الشعب المصري هو من بنى مصر، غير صحيح أن هذا الحاكم أو ذاك هو من بناها.
الشعب المصري- كان وما زال- هو قوة الإنتاج وهو قوة الدفاع وهو مصدر الثروة وهو ضامن البقاء، وهو من يدفع تكاليف المُلِمات وهو من يتحمل مغارِم التحولات وهو من يتحمل أخطاء الحكام وهو الجدار الصلب الأشد الذي ينهض فوقه كامل بنيان هذا الوطن.
الشعب المصري هو معجزة مصر بمقدار ما أن مصر هي معجزة الشعب المصري.
الشعب المصري أنجب في القرن التاسع عشر ثلاثةً من أبناء الفلاحين كانوا وما زالوا في ضمير التاريخ أعظم من حكامه في ذلك القرن، والذين يُنْسَبُ إليهم بناء مصر الحديثة.
الثلاثة: رفاعة الطهطاوي، الشيخ محمد عبده، علي باشا مُبَارَك.
كما أنجب في القرن العشرين حشداً من النوابغ والعباقرة كانوا وما زالوا هم صناع النهضة العربية في ذلك القرن الحافل.
مصر الدولة كم اختفت من التاريخ وصارت ولاية تابعة لهذه الإمبراطورية أو تلك، ولكن الشعب المصري ظل مستعصياً على الاختفاء أو الاختباء، ظلت الحقيقة الواقعة التي حفظت بقاء مصر في التاريخ.
شعوب كثيرة صنعتها الدولة أما الشعب المصري فهو صانع الدولة وهو ضامن بقائها وهو حافظ وجودها.
في مصر الدولة بعض من فيض الشعب وتجليه وصداه.
كم زالت الدولة وبقي الشعب ينتزع حقه في البقاء من أبَدٍ إلى أبَدٍ ومن دَهْرٍ إلى دَهْر.
عند ملتقى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت فكرة الدولة في مصر هشة ضعيفة، أقرب ما تكون إلى مخبوز الرقاق أو أشبه ما تكون بأوراق شجر في الخريف ما بين جافة فوق الأغصان الذابلة أو ملقاة على الأرض، تعبث بها الريح لكن الإنسان المصري كان حاضراً يواجه الفصول الأخيرة من عبث المماليك، يذكر الجبرتي في ص 387 من ج 2 من عجائب الآثار وهو يؤرخ للعام الهجري 1209 الموافق 1794 – 1795 كلمته الأثيرة، وهو يفتتح حوادث كل عام جديد فيقول: “لم يقع فيها – أي في هذه السنة – شيء من الحوادث الخارجية، سوى جور الأمراء وتتابع مظالمهم”.
ثم يورد أخبار الانتفاضة الشعبية في يوليو 1795 والتي يصفها بعض المؤرخين بأنها ثورة، كما يصف البعض ما نتج عنها من وثيقة أو حجة شرعية بأنها ماجنا كارتا مصرية أي وثيقة حافظة لحقوق المصريين وحرياتهم. كانت فكرة الدولة في تلكم السنوات من خاتمة القرن الثامن عشر مضمحلة تماماً بين سيادة عثمانية آفلة وسلطة مملوكية محلية فاسدة مهترئة، وكان المصري البسيط- أياً كان موقعه- هو خميرة الوجود وعجينة البقاء وطينة الصمود التي حفظت كيان هذا البلد صلباً متماسكاً سواء بالمعنى المادي أو الروحي.
كذلك كانت فكرة الدولة في مصر عند خاتمة القرن التاسع عشر مُفَتَّتَة مُتَقَزِّمة بين سيادة عثمانية مُهَزَّأة واحتلال بريطاني عار من السند الشرعي والأخلاقي والقانوني وخديوية فقدت الهيبة والاحترام حتى بينها وبين نفسها، لكن كانت فكرة الشعب في ذروة البحث عن نفسها، وفي ذروة البحث عن معنى مصر وهويتها ومكانتها، كانت فكرة الشعب قد ناضلت في سبيل ذاتها في الثورة العرابية التي أُجْهِضَت، وكانت تتهيأ لثورة 1919 التي استكمل بها الإنسان المصري- وأقول الإنسان المصري كشعب مُجرد من أي سند من الدولة، بل كانت الدولة ضده بكل معانيها سواء سيادة عثمانية مريضة أو احتلال غاشم أو خديوية تافهة- هذا الإنسان المصري هو من بنى مصر القرن العشرين التي هي مصر الأجمل والأروع في التاريخ من بناء الجامعات ومنظومة التعليم إلى تمصير القضاء والقانون إلى إعادة بناء كافة مرافق الدولة على أسس حديثة، وكان موضع التاج منها بناء السد العالي.
كان طه حسين من أبناء الفقراء كما كان عبد الرزاق السنهوري كما كان على إبراهيم باشا، كما كانت أم كلثوم كما كانت حشود كثيرة من العباقرة في كل علم وفن وصنعة ومجال أنجبتهم مصر لها وللعرب وللإنسانية.
الشعب المصري معروف في التاريخ بأمرين: أقدم شعوب الأرض، أكثر شعوب الأرض في عبقرية البناء الذي يطاول أطراف السماء، بناء خالد على توالي العصور وكر الدهور، بناء شاهد على حقيقة أن هذا الشعب يبني ويعيش ليبني ويموت وهو يبني، هو شعب خُلق للعمار والاستمرار وما يترتب عليهما من انتظام وانضباط، فلا مجال للإشارة من قريب أو بعيد لوهم أنه يهدم، ولا يجوز الإيحاء أنه من الوارد أن يهدم دولته، فمن يبني لا يهدم ما بناه، وهذا الشعب هو البناء الأول والأخير لهذا البلد قديماً وحديثاً.
هذا الشعب هو الأمين المؤتمن على هذا البلد كان وما زال. هذا الشعب هو مالك هذا البلد وهو صاحبه ويستحيل أن يمس بلده بسوء.
لم يحدث ثم لم يحدث ثم لم يحدث في تاريخ مصر الأطول بين الدول أن قال أي مؤرخ إن الشعب المصري هدم دولته في أي حقبة من أحقاب التاريخ.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




