أعادت جمهورية الكونغو الديمقراطية فتح ملف نقل سفارتها لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، خلال زيارة الرئيس فيليكس تشيسيكيدي إلى إسرائيل مطلع سبتمبر، في خطوة تعكس تسارع التقارب بين كينشاسا وتل أبيب الذي عاد لمساره بقوة منذ عام 2020
ولا تبدو أهمية الخطوة في بعدها الدبلوماسي وحده؛ فالكونغو تحتفظ بموقع هام في معادلة مياه النيل، إذ لم تنضم حتى الآن إلى الإطار القانوني لاتفاقية عنتيبي، في وقت تتزايد فيه علاقات إسرائيل مع عدد من دول حوض النيل.
ومن هنا تبرز أسئلة حول العلاقة بين البلدين، وخطوة نقل السفارة: وهل يتحول التقارب إلى شراكة أوسع ذات أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية تمتد تداعياتها إلى ملف النيل، بما يضيف ورقة جديدة إلى الضغوط التي تواجهها مصر؟
أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية مطلع سبتمبر الجاري وخلال زيارة رئيسها فيلكس تشيسيكيدي لإسرائيل عن خطط لنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، في تجديد لإعلان سابق في العام 2023، وتنفيذ الخطوة ينقل الكونغو إلى قائمة من الدول على رأسها الولايات المتحدة (2018) وجواتيمالا وبابوا نيو غينيا، وباراجواي وفيجي، إضافة إلى إعلان مماثل من قبل كولومبيا قبل أسابيع بعزمها نقل سفارتها إلى القدس.
ويمثل الإعلان خطوة مهمة في مسار العلاقات الإسرائيلية- الكونغولية، وربما استئناف لعلاقات بالغة الحميمية بين البلدين في عهد الرئيس الكونغولي الأسبق موبوتو سيسي سيكو (1971-1997)، ورغم أن مراقبين قللوا من خطورة الخطوة، باعتبارها أمرا سبق إعلانه في مناسبات مختلفة، وأن المناقشات تدور حول “افتتاح سفارتين” في البلدين دون وضع جدول زمني لذلك، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الكونغولي سبق أن أعلنا عن خطوة مماثلة قبل ثلاثة أعوام تقريبًا.
لكن وضع الخطوة في سياق الاندفاعة الإسرائيلية القوية في دول حوض النيل، بعد تأمين نفوذ غير مسبوق في إثيوبيا ودولة جنوب السودان وأوغندا وبوروندي ورواندا وبدرجة أقل في كينيا، تكشف عن مساعي إسرائيل الحثيثة لحسم “حرب النيل” بمعركة فاصلة ضد مصر، لا سيما أن كينشاسا لا تزال غير موقعة على اتفاقية عنتيبي، وتعتبرها اتفاقية غير مكتملة، وترفض التصديق الكامل عليها أو الانضمام لها احتجاجًا على إقصاء مصر والسودان وعدم التفهم لمخاوفهما المائية المشروعة.
ويتوقع أن تكرر إسرائيل سيناريو جنوب السودان بدفعها كينشاسا نحو التوقيع على الاتفاقية لتكون ثامن دولة من دول حوض النيل الموقعة عليها إلى جانب إثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا وبوروندي ورواندا وكينيا وتنزانيا، في خطوة تترك خلفها دولتا المصب (مصر والسودان) بمعزل عن بقية دول الحوض العشرة.
تشيسيكيدي والخيار الإسرائيلي
ويأتي هذا التقارب بينما يواجه تشيسيكيدي ضغوطًا أمنية وسياسية متزايدة، في ظل استمرار أزمة شرق الكونغو وتصاعد الخلاف مع المعارضة حول مستقبل الحكم.
وفي هذا السياق، عرض الرئيس تشيسيكيدي نهاية أغسطس، عقد حوار وطني يضم القوى السياسية وحركة 23 مارس، التي تسيطر على مساحات واسعة في شرق البلاد بدعم من رواندا، لكن المعارضة رفضت المبادرة، معتبرة أنها تفتقر إلى ضمانات لتنفيذ مخرجاتها، وقد تمهد لتعديلات دستورية تتيح لتشيسيكيدي الترشح لولاية ثالثة بعد انتهاء الثانية العام القادم.
ويبدو «الخيار الإسرائيلي» جاذبا لتشيسيكيدي، الباحث عن دعم خارجي في مواجهة أزماته الداخلية ومساعيه لتمرير تعديلات دستورية، تتيح له الترشح للولاية الثالثة.، حيث يستند هذا الخيار إلى خبرة إسرائيل الطويلة في الكونغو، ودعمها لنظام الديكتاتور الأسبق موبوتو سيسي سيكو، لا سيما في ظل ما تعول عليه حكومة الكونغو من الاستفادة من “خبرات وتقنيات إسرائيل التجسسية” في كسر المعارضة، كما في تجارب سابقة في رواندا والكاميرون وبنين وغيرها.
رابط فيديو:
ويمكن النظر إلى التقارب مع إسرائيل باعتباره أحد مسارات تشيسيكيدي لتوسيع خياراته الداخلية، وأيضا الخارجية والاستفادة من شراكات أمنية وسياسية واقتصادية جديدة، في وقت تتزايد فيه حاجته إلى دعم إقليمي ودولي لمواجهة الأزمات في بلاده.
كما تأتي ضمن سياسة تنويع شراكاته الخارجية، ومن بينها التقارب مع مصر الذي اكتسب دفعة جديدة منتصف العام الجاري خلال زيارته للقاهرة (يونيو 2026) وإطلاق محادثات من أجل تعميق الشراكات الاقتصادية وتوسيع مبادرات نقل التكنولوجيا.
وكذلك استفادة كينشاسا من قدرات هيئات صناعية مصرية متخصصة “لدعم أولويات التنمية وحاجاتها الأمنية”.
وثمن تشيسيكيدي دور مصر في دعم التنمية والتكامل الاقتصادي الإقليمي الإفريقي، ولا سيما في جهود زيادة التجارة الإفريقية البينية ودعم مبادرات التنمية المشتركة في أرجاء القارة.
على جانب آخر، تتأكد جدية مساعي الكونغو للتقارب مع إسرائيل، وتأتي بعد سنوات من برودة العلاقات بين البلدين، وقد أعلن تشيسيكيدي عودة سفير بلاده لإسرائيل خلال مؤتمر للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” في الولايات المتحدة (مارس 2020).
وهكذا يبدو أن تشيسيكيدي، الذي يمكن وصفه بمهندس استعادة الشراكة الكونغولية- الإسرائيلية، يميل بكل قوة لخيار الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل لأسباب تتعلق بتمديد حكمه، وتسويغ ذلك التمديد لدى واشنطن، ومساعدته في مواجهة خصومه السياسيين.
كما تتيح الشراكة مع تل أبيب تعزيز علاقات كينشاسا بواشنطن، فضلًا عن اقتناعه بالتكنولوجيا الإسرائيلية في قطاعات الزراعة والرعاية الصحية، وكانت إسرائيل واحدة من الدول القليلة التي أطلقت حملات لمواجهة تفشي وباء إيبولا في الكونغو الديمقراطية نهاية مايو الفائت.
ولا تبدو هذه التوجهات وليدة التطورات الأخيرة؛ إذ بدأت كينشاسا استعادة علاقاتها مع إسرائيل في 2020، ما يعكس مسارًا تدريجيًا نحو إعادة بناء الشراكة بين البلدين، يجمع فيها تشيسيكيدي بين اعتبارات أمنية واقتصادية وسياسية، وقد يوفر له هامشًا أوسع للتحرك داخليًا وخارجيًا.
إسرائيل ومعركة حوض النيل الأخيرة
بقراءة شواهد عدة، يمكن ملاحظة نجاح إسرائيل في تضييق الخناق على مصر في ملف مياه النيل، عبر دفع دول «مبادرة حوض النيل– اتفاق عنتيبي» إلى التوافق على الرؤية الإثيوبية لإعادة تشكيل الإطار المؤسسي الحاكم لاستغلال مياه النيل وتوزيعها بين دول الحوض العشر.
وتمثل ذلك في دفع جنوب السودان إلى تغيير موقفها الرافض للتصديق على الاتفاق، والموافقة عليه برلمانيًا في خطوة بدت مباغتة للقاهرة، مع الإشارة إلى توقيعها الاتفاق عام 2012، لتبقى مصر والسودان في مواجهة بقية دول الحوض، باستثناء الكونغو الديمقراطية.
وبغض النظر عن مستوى العلاقات المصرية- الكونغولية واللقاءات المتكررة بين رئيسي البلدين، تظل ورقة انضمام الكونغو إلى اتفاقية عنتيبي الجائزة التي تسعى إسرائيل إليها لحسم معركة النيل مع مصر.
ومن المتوقع أن تكون إسرائيل قد وظفت، بالتعاون مع الإمارات ذات النشاط المتصاعد في وسط إفريقيا، وإثيوبيا التي تقدم نفسها حليفًا إفريقيًا لإسرائيل، جهودًا لإقناع نظام تشيسيكيدي بهذه الخطوة، التي ستمثل بصورة غير مباشرة مكسبًا للسياسة الأمريكية، في ظل تنامي التنسيق بين أبوظبي وأديس أبابا وتل أبيب في إفريقيا، وما قد يعنيه ذلك من تضييق هامش المناورة أمام القاهرة إقليميًا ودوليًا.
كما يمثل التقارب الكونغولي-الإسرائيلي إضافة إلى مساعي كينشاسا للاستفادة من الروافع الاقتصادية، لما أطلقت عليه مراكز أبحاث غربية وأوروبية «تحالف عنتيبي»، الذي يضم الإمارات، بوصفها رافعة مالية واقتصادية أساسية، إلى جانب إثيوبيا وأوغندا وإسرائيل ودول إفريقية أخرى تتقاطع رؤاها في ملفات عدة، من بينها مواجهة إيران، والحصص المائية في النيل، وسعي إثيوبيا إلى منفذ «سيادي» على البحر الأحمر، حسبما أعلن مؤخرًا سفير إسرائيل في إثيوبيا أفراهام نيجوسي، ونقلت عنه وكالة الأنباء الإثيوبية.
والمتوقع ستكون خطوة كينشاسا بالتوقيع والمصادقة على اتفاقية عنتيبي حتمية خلال العام 2026-2027، على أن تكون مصحوبة بتمرير وصول تشيسيكيدي لفترة رئاسة جديدة رغم أزماته الداخلية والإقليمية.
التقارب الكونغولي- الإسرائيلي: السيناريوهات المصرية
مع ما يبدو من انطلاق مسار الاحتواء الإسرائيلي لنظام فيلكس تشيسيكيدي بسرعة متزايدة، وما تمثله اللحظة الحالية من فرصة لتل أبيب لتحقيق هدف الضغط على مصر في ملف نهر النيل، في خضم مساعي تشيسيكيدي لتأمين تمديد لرئاسته، فإن القاهرة تواجه ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- – إقدام كينشاسا على التوقيع على اتفاقية عنتيبي والتصديق عليها خلال الشهور المقبلة، وهو ما قد يدفع القاهرة إلى إعادة النظر في مجمل علاقاتها بدول حوض النيل، وانتهاج مقاربة جديدة لتأكيد حقوقها المائية، في ظل ما تراه من ضغوط متزايدة من دول الحوض.
- – بذل القاهرة مساعي أكثر جدية لتعميق التعاون مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثبات قدرتها على موازنة النفوذ الإسرائيلي بحِزَم تعاون سريعة، خاصة في مجالات الأمن والدفاع ومشروعات البنية الأساسية الضرورية في الكونغو.
- – لجوء القاهرة إلى خلط أوراقها الإقليمية مجددًا لمواجهة الضغوط الإسرائيلية، وتكرار نموذج سياساتها في البحر الأحمر، الذي ركز على معالجة مخاوفها وتهديداتها، مع الجمع بين مصالحها الاستراتيجية، ولا سيما الأمنية والعسكرية، وتلبية احتياجات الدول الصديقة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



