فور تجدد الحرب الأهلية في سبتمبر الماضي بين سبعة فصائل إثيوبية والسلطة الفيدرالية الإثيوبية، أثير جدل هذه الأيام حول ماذا تريد مصر من الحرب الإثيوبية أو ما هي مصلحة الدولة المصرية: إثيوبيا موحدة وقوية أم إثيوبيا مفتتة وضعيفة تتنازعها الحروب وتمزقها الأعراق والكيانات الثقافية.
السؤال السابق فرضه نظام آبي أحمد في أديس أبابا لكون هذا النظام يلجأ إلى الخارج كلما تقطعت به السبل في الداخل، عسى أن يجد له مخرجا يُعيد توحيد الصفوف على حساب الإقليم، سواء في القرن الإفريقي، أو في حوض النيل ومركزه دولتي المصب مصر والسودان، أو عبر إثارة مشكلته كدولة حبيسة تريد منفذا بحريا على البحر الأحمر أو خليج عدن. أُثير السؤال أيضا إثر عديد المواقف الرسمية التي تتحدث عن عدم التدخل في الشئون الداخلية لإثيوبيا أو لإي طرف دولي، ومواقف غير رسمية تتحدث عن مصلحة مصرية في بقاء إثيوبيا قومية وموحدة!!
إضعاف الخصوم أساس قوة أنظمة الحكم
ولأن الأساس الذي تُبنى عليه قوة أي نظام سياسي، يتمثل في الاعتماد على الذات في زيادة قوته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة بالطبع لعناصر القوة التقليدية أي القوى العسكرية، فإن السعي لإضعاف الخصوم غالبا ما يكون هو أساسا آخر ومهما لدعم قوة النظام السياسي.
من هنا فإن وجود دولة كإثيوبيا تعتمد في قوتها على مناكفة جيرانها، وتستند في كافة عناصر وحدتها في الداخل إلى إثارة النزاعات مع البلدان المجاورة، وتلجأ إلى عقد التحالفات ودق الأسافين بين الدول والتنظيمات والميليشيات، وجلب الموالين من الفواعل غير الدول لإثارة المتاعب لدول الجوار، ناهيك عن المراوغات والمماطلات وأعمال التسويف لكسب الوقت وعدم حل النزاعات المثارة، كل ذلك يجعل من الضرورة كرد فعل لكل ما سبق حتمية إضعاف هذه الدولة من الداخل، وزلزلة قدرتها الوحدوية، باعتبار ذلك أحد سبل حدوث اختراق في بنيتها وكيانها المفتت بداية، والذي ربما لا يحتاج إلا جهدا بسيطا لإشغالها مكيافيليا بالنعرات الطائفية والعرقية والثقافية، عبر شحذ المِلل والنِحَل والقبائِل، التي هي قائمة ومتأهبة بداية.
إثيوبيا عرقيا.. كيان مفتت ومنهك القوى
ولعل الناظر إلى الوضع الراهن للدولة الإثيوبية يُدرك أن الموزاييك الإثيوبي غير قابل للإلتئام، لأن الإنتماءات الأولية هي الأساس الذي يعتمد عليه إثبات المواطن لذاته في تلك البقعة. فإثيوبيا دولة عدد سكانها نحو 139 مليون نسمة، وفوق أنها لها حدود يبلُغ طولها 5925 كم مع 6 دول هي إريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا ودولتي السودان، وأن أكبر تلك الحدود مع الصومال (1640 كم) وأصغرها مع جيبوتي (342 كم)، فإنها تتألف من 4 قوميات تشكل نحو ثلثي عدد السكان، وهؤلاء هم الأورومو والتيجراي والأمهرة والصومال، أما النسبة الأخرى فتتألف من نحو 85 مجموعة عرقية، أشهرها العفر، وبني شنقول. ويُدين ثلثا الإثيوبيين بالمسيحية الأرثوزكسية، والثلث الباقي بالإسلام، إلى جانب وجود أقليات يهودية ووثنية. وللجوار الإقليمي امتدادات داخل الدول المجاورة لا تعير اهتماما كثيرا بالدولة الإثيوبية كالعرب في أقليم الأوجادين وينتمي هؤلاء ثقافيا إلى الصومال، وعرب بني شنقول وينتمون إلى السودان، والعفر وينتموا لقبيلة العفر الكبرى في جيبوتي وهكذا.
ولأن نظام الدكتاتور منجيسنو هيلا ماريام فشل في صهر الثقافات والطوائف تحت راية الحكم الماركسي، فقد تأسس دستور 1995 على أساس تقسيم البلاد التي كانت تحت حكم التيجراي -عقب سقوط حكم منجستو- إلى قوميات، وارتبط هذا التقسيم بوجود 12 ولاية ومدينتين، وتطابق على وجه العموم بالتقسيم الثقافي، ما جعل البلاد على حافة بركان، بسبب الشحذ العرقي الذي فاق الانتماء للدولة، وعمّق من كل ذلك اللغات المتعددة ومناهج التعليم البعيدة كل البعد عن الإنصهار في الدولة الواحدة، ناهيك عن أزمة توزيع الموارد وأزمة الهوية وأزمة الإندماج القومي المستفحلة وبالأحرى أزمة وجود الأمة الواحدة. وقد ساهم كل ذلك في صراعات بعضها علني وبعضها مكبوت، كالصراع الذي يجرى اليوم بين النظام الفيدرالي وسبع تنظيمات مسلحة مرتبطة بقوميات متفرقة، بسبب أزمتي المشاركة السياسية والشرعية داخل الدولة.
أين تقف المصلحة المصرية؟
لا شك أن مصلحة مصر اليوم وبعد المراوغة الإثيوبية في مسألة سد النهضة، لأكثر من عقد من الزمن، والتي أفضت إلى إغراق مصر في تسويف لا ينتهي، ورفض الوساطات الدولية لحل الخلاف الكبير حول إدارة وتشغيل السد ومن قبله عمليات تخزين الماء فيه، والشروع اليوم في بناء ثلاثة سدود أخرى، وسط حالة غير مسبوقة من العناد غير المبرر بشأن مياة النيل، والمساعى الحثيثة لوجود منفذ بحري، كل ذلك يجعل من المهم لمصر ألا تقف مكتوفة الأيدي وهي تجد النظام الفيدرالي على شفى التحلل.
وإذا أُضيف إلى كل ما سبق المسعى الإثيوبي لتواجد صهيوني في إثيوبيا من خلال تعاون اقتصادي وعسكري مكثف بين الطرفين، ومحاولة الضغط الإسرائيلي على مصر باللعب في حصة مياة النيل، وتواجد إسرائيل في البحر الأحمر، لاكتملت الرؤية بوجود محاولات إثيوبية حثيثة للضغط على مصر من الزاويتين الأمنية المائية أو الجيو سياسية.
من هنا تأتي مصلحة مصر بالتأكيد في أن تستمر حرب الاستنزاف الأهلية داخل إثيوبيا، وأن تقوم أولا بمنع تقديم العون والمساعدة للحكومة الفيدرالية بالقدر الذي يعينها على مواصلة القتال، بما في ذلك منع الدعم الخارجي عنها، كالدعم الذي قُدم لها من قبل الإمارات العربية المتحدة إبان حرب 20/2022. وثانيا، مد خصم النظام الإثيوبي أو مجموعة المتنازعين السبعة بكل ما يُساهم في تقويتهم سواء عبر السودان أو عبر إريتريا.
الموقف المصري قد يُفضي حال نجاحه في إنهاك نظام الحكم الإثيوبي، أو تفتيت الكيانات الإثيوبية العرقية، بما يُحقق نفس الغرض وهو الخلاص من نظام الحكم الحالي المُثير للإزعاج لمصر والسودان وإريتريا والصومال.
لا مصلحة مصرية في وجود دولة إثيوبية واحدة
وقد يرى البعض أن وجود دولة إثيوبية واحدة أفضل لمصر كثيرا، مقارنة بوجود دويلات.
وهذا القول يستند إلى أن الجماعات الإثيوبية ليست لأي منها الخبرة السياسية في التعامل مع الجيران، كما أن الفوضى التي قد تُخلفها الحرب ربما تؤثر على عمل سد النهضة مما يشكل خطورة على السودان.
وواقع الأمر أن الأصابع المصرية احترقت لأكثر من عقد من التفاوض غير المجدي مع إثيوبيا الواحدة، إلى الحد الذي أصبح معه لا يوجد وضع أسوأ من الوضع الحالي، خاصة مع سعي القاهرة لتغيير كامل في استراتيجية الأمن المائي للبلاد، بعد أن أصبح نصيب مصر يقل عن نصف معدل الفقر المائي البالغ 1000 متر مكعب من الماء للفرد سنويا، ببلوغه نحو 450 متر مكعب سنويا.
من ناحية أخرى، أن مصر جربت التعامل مع إثيوبيا بطرق شتى، لكنها لم تفلح في احتواء مناكفاتها ومضايقاتها المتعمدة، وكذلك محاولة تقليب الدول الإفريقية عليها بحجة تمسك القاهرة باتفاقات استعمارية، أو بإثارة نعرات تحمل افتراءات بحق مصر بالحديث عن تبني القاهرة نظرات عرقية بين شمال إفريقي أبيض وجنوب أسود، مع استغلال أديس أبابا مقر الاتحاد الإفريقي في لعب إثيوبيا دورا هداما في العلاقات المصرية الإفريقية.
مخاوف مصرية يمكن إحتواؤها
لكن لا شك أن مصر سيكون لديها مخاوف من انفلات الأوضاع في إثيوبيا، لكن تلك المخاوف يمكن احتواؤها بشكل أو بآخر. فالحرب الأهلية ستزيد من اللاجئين، وهذا الأمر ربما يمكن استيعابه بكون آثاره السلبية يُمكن تعويضها عندما يتم وقف دعم النظام الإثيوبي الحالي للنزاعات بين الكيانات والدول الجارة مما يقلل من أزمة لاجئين مقابلة، هنا يجب التذكير بمشكلات اللاجئين التي تتزايد نتيجة أفعال النظام الفيدرالي في كل من السودان وغرب الصومال وجنوب إريتريا. الأمر الآخر، أن الحديث عن فوضى إدارة السد بعد تدهور الأوضاع هو أمر مردود عليه باستحالة إضرار من تم القيام بدعمهم بالسودان. أما عدوى تفتيت القرن الإفريقي لكيانات عرقية بعد تفتيت إثيوبيا، فهو أمر لا يعتقد فيه كثيرا، لأن الصومال هي أصلا دولة شبه قومية، ولا يوجد خلافات مشابهة في إريتريا أو جيبوتي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




