهرها السابع، يتعامل الرئيس دونالد ترامب وإدارته مع عودة جزء من تدفقات النفط عبر مضيق هرمز باعتبارها مؤشرًا على نجاح الاستراتيجية الأمريكية.
غير أن الكاتب والدبلوماسي الأمريكي السابق آلان إير، المتخصص في الشأن الإيراني، يرى أن هذا التقييم غير دقيق.
ويشير إير في مقال نشرته مجلة The Atlantic، إلى أن الولايات المتحدة ألحقت أضرارًا جسيمة بالقدرات العسكرية الإيرانية، وفرضت حصارًا بحريًا وضغوطًا اقتصادية قاسية أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، كما ساهم الوجود العسكري الأمريكي في استعادة جزء من حركة ناقلات النفط عبر المضيق.
لكن هذه التطورات لا تعني أن واشنطن اقتربت بالضرورة من إنهاء الحرب وفق شروطها، ولا أن إيران مستعدة للاستسلام.
لقد اعتبر مؤيدو الحرب مع إيران الارتفاعات الأخيرة في تدفقات النفط عبر مضيق هرمز دليلًا على أن الاستراتيجية الأمريكية بدأت تؤتي ثمارها أخيرًا.
ويبدو أن الرئيس ترامب واثق من ذلك إلى درجة أنه رفض مؤخرًا خطة طرحتها وزارة الخارجية الإيرانية لمدة سبعة أيام لإنهاء الحرب وفتح المضيق.
وقال ترامب متفاخرًا إن الولايات المتحدة تحقق انتصارًا هائلًا.
لكن إدارة مرتبكة تخلط بين التفوق التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. فبعد سبعة أشهر من حرب كان مخططوها قد توقعوا أن تستمر أربعة أو خمسة أسابيع، لا تزال إدارة ترامب تعاني فهمًا شديد القصور لإيران، كما أن زيادة كمية النفط المصدرة عبر المضيق لا تعني أن الولايات المتحدة اقتربت من إنهاء الصراع وفق شروطها.
ولا شك أن ثقة الرئيس بنفسه تستند جزئيًا إلى اعتقاده، وفق تقارير، بأن نتيجة هذا الصراع ستتحدد بناءً على الطرف القادر على تحمل الألم الاقتصادي لأطول فترة.
ويبدو أن ساعة العد التنازلي للاقتصاد الإيراني تسير بوتيرة متسارعة: فقد كان الحصار الذي فرضته البحرية الأمريكية على الموانئ الإيرانية فعالًا بصورة قاسية، وكذلك، وإن كان بدرجة أقل، كانت عملية «المنبوذ الاقتصادي» التي أطلقتها وزارة الخزانة في أغسطس، ووصفتها بأنها حملة غير مسبوقة لقطع كل شريان اقتصادي متبقٍ يغذي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان الاقتصاد الإيراني في وضع سيئ قبل الحرب، أما الآن فقد دخل في أزمة عميقة.
ويتداول الريال الإيراني عند مستوى قياسي يتجاوز 2.5 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بسعر صرف كان يقترب من 1.2 مليون ريال قبل الحرب، ووفقًا لإحصاءات الحكومة، تجاوز تضخم أسعار الغذاء على أساس سنوي 125 في المئة في أواخر أغسطس، وأصبحت دولة اعتادت على البنزين الرخيص والمتوافر تواجه الآن نقصًا حادًا، فيما تعمل الحكومة بصورة متزايدة على تقليص الدعم.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال عام 2026.
كما خلصت الإدارة الأمريكية، بحسب ما قاله وزير الخزانة بيسنت في مطلع الشهر الماضي، إلى أن إيران دخلت في «دوامة موت»، وأنها في حالة يأس تدفعها إلى إبرام صفقة.
ويبدو أن الإدارة تعتقد في المقابل، أن ساعة الألم الاقتصادي الأمريكي قد تباطأت بسبب تراجع قدرة إيران على إغلاق حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز أو حتى الحد منها بصورة كبيرة.
وكانت قبضة إيران على هذه النقطة البحرية الخانقة، من خلال الألغام البحرية والهجمات على ناقلات النفط، قد خفضت حركة عبور النفط اليومية من 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى أقل من 3 ملايين برميل يوميًا بحلول مارس.
لكن في أواخر أغسطس، أعلن الجيش الأمريكي تحقيق «إنجاز رئيسي»، تمثل في تطهير طرق العبور في المضيق من الألغام.
وفي بيان صدر عن القيادة المركزية الأمريكية في منتصف سبتمبر، قيل إن المضيق مفتوح أمام العبور.
وقد ارتفعت صادرات النفط الإقليمية بصورة كبيرة في سبتمبر. ووفق تقييم صادر عن بنك جي بي مورجان وتداولته وسائل التواصل الاجتماعي في أواخر الشهر الماضي، ارتفعت الصادرات الإقليمية مجددًا إلى مستوى يقل بنسبة 11 في المئة فقط عن مستويات ما قبل الحرب.
وأفادت شركة كلبر المتخصصة في الاستخبارات البحرية بأن المتوسط اليومي للنفط الذي مر عبر المضيق في سبتمبر بلغ 10 ملايين برميل، بينما غادرت 6 ملايين برميل إضافية المنطقة عبر مواني وخطوط أنابيب تتجنب المضيق.
وبدا أن عنوانًا نشرته شبكة CNN في أواخر سبتمبر يلخص التقييم العام: “لقد فقدت إيران قدرًا كبيرًا من نفوذها في مضيق هرمز لا يمكن أن يستمر الأمر على هذا النحو إلى الأبد”.
أحد أسباب استئناف تدفقات النفط هو أن شركات النفط السعودية والإماراتية والقطرية والكويتية، بالتعاون مع البحرية الأمريكية، بدأت تنفيذ عمليات نقل محفوفة بالمخاطر لتجنب الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة الإيرانية التي تهدد المضيق.
وتدخل ناقلات صغيرة تعمل داخل الممر المائي، وتغلق أجهزة إرسال إشارات التعريف الخاصة بها، ثم تحمل النفط، وتغادر المضيق بمحاذاة الساحل العُماني تحت مراقبة مقاتلات ومروحيات هجومية تابعة للبحرية الأمريكية.
وبمجرد وصولها إلى مياه آمنة، تنقل حمولتها من النفط الخام إلى ناقلات عملاقة أكبر لمواصلة رحلتها.
لكن الوضع الجديد القائم في المضيق ليس مستدامًا، ولا قابلًا للتوسع.
فعمليات النقل من سفينة إلى أخرى خطرة ومكلفة، وتعتمد على عمليات عسكرية أمريكية نشطة تشمل حاليًا مجموعتين من مجموعات حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية موجودتين بالفعل في المنطقة، بينما توجد مجموعة ثالثة في طريقها إليها.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الملاحة عبر المضيق خطرة. فقد تعرضت ثماني ناقلات على الأقل لهجمات خلال الأسبوع المنتهي في 5 أكتوبر، ولا يزال مركز المعلومات البحرية المشترك متعدد الجنسيات، ومقره البحرين، يصنف خطر المرور عبر المضيق بأنه شديد.
ووفقًا لمنظمة التجارة البحرية في المملكة المتحدة، لا تزال حركة الملاحة عبر المضيق أقل بنسبة 75 في المئة عن مستويات ما قبل الصراع.
كما أن الإمدادات العالمية من النفط الخام والمنتجات المكررة لا تزال أقل من الطلب، بينما لا تتجاوز صادرات المنتجات المكررة من المنطقة 58 في المئة من مستويات ما قبل الحرب.
وكما قالت آنا سوباسيتش، المحللة في شركة كليبر المتخصصة في مخاطر التجارة، لصحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا، فإن مرور عدد أكبر من السفن وكميات أكبر من النفط في المنطقة مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب لا يعني أننا نشهد عودة التدفقات إلى طبيعتها.
قد يكون ترامب محقًا في اعتقاده بأن الألم الاقتصادي الذي تعانيه إيران يتزايد بوتيرة أسرع من الألم الذي تعانيه أمريكا.
لكن النظام الإيراني، المنخرط في معركة يعتقد أنها وجودية، سيتحمل مستويات من الألم تفوق بكثير ما يمكن لإدارة أمريكية غارقة في حرب غير شعبية أن تقبله.
وقد يمثل الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والديزل مشكلة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي، المقرر إجراؤها الشهر المقبل.
أما النظام الإيراني، وعلى النقيض من ذلك، وبفضل بنيته الواسعة والمجربة لقمع المواطنين، فقد أظهر استعداده لقتل مواطنيه بأعداد كبيرة، وهو لا يضبط سياساته وفقًا لصندوق الاقتراع.
ويبدو أن إدارة ترامب لا تدرك أن قادة إيران الذين أصبحوا أكثر تشددًا من القادة الذين قتلتهم الولايات المتحدة وإسرائيل في بداية الحرب يتصرفون انطلاقًا من افتراض أن الولايات المتحدة مصممة تمامًا على إسقاط الجمهورية الإسلامية، وهم يرون أن تقديم تنازلات تحت الضغط سيؤدي إلى تسريع تدميرهم، لا إلى تأخيره.
واستجابةً لتصاعد الضغط الاقتصادي الأمريكي وتدهور الوضع الاستراتيجي، فإنهم على الأرجح سيصعّدون عسكريًا بدلًا من الاستسلام.
وبعد وقت قصير من انتهاء حرب فيتنام، يُقال إن عقيدًا أمريكيًا كان يتحدث مع نظيره الفيتنامي، وقال له: أنتم لم تهزمونا في ميدان المعركة، ويُقال إن العقيد الفيتنامي فكر في الأمر قليلًا، ثم أجاب: قد يكون ذلك صحيحًا، لكنه أيضًا غير ذي صلة.
وقد يكون الأمر نفسه صحيحًا مع إيران.
نعم، دمرت الولايات المتحدة مساحات هائلة من القدرات العسكرية الإيرانية، وتشل الاقتصاد الإيراني وتزيد من بؤس أعداد متزايدة من مواطنيه.
ونعم، إنها تُخرج من المنطقة كميات من النفط أكبر مما كانت تخرجه في مراحل سابقة من الحرب، لكن لا شيء من ذلك يقرّب أمريكا كثيرًا من تحقيق النصر.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




