من كتاب القاضي المصري الدكتور “محمد عبد الوهاب خفاجي”، نائب رئيس مجلس الدولة، بعنوان: «التراث العظيم للأجداد الأوائل لنشأة مجلس الدولة في السيادة الوطنية»، ما هو مرتبط بموضوع البيئة والحفاظ على الأشجار: أن مجلس الدولة أصدر في 26 يناير 1958 الفتوى رقم 280، بإلزام إدارة الكهرباء والغاز بتعويض وزارة الشؤون البلدية والقروية مبلغاً قدره: 12.752 جنيهاً عن إتلاف شجرة واحدة بشارع “حشمت” بالزمالك، بالرصيف الشرقي، أثناء استبدال مواسير الغاز، وقد حُرر عن الواقعة المحضر رقم 3587 إداري قسم قصر النيل لسنة 1954.
ثم أعقب ذلك بقوله: إن عظمة الدولة لا تُقاس فقط بما تقيمه من المنشآت، وإنما كذلك بما تمنحه من قيمة لما لا يستطيع أن يطالب بحقه بنفسه…
فالشجرة رغم كونها كائناً حياً لا تتكلم، ولا ترفع دعوى، ولا تملك محامياً، ولا تقف أمام القاضي لتقول: لماذا قتلتموني؟ لكن دولة القانون تستطيع أن تمنحها لساناً من خلال القانون، وأن تجعل الاعتداء عليها اعتداءً يستوجب المساءلة.
ولذلك، فإن قيمة هذه الفتوى ليست في مبلغ التعويض وحده، وإنما في المبدأ الذي حملته: بأن ما لا صوت له ليس بالضرورة بلا قيمة.
وأن الشجرة التي تبدو في عين العابر مجرد خشب وأوراق، قد تكون في عين القانون جزءاً من ثروة الأمة وذاكرة المكان وحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة.
فهل استرعى انتباه الحكومة المصرية مثل هذا الكلام القديم؟
أذكر على نحو مغاير أو مضاد أن هناك دعوى قضائية قد أقامها المحامون العاملون بمجال حقوق الإنسان- “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”- مفادها الطعن على قرار قطع الأشجار.
ولكن وبعد سجال قانوني طويل امتد لسنوات قضت محكمة القضاء الإداري بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة، وهو الحكم الذي أيدته دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا.
فهل ترغب الحكومة في حماية هذا النهج أو السلوك في تصحير المدن ومنع الظل عن الناس، وتقليل المساحات الخضراء، محتمية في ذلك بإطار ما يسمى بـ”المصلحة في إقامة الدعوى”، أو “الصفة اللازمة لإقامتها”، على الرغم من اتجاه فقهي وفلسفي يدفع بضرورة التوسع في هذه المفاهيم في حالة القضايا ذات الشأن العام؟
لا أظن بحال من الأحوال أن تكون هناك نصوص قانونية تحمي أو تدافع عن مثل هذه التصرفات. بل على العكس، فإن مفهوم القيم القانونية يتوجه إلى حماية وجود الكيانات الخضراء وحماية البيئة، سواء كان ذلك من خلال نصوص قانون البيئة، أو من خلال نصوص قانون العقوبات.
ومن هذا المنطلق فإنه بتاريخ 6 سبتمبر الحالي تم تقديم بلاغ إلى النائب العام من الأستاذ المحامي/ “أسعد هيكل” عن وقائع قطع الأشجار في عدة أماكن في محافظات مختلفة، يطالب فيها بفتح تحقيق جنائي مع المسئولين عن تلك الأفعال.
وقد اختصم ذلك البلاغ وزير التنمية المحلية ووزيرة البيئة ومحافظي القاهرة والجيزة ورؤساء المدن والأحياء الواقع في نطاقها حوادث قطع الأشجار.
وإذا كان أمر قطع الأشجار وإزالة المساحات الخضراء داخل المدن المصرية يمثل إشكالية، تتجاوز حدود الاعتبارات العمرانية أو المرورية، على حسب التصريحات التبريرية لبعض المسئولين، فإن هذه الممارسات السلطوية تتقاطع مع الالتزامات القانونية والدستورية للدولة في ضوء وجوب حماية الدولة للبيئة ونشر الوعي بأهمية المساحات الخضراء.
حيث لا تنحصر مشروعية تدخل الدولة في المجال العمراني أو تنظيمها للمرور في مجرد إصدار قرارات، وإنما يمتد إلى مدى توافق تلك القرارات ووسائل تنفيذها مع التزام الدولة الدستوري في حماية البيئة والحفاظ على المساحات الخضراء.
ولا تقف تلك المسئولية عند حد المسئولية الجنائية، ذلك إذ إن الجرائم البيئية باتت تهدد البشرية، وحازت اهتمام أغلب التشريعات الوطنية.
وقد تضمن قانون البيئة المصري 4 لسنة 1994 والمعدل بالقانون 105 لسنة 2015 جزاءات جنائية متعددة، تمثلت في عقوبات توقع على مرتكبي الجرائم البيئية.
وهو الأمر الذي يدفعنا إلى إثارة تساؤل مفاده: هل تملك الحكومة سلطة مطلقة في إزالة الأشجار، باعتبارها من أعمال المرافق والتخطيط العمراني، أم أن هذه السلطة مقيدة بالالتزام الدستوري بحماية البيئة وزيادة المساحات الخضراء؟ وهو ما يعني إمكانية مساءلة الدولة قانوناً وسياسياً عن القرارات التي تؤدي إلى سياسات قطع الأشجار وتدهور الغطاء النباتي ومن ثم تصحير المدينة.
ولا تقف الإشكالية عند حد مدى مشروعية قرارات إزالة الأشجار، وإنما تمتد إلى البحث عن مدى جواز مساءلة مصدر تلك القرارات.
وهو ما يدفع إلى البحث عن الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية للإدارة في إدارة المرافق العامة وتنظيم العمران، والالتزام الدستوري في حماية البيئة.
وهل تقع المسئولية على مصدر القرار أم أنها تمتد إلى كل من سعى في تنفيذه؟ حيث لا تنحصر حماية البيئة في منع الأفعال الفردية الضارة بها، وإنما إلى إلزام السلطة العامة بأن تراعي الأثر البيئي، بحيث لا تتحول تلك السلطة إلى وسيلة في تقويض الحماية الدستورية للبيئة والمساحات الخضراء.
فهل تلتزم الحكومة المصرية، أو بمعنى أدق تمتثل لحكم القانون وتنزل عند حدوده، أم أنها تسير في غيها في إزالة كل ما هو أخضر وتحويل المدن المصرية إلى كتل من الأسمنت، بما يقلل معنى الحياة ومساحات الظل والتنفس اللازمة لحياة الإنسان؟
حيث تُعد حماية البيئة من الموضوعات الملحة التي تشغل الرأي العام العالمي، وليس المحلي فقط في الوقت الحالي، وخاصة بعد أن انتشرت بشكل كبير المخاطر التي تتعرض لها الأرض من أضرار متنوعة: منها شدة تلوث الماء والهواء والتربة، أو التعدي والاستنزاف للموارد الطبيعية، أو التعدي على التنوع البيولوجي.
ويشكل كل تعدٍ على البيئة جريمة ليس فقط في حق الأفراد وحق المجتمع، بل في حق ومواجهة الأجيال القادمة.
وتُعد الجريمة البيئية جريمة متميزة في التشريعات الحديثة، وهذا التميز قد سبب أزمة حقيقية لتلك التشريعات نتيجة عدم استيعاب القوالب التقليدية للتجريم لمتطلبات هذه الجريمة، وخصوصاً فيما يتعلق بطبيعة هذه الجريمة.
ونعود في نهاية المقال إلى ما كان من بدايته وحديث الدكتور “عبد الوهاب خفاجي” في مؤلفه، وذلك بقوله في عبارة ذات بعد أعمق: إن النزاع بين الجهات الإدارية في الدولة المصرية حول بقاء شجرة واحدة على قيد الحياة، والانشغال بها ولجوئهم إلى مستشارها القوي الأمين ليقول كلمة الفصل والحق فيمن قضى على حياتها، فيلزمه بتعويض مادي لا يعيدها إلى الحياة.. إنما يعبر عن أن احترام الأشجار والحفاظ على البيئة كان يمثل جانباً أصيلاً من الثقافة المصرية، وقناعةً بأن هذا الكون ليس ملكاً للإنسان وحده، وإنما هو ملك لجميع مخلوقاته.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




