«الذهب الأبيض» فى خطر ..
في الوقت الذي تعلن فيه الحكومة خططًا طموحة للتوسع في صناعة الغزل والنسيج وزيادة الصادرات وجذب استثمارات جديدة، تكشف بيانات وزارة الزراعة عن استمرار الانكماش الحاد في زراعة القطن المصري، لتبدو السياسات الزراعية وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس للخطط الصناعية، وسط مخاوف من اتساع الفجوة بين احتياجات المصانع والإنتاج المحلي من «الذهب الأبيض»، في ظل استمرار عدد من المعوقات التي دفعت المزارعين إلى العزوف عن زراعة المحصول خلال السنوات الأخيرة.
وانتشرت -خلال الفترات الماضية-، أنباء حول انخفاض تاريخي لمساحات زراعة القطن المصري، حيث بلغت حتى 22 يونيو الجاري نحو 155.6 ألف فدان فقط، مقابل نحو 195 ألف فدان خلال الفترة نفسها من الموسم الماضي، بانخفاض تجاوز 20%، ليقترب المحصول من تسجيل ثاني أدنى مستوى تاريخي له بعد عام 2016، عندما تراجعت المساحات إلى نحو 136 ألف فدان، مقارنة بأكثر من مليون فدان كانت تُزرع في ثمانينيات القرن الماضي.
وجاء ذلك في الوقت نفسه الذي أكد فيه وزير الصناعة، المهندس خالد هاشم، أن قطاع الغزل والنسيج والملابس الجاهزة يأتي ضمن الصناعات ذات الأولوية في استراتيجية الصناعة المصرية 2030، مشددًا على التزام الوزارة بتقديم الدعم للمستثمرين وتعميق التصنيع المحلي وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية، بما يعزز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
رد وزارة الزراعة
في المقابل، أكدت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي أن عمليات الحصر الفعلي لمساحات القطن للموسم الزراعي 2026-2027 لا تزال جارية بجميع المحافظات، وأن المؤشرات النهائية لن تُعلن إلا مع انتهاء أعمال الحصر بنهاية يونيو، وهو الموعد السنوي لإصدار البيانات الرسمية.
وأوضحت الوزارة، في بيان رسمي، أن المساحة التي تم حصرها فعليًا حتى الآن بلغت نحو 164 ألف فدان على مستوى الجمهورية، مؤكدة أن الأرقام المتداولة قبل انتهاء الحصر لا تعكس النتائج النهائية للموسم.
ورغم تأكيد الوزارة استمرار أعمال الحصر وتحسن الحالة النباتية للمحصول، فإن المساحات التي أعلنتها حتى الآن تظل أقل من الموسم الماضي، كما تبقى بعيدة عن المستهدف الحكومي، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه زراعة القطن، وفي مقدمتها التسويق وضعف العائد الاقتصادي للمزارعين.
ويرى متخصصون أن تراجع المساحات لا يرتبط بضعف جودة القطن المصري، وإنما يعود إلى أزمة تسويق المحصول خلال المواسم الماضية، وتأخر صرف مستحقات عدد من المزارعين، إلى جانب انخفاض الأسعار مقارنة بالمحاصيل المنافسة، وهو ما دفع كثيرًا من المزارعين إلى الاتجاه لزراعة محاصيل تحقق عائدًا أسرع وأكثر استقرارًا، كما ساهم تراكم مخزون القطن غير المباع، وضعف الطلب من بعض شركات الغزل، وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج، في زيادة الضغوط على المزارعين، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قراراتهم بشأن الزراعة خلال الموسم الحالي.
ركيزة للصناعة والأمن الغذائي
وفي هذا السياق، قال حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، إن مساحات القطن المزروعة شهدت تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالعام الماضي، موضحًا أن وزارة الزراعة أعلنت وصول المساحة المنزرعة إلى نحو 164 ألف فدان، مقابل أكثر من 215 ألف فدان في الموسم السابق.
وأضاف «أبو صدام»، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن السبب الرئيسي وراء انخفاض المساحات يتمثل في تراجع الجدوى الاقتصادية للمحصول، مؤكدًا أن إلغاء نظام السعر الضماني الذي كان يُعلن قبل موسم الزراعة أفقد المزارعين الحافز للتوسع في زراعة القطن.
وأوضح أن المؤشرات الحالية تعكس تراجع اهتمام الحكومة بمحصول القطن مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل التركيز على محاصيل أخرى مثل القمح وبنجر وقصب السكر، والذرة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المزارعين أصبحوا يلجأون إلى زراعة القطن باعتباره محصولًا استصلاحيًا فقط.
وأشار إلى أن تأخر صرف مستحقات المزارعين ساهم أيضًا في عزوفهم عن زراعة القطن، لافتًا إلى انخفاض أسعار الضمان من 12 ألف جنيه للقنطار في الوجه البحري و10 آلاف جنيه في الوجه القبلي إلى نحو 8 آلاف جنيه، فضلًا عن استمرار تأخر صرف مستحقات عدد من المزارعين، إلى جانب غياب الإرشاد الزراعي وضعف برامج التشجيع.
وأكد نقيب عام الفلاحين أن أكبر تراجع في مساحات القطن كان عام 2016 عندما بلغت نحو 130 ألف فدان، محذرًا من أن المساحات الحالية تقترب من هذا المستوى، بعدما كانت مصر تزرع في فترات سابقة أكثر من 350 ألف فدان.
وشدد على أن الاهتمام بزراعة القطن لا يقل أهمية عن باقي المحاصيل، نظرًا لما يوفره من فرص عمل كثيفة، ودوره في تشغيل مصانع الغزل والنسيج، فضلًا عن الاستفادة من بذوره في إنتاج الزيوت والأعلاف، في وقت تستورد فيه مصر نحو 98% من احتياجاتها من الزيوت، وتستورد أيضًا كميات كبيرة من الأعلاف.
وحول تأثير انخفاض المساحات على خطة الدولة لتطوير صناعة الغزل والنسيج، أوضح «أبو صدام» أن المصانع المصرية تعتمد بصورة كبيرة على استيراد القطن قصير التيلة، مؤكدًا أن تراجع الاهتمام بالقطن المصري أفقده مكانته العالمية، بعدما كان يُعرف بـ«الذهب الأبيض»، بينما أصبحت دول إفريقية تحقق تقدمًا في إنتاجه.
وطالب الحكومة بوضع خطة متكاملة لإعادة التوسع في زراعة القطن، تبدأ بضمان عائد اقتصادي عادل للمزارعين، وتوفير الأسمدة والمبيدات والتقاوي بأسعار مناسبة، مع تشجيع المصانع المحلية على شراء المحصول من المزارعين بدلًا من الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب التوسع في إنتاج القطن طويل وفائق الطول، والعمل على تسويق القطن المصري عالميًا.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "










0 تعليق