لا تشبه أي ثورة أختها، فكل منها حالة فريدة في ذاتها، كبصمة الإصبع، أو أقرب إلى وضع المرضى النفسيين، الذين قد يتشابهون في بعض الأعراض العامة التي تمكن الأطباء من تشخيص وإحالة كل مريض إلى مرض بعينه في تصنيف لا مفر منه توطئة لأقرب علاج، لكن سمات كل فرد على حدة، حتى داخل المرض أو الاضطراب الواحد، لا تشبه ما لدى غيره أبدا.
ومن هنا، فإن من العبث أن يعتقد أحد أن بمُكنته أن يقيس أي من الثورات العربية الحالية على ثورات أخرى، أو يضع نموذجا لثورة قد وقعت أمام عينيه، وهو يقيم ثورة تندلع أو لا تزال وقائعها تجري، ولم تتم بعد.
كما ليس بوسع أحد أن يعتقد أن للثورات طريقا واحدا في التطور والارتقاء، وأن غاياتها ومقاصدها مأمونة ومضمونة في كل الأحوال.
فبعض الثورات أكلها الزمن، وبعضها توقف في منتصف الرحلة، فسجله المؤرخون مجرد “انتفاضة” أو “هبة” أو “فورة”، وبعضه تم تشويهه وشيطنته ونزع التعاطف الاجتماعي حياله، مثل ما حدث للثورة العرابية العظيمة، التي ساد عنها نعت أعدائها لها بأنها “هوجة” ليصموها بالتهور والانفعال والعدوانية، ووصل الأمر إلى حد تحميلها مسئولية احتلال مصر على يد الإنجليز عام 1982.
وهناك ثورات انتهت إلى مجموعة من الإصلاحات البسيطة على النظام القائم، والأفدح من هذا هي الثورات التي فشلت فشلا ذريعا، حين تمكنت “الثورة المضادة” من الانتصار، وأعادت النظام القديم، وكأن شيئا لم يجرِ، أو حين دخلت قوة شريرة على مسار الثورة وجعلتها تنزلق إلى عنف مفرط وفوضى شاملة أو حرب أهلية.
وهناك عدة أمور مرتبطة بالثورات، رسخت من تكرارها إلى درجة أنها أصبحت قواعد عامة، نلفاها بيسر وسهولة في أي ثورة، أولها أن التعريف البسيط والمباشر والدال للثورة هي أنها “عملية تغيير جذري”، وهذا التغيير يتم حين نهدم النظام القديم هدما مبرما، ونشرع في بناء نظام جديد على أنقاضه.
وهناك فارق جوهري بالطبع بين هدم النظام الحاكم وبين هدم الدولة.
فالثورات يفترض أنها تقوم لبناء الدول، وتسعى إلى أن تنتشلها من التهديد المادي والمعنوي الذي تتعرض له، أما الحركات العنيفة التي ترمي إلى هدم الدولة، فيمكن أن ينصرف تصنيفها إلى شكل احتجاجي آخر من قبيل “التمرد” و”الحرب الأهلية” و”العنف الاجتماعي المفرط” و”إشاعة الفوضى”، والعبرة في الحكم على ما إذا كان الفعل الاحتجاجي عملا إيجابيا لصالح الوطن من عدمه، مرتبط أساسا بالأهداف الرئيسية التي حددتها الطليعة الثورية لانطلاق حركتهم، والتي يجسدها “البيان الأول” أو “الشعار الأثير” أو ما يعرف عن هذه المجموعة من أفكار وتوجهات قبل انطلاق الفعل الثوري.
وإذا توقفت حركة النضال من أجل التغيير قبل بلوغها حد إحداث تبدل جوهري في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة فإنها لا ترقى إلى أن تكون “ثورة”، وقد يحكم عليها التاريخ فيما بعد على أنها “انتفاضة” شعبية، أسقطت أركان السلطة أو رأسها، لكنها لم تمتلك القدرة التي تمكنها من الإجهاز على بنية النظام القديم وركائز قوته تماما.
لكن لا يمكن الحكم على حركة تغيير فارقة، بأنها ثورة من عدمه إلا بعد أن تعطى فرصة زمنية كافية.
فالثورة قد لا تحوز قدرة إسقاط النظام الحاكم بالضربة القاضية، وتدخل ضده في “معركة استنزاف” يطول أمدها، لتصفيته تباعا، وتتقدم خطوات إلى الأمام حتى ولو كانت وئيدة، نحو بناء نظام سياسي جديد، ما إن تكتمل أركانه وتتعزز ركائزه حتى يتصاغر النظام القديم ويتلاشى.
والثورة عمل حتمي، لأنها لا تقوم إلا إذا كان المجتمع مهيأً لها تماما.
ومن هنا، لا يفلح مع الثورات لفظ “لو” أو تشدق البعض بأنه كان من الممكن تفادي الثورة، لا سيما إن كانت السلطة متمسكة بمواقفها المتصلبة التي تخلق الأسباب والدوافع والبواعث التي تؤدي إلى انطلاق الثورة، وتجعل منطق الثوار، قولا وفعلا، مبررا ومقبولا، لدى قاعدة عريضة من الناس.
إن أي ثورة تسبقها فترة “تخمر”، يصل فيها الاستياء من أداء السلطة إلى منتهاه، ويكون المجتمع مستعدا للانفجار في وجه أهل الحكم، أو يتحول إلى كوم قش قدحه الهجير وينتظر مجرد إشعال عود ثقاب.
ودون تعمق “التخمر” أو وصوله إلى الذروة، لا يمكن للثورة أن تنطلق.
ومن هنا، فإن استعجال الثورة في بلد لم تنضج فيه الظروف بعد لقيامها هو من قبيل الخبل. لكن يمكن تسريع التخمر عبر أفكار وإجراءات تعبوية تزيد من الاحتقان إزاء السلطة، والغبن منها، والشعور الجارف بأنها العقبة أمام الحرية والكفاية والعدالة.
والفعل الثوري عمل معقد، لأنه يفتح الواقع الاجتماعي السياسي على احتمالات عدة، بعضها من دون ريب أفضل من بقاء الوضع السائد على ركوده وجموده، بما ينطوي عليه من قهر وإذلال وظلم واجتماعي.
ولا يوجد بلد على سطح الأرض، منذ نشأة الدولة بمعناها البسيط والتقليدي، وحتى اللحظة الراهنة، إلا وعرف أشكالا متعددة ومتدرجة من الاحتجاج، بعضها تصاعد فبلغ الحد الأقصى صانعا ثورة، وبعضها بقي عند مستوى الانتفاضات والفورات والتمردات محددة النطاق المكاني والزماني.
وقد يظن البعض أن هناك أمما محافظة لا تميل إلى الفعل الثوري، لكن ها هو المفكر الفرنسي الشهير جوستاف لوبون يخبرنا في كتابه المهم “روح الثورات والثورة الفرنسية”، أن الأمم المحافظة هي التي تأتي بأشد الثورات خلافا لما يظن بعض الناس، لأنها إذا كانت محافظة غير متحولة ببطء لتلائم تقلب البيئات، تكره على ملاءمتها بغتة بالثورة، حينما تصبح الشقة بين الطرفين عظيمة جدا.”
ولا تقوم ثورة في أي مكان وأي زمان إلا وقامت ضدها حركات وتدابير؛ تهدف إلى إفشالها عبر احتوائها تدريجيا وتفريغها من مضمونها على مهل أو حتى من خلال ممارسة العنف المفرط ضد الثوار.
وتعرف هذه التدابير جوازا باسم “الثورة المضادة”، وهي تعني “محاولة إرجاع أوضاع المجتمع إلى سابق عهدها، والإبقاء على مصالح القلة التي كانت تتمتع بها، والعمل المستمر من أجل القضاء على الثورة وعلى مبادئها بكل السبل، ومختلف الوسائل، خفية ومستترة أم علنية وظاهرة.. وهؤلاء ليسوا رجعيين عاديين، ولا يحدوهم إعجاب بالقديم لمجرد أنه قديم، بل على العكس، إنهم على استعداد لاستعمال آخر الأساليب الفنية للعلم الحديث وكل الإمكانيات التجريبية في أنظمتنا لتحقيق غرضهم”، حسبما يقول سيد حامد النساج في كتابه “مصر وظاهرة الثورة: دراسة في تاريخ الثورات المصرية”.
وهناك ثورات معرضة للسرقة أو الاختطاف، وقد يتم هذا على يد قوة لم تشارك في الثورة أصلا، تأتي متأخرة، وتستغل الطريق الذي شقته الطليعة الثورية، ثم تمر منه بأنانية مفرطة وانتهازية واضحة، لتقتنص الثمرة بمفردها. وقد حدث هذا مع الثورة الإيرانية التي أطلقتها القوة اليسارية والليبرالية ثم اختطفها الملالي.
وقد تتم السرقة على يد قوة كانت شريكة في الثورة، لكنها تتنكر لرفاقها، وتبدأ في تنفيذ خطة لإقصائهم تدريجيا عن المشهد السياسي، حتى يتواروا في الظل، يروضون الحسرة على جهدهم الضائع وأحلامهم التي ذهبت سدى.
(نكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



