في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار الدولية والإقليمية على التطورات في باب المندب المرتبطة بتحركات جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، وسيطرتها على مواقع استراتيجية تمنحها قدرة متزايدة على التأثير في حركة الملاحة، بالتزامن مع تصاعد استهداف المصالح والمنشآت النفطية السعودية، يبرز سؤال يتجاوز التطورات العسكرية المباشرة: ما الأهداف التي تسعى الجماعة الحوثية إلى تحقيقها؟ وهل تستثمر الصراع الأوسع حول الممرات البحرية للوصول إلى مكاسب داخلية، وفق حسابات يمنية بحتة، أم أن تحركاتها تتقاطع مع أجندات قوى إقليمية كبرى، وفي مقدمتها إيران؟
وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى توقيت التصعيد وتسلسله.
فقد جاءت التطورات بعد فترة طويلة نسبياً من تجميد القتال واسع النطاق في اليمن، وارتبطت بدايتها بحادثة استهداف مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين ومنع طائرة قادمة من طهران من الهبوط، في سياق الحرب مع إيران ووفاة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
وإذا كان هذا التسلسل يمثل نقطة التحول الفعلية، فإن سرعة الرد الحوثي والتوسع العسكري اللاحق يطرحان احتمالاً بأن الجماعة كانت تمتلك خططاً واستعدادات مسبقة، وأن ما حدث لم يكن مجرد رد فعل محدود على حادثة الطائرة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية عند ربطها بالتحذيرات الإسرائيلية السابقة بشأن احتمال انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى باب المندب.
فقد ظل أمن البحر الأحمر وباب المندب حاضراً في الحسابات الإسرائيلية باعتباره جزءاً من أمن خطوط التجارة والطاقة، وأي انتقال للتصعيد إلى هذا الممر يفتح جبهة إضافية في الصراع مع إيران وحلفائها.
ومن هنا تظهر فرضية مهمة: هل يمثل التصعيد الحوثي في باب المندب جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع الضغط الإقليمي، بحيث تواجه السعودية في الوقت نفسه ضغوطاً مرتبطة بمضيق هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى؟
إذا صح هذا الافتراض، فإن الهدف لا يكون بالضرورة إغلاق باب المندب بصورة كاملة، وإنما رفع تكلفة الحرب على السعودية والولايات المتحدة وحلفائهما.
فالسعودية تقع بين مسارين بحريين استراتيجيين، وأي تهديد متزامن للملاحة في الخليج والبحر الأحمر يمكن أن يخلق ضغطاً اقتصادياً وأمنياً واسعاً عليها، ويجعل أي قرار سعودي بالمشاركة المباشرة في الحرب ضد إيران أكثر كلفة.
لكن لا توجد أدلة كافية للجزم بأن التحرك الحوثي جاء بتوجيه إيراني مباشر بهدف الضغط على السعودية.
والأكثر دقة هو النظر إلى المسألة باعتبارها تقاطعاً محتملاً للمصالح: إيران تستفيد من وجود جبهة ضغط إضافية في البحر الأحمر، والحوثيون يستفيدون من الظرف الإقليمي لتعزيز موقعهم العسكري والسياسي ورفع قيمتهم التفاوضية داخل اليمن.
من الرد الحوثي إلى استراتيجية الضغط المتعدد:
لا يمكن تجاهل تعاظم القدرات العسكرية الحوثية بدعم إيراني. فالقدرة على الانتقال بسرعة من مرحلة التهديد إلى السيطرة على مواقع استراتيجية على الساحل تشير إلى تراكم عسكري وتنظيمي واستخباري سابق، وليس مجرد رد فعل عفوي على حادثة واحدة.
وهنا تصبح سرعة الرد الحوثي على حادثة الطائرة ذات دلالة. فإذا تمكنت الجماعة خلال فترة قصيرة من توسيع سيطرتها على مناطق استراتيجية، فإن ذلك يدعم فرضية وجود تخطيط مسبق وخيارات عسكرية جاهزة للتنفيذ عند اندلاع التصعيد الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، فإن هذا التحرك يتقاطع مع فرضية أوسع تتعلق بإيران.
فإذا كانت طهران تواجه ضغطاً حول مضيق هرمز، فإن فتح أو تفعيل جبهة أخرى في باب المندب يوفر وسيلة لخلق ضغط اقتصادي شامل على خصومها، ورفع تكلفة حماية الممرات البحرية، وتوسيع دائرة المخاطر أمام الولايات المتحدة وحلفائها.
وبالتالي، يمكن النظر إلى باب المندب وهرمز باعتبارهما مسارين متكاملين في الجغرافيا الاستراتيجية للصراع، حتى وإن كانت الأطراف المسيطرة عليهما مختلفة.
إيران والحوثيون تحالف يتجاوز الطائفية:
يواجه تحليل العلاقة بين إيران والحوثيين خللاً، عندما يتم اختزالها في البعد الطائفي.
فالحوثيون ينتمون إلى الشيعة الزيدية اليمنية، بينما تنتمي إيران إلى الشيعة الاثني عشرية، وهناك اختلافات مذهبية وتاريخية واضحة بين الطرفين.
لذلك، فإن وصف التحالف بأنه تحالف طائفي بحت لا يفسر طبيعة العلاقة بصورة كافية.
فالتقارب تطور أساساً نتيجة المصالح السياسية والعسكرية والأمنية، ثم تعزز مع استمرار الحرب والحصار والتهميش.
لقد ساهم الضغط العسكري المستمر وحرب عاصفة الحزم والضغط الاقتصادي على مناطق سيطرة الحوثيين في دفع الجماعة إلى تعميق علاقتها بإيران.
وفي الوقت نفسه، استطاعت الجماعة بناء غطاء محلي وقبلي والاستفادة من التاريخ الطويل للصراعات في شمال اليمن، بدءاً من إرث الدولة المتوكلية، مروراً بالصراعات الحدودية مع السعودية، ووصولاً إلى الصراع مع التيارات السلفية داخل المناطق ذات الأغلبية الزيدية.
وبذلك، فإن الحوثيين ليسوا مجرد قوة إيرانية داخل اليمن، كما أنهم ليسوا حركة منفصلة تماماً عن إيران.
العلاقة أصبحت أكثر تعقيداً: إيران وفرت دعماً ساعد الحوثيين على تطوير قدراتهم، بينما وفر الحوثيون لإيران موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر وباب المندب.
ومع تعاظم التعاون العسكري والأمني، أصبح من الصعب تصور استقلال كامل للقرار الحوثي عن إيران، لكن ذلك لا يعني في المقابل أن الجماعة فقدت جميع حساباتها اليمنية. فالخطاب الحوثي يؤكد استقلال القرار، ويقدم الجماعة باعتبارها قوة يمنية تسعى إلى تحقيق مكاسب داخلية وسياسية.
وهنا تكمن إحدى أهم إشكالات أي تسوية مستقبلية: هل يمكن فصل المصالح الحوثية اليمنية عن المصالح الإيرانية الإقليمية؟
الإمارات والمجلس الانتقالي وإعادة ترتيب الجنوب
الإشارة الثانية التي تستحق التوقف عندها تتعلق بالإمارات ودورها في جنوب اليمن.
فالانسحاب أو التراجع الإماراتي بعد حادثة ميناء المهرة حيث تعرض لهجوم عسكري، إلى جانب خروج أو تراجع المجلس الانتقالي الجنوبي، يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب الأدوار داخل الساحة اليمنية.
ولا توجد أدلة كافية للجزم بأن هذا التراجع جاء بإيعاز مباشر بهدف إعادة الإمارات إلى الملف اليمني، لكن الفرضية تستحق الدراسة بالنظر إلى طبيعة الدور الإماراتي السابق في المناطق الساحلية والمواني والجزر.
فالإمارات كانت لاعباً رئيسياً في جنوب اليمن، واهتمت بصورة خاصة بالمواقع الساحلية والممرات البحرية.
وبالتالي، فإن تغير ميزان القوى حول باب المندب قد يدفعها إلى إعادة تقييم أدواتها وتحالفاتها، وليس بالضرورة إلى الانسحاب النهائي من اليمن.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث لا يتعلق فقط بالحرب بين الحوثيين والقوى المناوئة لهم، وإنما بإعادة توزيع النفوذ حول المواني والجزر والممرات البحرية.
الصين وصراع الممرات البحرية:
أما الإشارة الثالثة، فتتعلق بالصين، فطبيعة العلاقات الإيرانية– الصينية، والمصالح الصينية في الطاقة والتجارة، إلى جانب العلاقة المتنامية مع السعودية، تجعل بكين طرفاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية حول الممرات البحرية.
وقد اكتسب الدور الصيني بعداً جديداً منذ نجاح بكين في رعاية التقارب السعودي– الإيراني، ثم مع لجوء السعودية إلى الصين طلباً للمساعدة في احتواء الأزمة الحالية.
ومن هنا، يمكن طرح سيناريو أن يتحول باب المندب مستقبلاً إلى جزء من ترتيبات أوسع تتعلق بأمن المواني والتجارة والطاقة.
وإذا وصلت السعودية والحوثيون إلى تفاوض مباشر أو غير مباشر، فقد تصبح الصين طرفاً قادراً على تقديم ضمانات أو الدخول في ترتيبات اقتصادية تتعلق بالمواني.
وفي سيناريو أكثر اتساعاً، يمكن أن يؤدي ذلك إلى حضور صيني أكبر في بعض المواني اليمنية، ليس بالضرورة عسكرياً، وإنما اقتصادياً ولوجستياً، باعتباره جزءاً من التنافس الدولي على الممرات البحرية.
لكن ينبغي التمييز هنا بين المصلحة الصينية المؤكدة في استقرار الملاحة وبين فرضية أن التصعيد الحوثي صُمم تحديداً لإدخال الصين إلى اليمن؛ الثانية تحتاج إلى أدلة إضافية.
السعودية واستراتيجية الحسم ونتائجها العكسية:
اختارت السعودية منذ وقت طويل استراتيجية الحسم العسكري في مواجهة الحوثيين، رغم الكلفة الباهظة.
واستثمرت في بناء جيش يمني جديد، وشكلت تحالفات يمنية وإقليمية، ونجحت في مراحل سابقة في تشكيل حكومة لا تشمل الحوثيين، بالتزامن مع استخدام الضغط الاقتصادي ضد مناطق سيطرة الجماعة في صنعاء.
لكن مسار الحرب أظهر نتائج مختلفة عن الأهداف الأصلية. فالضغط الاقتصادي والحصار لم يؤديا إلى إضعاف الجماعة بالقدر المتوقع، بل ساعد استمرار الحرب في خلق بيئة عززت قدرة الحوثيين على تقديم أنفسهم باعتبارهم قوة تواجه تدخلاً خارجياً.
وفي الوقت نفسه، أتاحت سنوات الحرب للحوثيين تطوير قدراتهم العسكرية وتعميق التحالف مع إيران، وبناء شبكات قبلية ومحلية تساعدهم على الاستمرار.
وهنا تظهر المفارقة: محاولة عزل الحوثيين عسكرياً واقتصادياً ساهمت في دفعهم بصورة أكبر نحو إيران، بينما لم تمنعهم من بناء قاعدة محلية قادرة على الصمود.
كما أن التعامل مع الجماعة باعتبارها ظاهرة طائفية فقط تجاهل جزءاً مهماً من جذورها اليمنية.
فالزيدية في شمال اليمن لها تاريخ طويل، والصراعات مع السعودية ليست جديدة، كما أن الصراع بين التيارات الزيدية والسلفية أسهم في تشكيل البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأت فيها الحركة الحوثية.
وبالتالي، فإن استئصال الحوثيين عسكرياً لا يعني بالضرورة استئصال الظروف التي سمحت بنشوء الحركة وانتشارها.
الحسم أم التسوية؟
تبدو الكلفة العسكرية أكثر ارتفاعاً في المرحلة الحالية، خصوصاً مع ارتباط باب المندب بمضيق هرمز واتساع الصراع الإقليمي.
فاستمرار الخيار العسكري يعني استنزاف الموارد السعودية، وإعادة بناء تحالفات يمنية قسرية، ومحاولة استعادة مواقع قد لا يكون من السهل الاحتفاظ بها حتى في حال استعادتها.
وفي المقابل، فإن التسوية التي تشمل الحوثيين لا تضمن تلقائياً مستقبل الأمن القومي السعودي.
فقد تمنح الجماعة اعترافاً سياسياً يتناسب مع قوتها العسكرية، وتبقيها قوة مسلحة على مقربة من الحدود السعودية وباب المندب، مع استمرار علاقتها بإيران.
لذلك، فإن السؤال الذي تواجهه الرياض ليس ببساطة: الحرب أم السلام؟ وإنما: هل يمكن الوصول إلى تسوية تتضمن الحوثيين دون أن تتحول هذه التسوية إلى اعتراف دائم بقدرتهم العسكرية على تهديد السعودية والممرات البحرية؟
وفي المقابل، هل تستطيع السعودية الاستمرار في استراتيجية عسكرية تهدف إلى إخماد الجماعة بالكامل، في وقت أثبتت فيه سنوات الحرب أن استئصالها أصعب بكثير من احتوائها؟
ربما تكمن المعضلة الحقيقية في أن كلا الخيارين يحمل تكلفة: الحسم العسكري قد يعني استمرار الاستنزاف، بينما التسوية قد تعني قبول الحوثيين كجزء دائم من المعادلة اليمنية والإقليمية.
ولهذا، فإن أي تسوية مستقبلية لن تكون يمنية فقط.
ستحتاج إلى التعامل مع العلاقة الحوثية– الإيرانية، وأمن الحدود السعودية، ووضع باب المندب، والمواني والجزر، والصواريخ والطائرات المسيّرة، وأمن الملاحة، فضلاً عن مصالح الإمارات والصين والولايات المتحدة وإسرائيل.
في النهاية، تكشف التطورات حول باب المندب أن الحوثيين استطاعوا تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة نفوذ إقليمية.
ويمكن للجماعة أن تستخدم هذا النفوذ لتحقيق مكاسب داخلية، بينما تستطيع إيران الاستفادة منه في خلق ضغط إضافي على خصومها، وتجد السعودية نفسها أمام معادلة أمنية أكثر تعقيداً، في حين تمتلك الصين مصلحة متزايدة في حماية الممرات البحرية.
ومن هنا، فإن باب المندب لم يعد مجرد جبهة في الحرب اليمنية، وإنما أصبح جزءاً من صراع أوسع حول من يملك القدرة على التحكم بالممرات البحرية، ومن يستطيع تحويل هذه القدرة إلى نفوذ سياسي واقتصادي في النظام الإقليمي الجديد.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




