بالبلدي: تونس و”الاحتجاجات الآمنة”

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عرفت تونس مطلع هذا الأسبوع احتجاجات سياسية معارضة للرئيس قيس سعيد، ورفع المحتجون شعارات مناهضة لحكمه، ووصفوه بالديكتاتور (جالك الدور جاك الدور يا قيس يا دكتاتور، لا ضوء لا ماء، الحبس والغلاء، ارحل).

والمعروف، أن هناك تيارا واسعا في تونس، يعتبر قيس سعيد انقلب على المسار الديمقراطي منذ ٧ سنوات، وأوقف العمل بالدستور، إلا أن هناك تيارا واسعا أيضا، اعتبر تدخله السياسي، ووضعه دستور رئاسي جديد بدلا من دستور النظام المختلط الباهت كان إنجازا، حتى لو كان الدستور الجديد لا يمكن وصفه بدستور رئاسي ديمقراطي؛ لأنه أعطى صلاحيات استثنائية لرئيس الجمهورية.

وقد تميزت التجربة التونسية منذ ثورتها وحتى الآن، أن أطرافها السياسية كلها كانت مدنية، كما أن المؤسسة العسكرية غير مسيطرة على الاقتصاد ولا مهيمنه في السياسة، كما أن الرئيس قيس سعيد أستاذ قانون دستوري وجامعي، جاء من خلال انتخابات ديمقراطية حقيقية، حصل فيها على ٧٦٪ من أصوات الناخبين، وهو رجل قادم من خارج النخب والأحزاب السياسية السائدة، مثلما يحدث في ديمقراطيات كثيرة، ويعتبره كثير من الناس، أنه منقذهم من النحبة التقليدية أو المهيمنة.

وقد لاحت أمام الرئيس التونسي فرصة إنجاز عملية انتقال ديمقراطي بإجراء انتخابات رئاسية حرة، ولكنه فصلها على مقاسة، واستبعد المنافسين “الحقيقيين” واحتفظ “بالشكليين”، وفاز فيها بنسبه 90% متجاوزا النسبة، التي حصل عليها قبل وصوله إلى السلطة في انتخابات 2019 (حصل على 75%)، رغم أنه كان من المتوقع أن يحدث العكس، لأنه فقد تأييد جانب من أنصاره بعد مدته الأولى، وبقائه في السلطة 5 سنوات.

وقد أجهض الرجل فرصة إجراء انتخابات رئاسية تنافسية ديمقراطية والبدء في عملية إصلاح سياسي، خاصة عقب إعلان المحكمة الإدارية أحقية ثلاثة مرشحين للعودة للسباق الانتخابي، وهو القرار الذي لو كانت احترمته الهيئة “غير المستقلة” للانتخابات (ثبت بالقطع أنها غير مستقلة)، لكانت خرجت الانتخابات بصورة تختلف جذريا عن التجارب الانتخابية المعروفة نتيجتها مسبقا.

وقد كان أبرز هؤلاء المرشحين هما: عبد اللطيف المكي، الذي كان قياديا في حركة النهضة، واختلف معها، وأسس حزبا جديد أكثر انفتاحا وقبولا بالقواعد الجديدة للنظام القائم، وأيضا منذر الزنادي، الذي يعد من وزراء الصف الأول في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، ولديه حاضنة شعبية كبيرة وخطاب مدني حداثي، يختلف عن خطاب قيس سعيد، الذي يميل إلى العموميات ونظريات المؤامرة، التي لا تشتبك مع مشاكل الواقع الحقيقية.

إن إجراء انتخابات تنافسية على الأرجح سيربحها الرئيس قيس سعيد، سيعني فتح الباب لطي صفحته بانتهاء مدته الثانية والأخيرة بعد ٥ سنوات، ولا تجعل الاحتجاجات، تنزل الشارع، تطالب بإسقاطه، إنما يجعلها تطالب بتعديل سياساته وتركة السلطة في 2029 مع انتهاء ولايته الثانية.

ومع ذلك، ظلت هناك نقاط إيجابية في النظام السياسي التونسي أهمها مدنية النظام نفسه، فالرئيس سعيد الذي وصفه المتظاهرون “بالديكتاتور” هو في النهاية “ديكتاتور مدني”، ابن المنظومة القانونية المدنية، فسمح بالتظاهرات أو لم يستطع منعها، صحيح إنه سجن عشرات السياسيين، وليس عشرات الآلاف، كما أن قرار المحكمة الإدارية بأحقية مرشحين في انتخابات الرئاسة يقول، إن مؤسسات الدولة في ظل “سلطوية مدنية” يمكنها أن تقول لا في قضايا محورية وحاسمة، وهي مساحة غير متاحة في ظل “السلطويات العسكرية”.

إن السلطوية المدنية في تونس، فيها أطراف سياسية ونقابية، لا يستطيع الرئيس التونسي تأميم نشاطها أو التعامل معها فقط بالأداة القمعية والأمنية، فهناك وجود لأحزاب سياسية داخل المسار الحالي، تسعى لإصلاحه من داخله مثل، حركة الشعب، كما أن وجود كيان نقابي عملاق اسمه الاتحاد التونسي للشغل له قاعدة اجتماعية قوية وحقيقية، ولا تديره أجهزة الدولة، وأيد قرارات قيس سعيد في البداية، واختلف معه حاليا في قضايا كثيرة، دون أن يشارك في الاحتجاجات الأخيرة، يشير أنه لا زالت  في تونس مؤسسات سياسية، تعمل ولديها قاعدة اجتماعية وشعبية، وفي وقت الأزمات يمكنها أن تحمي الدولة والمؤسسات من المصائر السوداء، التي شهدتها نظم ديكتاتورية أخرى في المنطقة، أغلقت بالكامل المجال العام والسياسي.

لقد عرف النظام السياسي التونسي منذ تأسيس الجمهورية نظم سلطوية مختلفة في الدرجة، ولكنها لم تقضِ على مبادرات المجتمع، ولم تؤمم النقابات وعرفت هامشا سياسيا، لا يقارن بقيود نظم أخرى، والأهم إن هذه النظم المدنية ظلت تؤمن بالشعب، حتى لو كانت تعتبر نفسها وصيه عليه، كما جرى في عهد بورقيبة وقيس سعيد، وهو سيعني عمليا، أن فرصها لإحداث تحول سياسي وديمقراطي بكلفه محدودة لا زالت واردة، بل وراجحة في المستقبل المنظور. 

 ستبقي الاحتجاجات الأخيرة بمثابة علامة فارقة في تاريخ تطور النظام التونسي، ليس فقط بسبب تزايد أعداد المشاركين فيها ولا شعاراتها، التي تطالب بإسقاط النظام لا إصلاحه ورحيل الرئيس، إنما لأنها جاءت في ظل هامش سياسي، حافظت عليه تونس ودور للمؤسسات الحزبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني، لم يتم القضاء عليه رغم القيود. ومن هنا، فإن هذه الاحتجاجات، مصيرها إما تجبر الرئيس، أن يحترم الدستور، ويغادر السلطة في 2029 وإما تفرض عليه ترك السلطة قبلها، وفي كلا الحالتين، فإن الاحتفاظ بالهامش السياسي وبدور المؤسسات المدنية، حمى البلاد من مصائر سوداء كثيرة، شهدتها بعض دول المنطقة، أغلقت بالكامل المجال العام، وكانت النتائج كارثية من فوضى، وعنف وانهيار لمؤسسات الدولة.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
إعلان متجاوب
توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن دليلك الإلكتروني