طالعت مشروع القانون المعروض حاليًا على مجلس النواب، ولم يرسخ في ذهني، غير أن ذلك المشروع يهدف إلى حماية للزوجة أو للأسرة، إن شئت أن يكون التعبير لطيفًا، لكنه يخاطر في إضفاء المزيد من الحماية بزيادة مساحة التنظيم أو التجريم على حساب المرونة أو الموازنة بين الحقوق، وبين طرفي العلاقة، فهل ينطلق مشروع القانون من اعتباره للعلاقة الزوجية شراكة إنسانية واجتماعية، مؤسسة على استهداف الدوام والاستمرارية، أم أنه ينطلق من اعتبارها علاقة مؤججة بالمشاكل، فيجب تدخل الدولة لحمايتها، وبالتالي، فإن مشروع القانون يهدف بشكل أو بصورة رئيسية إلى البحث عن وسائل لإدارة أثر انهيار الأسرة أم تعزيز فرصة استمرار العلاقة الزوجية وتأسيس كيان عائلي.
ولكن يبدو أن المشرع من خلال هذا المشروع المطروح يميل بشكل واضح إلى حماية تداعيات النزاعات الأسرية، أكثر من اهتمامه من دعم كونها رابطة وثيقة بين الزوجين، تقوم على المودة والمسؤولية المتبادلة بين طرفيها. وهذا ما تؤكده تفاصيل ونصوص المشروع تلك التي تخوض في تفاصيل العلاقة الزوجية وتنظمها بعقوبات والتزامات وجودها ذاته، قد يخلق أو يزعزع الثقة بين الزوجين، وعلى سبيل المثال في ذلك نص المادة 31 الذي يلزم الزوج بضمان مالي أو وثيقة تأمين عند بداية العلاقة الزوجية، فإن وجود مثل ذلك النص على النحو والصياغة الواردة بمشروع القانون، ينطلق نظريًا من فكرة تأمين الآثار المحتملة للنزاعات الزوجية وآثار الانفصال، من قبل أن تقوم رابطة العلاقة الزوجية ذاتها، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول الفلسفة، التي ينطلق منها مشروع القانون، فهل هي علاقة تقوم على المودة؟ أم أنها علاقة تستوجب الحذر، وبالتالي وجود ضمانات مالية تحسبًا للفشل، وهذا ما يثير التساؤلات حول مدى التناسب بين الوسيلة التشريعية والغاية المقصودة من التشريع، وذلك لكون السلطة التشريعية ليست سلطة مطلقة حال تنظيمها للحقوق أو الواجبات، بل يجب أن تلتزم سلطة المشرع، برغم وجود مساحة تقديرية، إلى التناسب وعدم المساس بجوهر الحقوق والحريات، وهو ما يلاحظ في نص المادة السابعة التي تسمح للزوجة بفسخ العلاقة خلال الستة أشهر الأول منها، تحت زعم غير دقيق الصياغة، وغير متوازن تشريعيًا، وغير منصف لطرفي العلاقة، إذ إ
ن أقل نسق التقدير حال إقرار ذلك الحق، أن يمنح للطرفين، حال استخدامنا لمقولة الغش والتدليس، وليس لطرف واحد فقط. كما أن هناك خلافا في نص المادة 16، والتي تجيز عقد الزواج عند بلوغ سن ثمانية عشر للطرفين، وهو الأمر الذي يخالف في مجمله أحكام الأهلية الواردة في القانون المدني، والتي أقرت، كما أقرت الشريعة على أن تمام الأهلية لا يكون إلا ببلوغ سن الحادي والعشرين. ذلك بخلاف اهتمام المشروع الزائد للالتزامات المالية، أو بحسب قوله الحقوق المالية للزوجة، والإفراط في تنظيمه بشكل مخل، وهذا ما تؤكده مواد النفقات أو قائمة منقولات الزوجية، حتى وإن كان الهدف المعلن وراء تلك النصوص هو محاولة تقليل آماد النزاعات القضائية بين الزوجين، وجعل كل المنازعات في إطار قانوني واحد، أو من خلال محاولة تقنين مسائل كانت خاضعة لاجتهادات قضائية متباينة الرؤى والحلول، مثل النفقات وإثبات دخل الزوج، ورؤية الصغار، وترتيب الحضانة، لكن اتساع التدخل التشريعي في تفاصيل الحياة الزوجية لا ينبئ بخير قادم، إذ أنه يتحول من مجرد قانون للتنظيم إلى إدارة الحياة الزوجية بتفاصيلها الدقيقة، وإسباغ أوصاف عقابية أو التزامات جديدة قد تخلق أفقا جديدا للنزاعات، أو تجعل على أقل تقدير إلى وجود حالة من العزوف عن الإقدام على خطوة الزواج ذاته، وهو الأمر الذي قد تكون كلفته المجتمعية أخطر من كل هذه الأشكال التنظيمية أو السبل الحمائية، التي يتزعمها أصحاب مشروع القانون.
هذا بخلاف النصوص المتعلقة بإثبات ما بين الزوجين، والتي يبدو من ظاهرها أنها تميل إلى ناحية الزوجة، دون وجود سبب يدعم مثل هذا التمييز المخل بمبدأ المساواة، لعدم وجود أسباب موضوعية، تدعم هذا التمييز، ذلك بخلاف الجزاءات الجنائية الواردة بالمشروع من غرامات أو حبس أو عقوبات مدنية مثل تلك الواردة بقرار وزير العدل الأخير.
فإذا كان مشروع القانون في مجمله يستهدف محاولة إيجاد حلول لمشكلات حقيقية داخل كيان الأسرة المصرية، ولكنه في بعض الجوانب يخاطر بزيادة التنظيم والتجريم على حساب المرونة والتوازن المفترض بين الحقوق المتبادلة، حيث ينبغي أن ينطلق مشروع قانون الأسرة من استهدافه بناء الأسرة ودعم استمرار العلاقة الزوجية، ليس الاقتصار على إدارة النزاعات والخلافات، إذ إن ذلك ليس علامة نجاح للقانون، حيث إن الأسرة ليست شراكة مالية محضة، ولا خصومة قضائية محتملة، بل هي في الأساس رابطة إنسانية، قوامها الحقيقي المودة والتراحم، والسعي نحو جعلها كيانا مستقرا، يهدف إلى ديمومة العلاقة، وحماية هذا الهدف يجب أن يكون نصب أعين المشرع، لا أن تكون غايته حماية أطر المنازعات، كما يجب أن يكون مركز الثقل القانوني في مشروع قانون الأسرة هو حماية الاستقرار المنشود ومعالجة آثار التفكك الأسري، فيجب أن ينطلق المشرع من خلال تنظيم تشريعي متوازن، يهدف إلى حماية كيان الأسرة ككل واحد، بما يضمن حقوق طرفيها الدستورية، فلا يقف دور المشرع عند حد الضمانات المالية أو الجزاءات الإدارية أو العقابية، بل يجب أن يمتد إلى صيانة الأسرة وحماية مبدأ الشراكة الأسرية، وبالتالي، فما زالت الحاجة قائمة إلى مراجعة مشروع القانون، بألا تنصرف المعالجة التشريعية بشكل رئيسي إلى إدارة الخصومة بين طرفي العلاقة الزوجية، وإنما إلى تدعيم مقومات الاستقرار الأسري، والسعي نحو الحد من أسباب النزاعات الأسرية المحتملة، بما يحقق التناسب بين التنظيم القانوني والأهداف الاجتماعية التي يجب أن يتغياها المشرع، وأن يكون تحدي الدولة الحقيقي بوصفها صاحبة مشروع القانون، أن تعيد تلك الصياغة الحالية للمشروع إلى دوائر البحث بأشكاله المختلفة، مستهدفة بذلك إيجاد مشروع أكثر توازنًا، مشروع يعالج المنازعات ولا يفترض الخصومة بين الزوجين، ويجعل منها الفلسفة الحاكمة بشكل رئيس لمشروع القانون.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "







0 تعليق