كما ألزمت نفسي في المقالات السابقة، ودرءاً للاعتقاد بأن هذه السلسلة تروج أو تهادن نظام يوليو 1952– الذي شرحت تعريفه الدقيق فيما سلف- فها أنا ذا من جديد أؤكد أن هذا النظام قد أصبح بالياً، وأن حركة التاريخ قد تجاوزته، وكان عليه أن يرحل نهائياً نتيجة لثورة يناير 2011، بعد أن نجا من السقوط الأول بهزيمة يونيو 1967.
لقد كان المعنى الأكبر لثورة يناير هو أن العقل الجمعي المصري- أي الوعي العام والضمير الوطني- قد لفظ هذا النظام القائم على وصاية الدولة العميقة ومؤسستها العسكرية على الدولة والمجتمع.
ولكن الانتكاسة التي أصابت هذه الثورة، والتي تحولت بفعل فاعلين إلى إجهاض- لم يتعاف منه المجتمع حتى الآن- هي التي أعادت إنتاج دولة يوليو السلطوية، برضا شعبي غير قابل للإنكار، سواء بحسن نية أم بوقوع في فخ الخديعة.
ومع ذلك فسرعان ما راحت السكرة وجاءت الفكرة، وعاد العقل الجمعي والضمير الوطني يبحثان عن كيفية الخلاص من يوليو ودولتها السلطوية.
وهذا ما نرجئ التفصيل فيه إلى الحلقة الأخيرة من سلسلة المقالات هذه، لنعود إلى موضوع “الخصومات المغلوطة مع المشروع الناصري”، بوصفها مدخلاً غير صحيح وغير مجدٍ لطريق الخلاص من حقبة يوليو، وإيداعها ذمة التاريخ، وبناء جمهورية جديدة حقاً شكلاً وموضوعاً، وليس بشعارات ولافتات هي مجرد ذرائع لإعادة إنتاج الاستبداد والاحتكار والسلطوية.
قلنا في مقال سابق، إن أغلب الخصومات الشائعة مع المشروع الناصري هي خصومات طبقية أو مذهبية أو إقليمية رجعية، وأضيف إليها مؤخراً النكهة الصهيونية الكريهة.
ومع ذلك، فهي كلها تتذرع بنقص أو انعدام الديمقراطية، كحق يراد به باطل، وكمقدمة للحملة المقصودة وفقاً للتقسيمات السابق ذكرها تواً. بل هناك ما هو أدعى للدهشة والسخرية، ما يدخل في باب “الفولكلوريات”، كما سنرى لاحقاً.
باستثناء الماركسيين إلا قليلاً منهم، يدعي كل خصوم يوليو وعبد الناصر من الرجعيين، وأتباع الإسلام السياسي، ونسبة كبيرة من المهنيين ورجال المال والأعمال والبنوك من كوادر ونواتج حقبة الانفتاح الساداتي، والأجيال التالية لهم…
كل هؤلاء يدَعون أن الحقبة الملكية الليبرالية كانت أفضل في معظم النواحي، وأن النظام السياسي كان قابلاً للتطور تحت الضغط الشعبي لإصلاح أوجه النقص، وخاصة استكمال الاستقلال الوطني، والحد من السيطرة الأجنبية على الاقتصاد الوطني، ثم معالجة معدلات الفقر العالية المترتبة على اختلال هيكل الاقتصاد لحساب الريع الزراعي والمضاربات المالية والعقارية، وعلى سوء توزيع الدخل والثروة.
ولكن دون الاستغراق في تفصيل المساوئ الطبقية والمعيشية إبان تلك الحقبة وغيرها من المثالب، فإن هؤلاء يغفلون أن هذا التطور كان يتطلب قدراً من الاستقرار السياسي، يُمكّن القوى الإصلاحية من السلطة، ومن ثم من فرض الإصلاحات وضمان استمرارها.
لكن هذا الشرط الحتمي لم يكن متوافراً، ولم يكن من المنتظر توافره. فقد كانت مصر تشهد حالة فوضى سياسية، وحالة من العنف أشبه بحرب أهلية مصغرة.
فقد قامت وسقطت عشر حكومات في سبع سنوات، وجرى اغتيال رئيسين للوزراء، وعدد كبير من الشخصيات السياسية، فضلاً عن عدد كبير من محاولات الاغتيال الفاشلة. وأسس القصر الملكي نفسه في دولة يفترض أنها دولة دستور وقانون عصابة “الحرس الحديدي” لقتل خصوم الملك السياسيين، علماً بأن أصل الأشياء ألا يكون الملك خصماً سياسياً لأي طرف.
ليس ذلك فحسب، بل إن القصر وفّر حماية لهذه العصابة وغيرها من الموالين من المحاكمات.
فعلى الرغم من تكرار محاولات اغتيال مصطفى النحاس باشا زعيم حزب الوفد، فإنه لم يُحقق قضائياً في أي منها.
وبلغ الصراع السياسي العنيف حد أن النحاس اعتمد في حمايته الشخصية على خفراء متطوعين من رجال أحد كبار الملاك الوفديين، وليس على الشرطة الحكومية.
كذلك لم يحقق في اغتيال حسن البنا زعيم ومؤس جماعة الإخوان المسلمين بترتيب حكومي!!، بل ولم يحقق في ترك الرجل ينزف حتى الموت بعد نقله إلى مستشفى قصر العيني إثر إطلاق النار عليه، بتعليمات القصر الملكي نفسه.
وهكذا فلم يكن محتملاً بحال من الأحوال أن يقود الملك، ومؤسسة القصر البلاد إلى الاستقرار، ومن ثم الإصلاح المرجو.
أما الرافعة الثانية المحتملة لإمكانية تطوير النظام الملكي والحقبة الليبرالية، فكانت حزب الوفد بوصفه حزب الأغلبية الشعبية بعد ثورة 1919.
لكنه لم يكن بدوره قادراً على أداء هذه المهمة التاريخية، ليس فقط بسبب تقدم النحاس باشا في العمر، ورفض القصر التعاون معه، ولكن لسبب أهم كثيراً وهو عجز الجناح الإصلاحي فيه، المعروف باسم “الطليعة الوفدية” عن الإمساك بدفة القيادة، التي بقيت في أيدي الجناح اليميني.
وكانت الطليعة الوفدية تتكون من جيل ما بعد معاهدة 1936، وقوامها الشريحة المثقفة التي استوعبت متغيرات عصر الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وكان يمكنها التفاعل مع التيارات الجديدة في المجتمع، خاصة الشيوعيين والإخوان المسلمين.
إذن فإن الخصومة مع المشروع الناصري، ونظام يوليو بدعوى قطع الطريق على إمكانية تطور الحقبة الليبرالية والنظام الملكي الدستوري نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والاستقلال الوطني، هو ادعاء للحكمة بأثر رجعي دون دليل جاد من مجريات السنوات الأخيرة لتلك الحقبة.
وذلك لغياب أهم شرط وهو الاستقرار السياسي، مترافقاً مع عجز كل من الرافعتين المرشحتين وقتها عن قيادة هذا التطور، أي المؤسسة الملكية، والمؤسسة الوفدية، كل لأسبابه المذكورة تواً.
نستكمل في المقال التالي عرض بقية الخصومات المغلوطة مع ناصر وحقبته، ونتلوها في المقال بعد التالي بـ”الفولكلوريات” المتداولة حول ما يصفه أصحابها بـ “الكوارث الناصرية”.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


