كل يوم يجول في خاطري سؤال خطير قد يأتي في عقول العديد من أولادنا الآن: لماذا أذاكر وأتعب وأعمل في الحياة، وأنا أستطيع أن أفتح صفحة على أحد البرامج وأبدأ من الصفر، وحين أكبر تصبح تجلب الأموال والداعمين بلا تعب؟
وهذا السؤال ليس عابرًا، بل هو ناقوس خطر يدق باب كل بيت وكل مدرسة؛ فالكسب السريع من برامج السوشيال والجوالات والهدايا جعل بعض الأطفال يظن أن النجاح ضربة حظ، وأن الشهرة زر يُضغط، وأن الرزق يأتي بلا جهد.
فهل سألنا أنفسنا: ماذا يحدث حين يرى الطفل أن من يقدم محتوى بلا قيمة يلمع ويُستضاف في المحافل ويصبح نجمًا، بينما من يذاكر ويجتهد لا يراه أحد؟ وهل هذا يثبت في عقل الطفل أن الوجود الحقيقي أصبح في العالم الافتراضي لا في الواقع، وأن هناك نجاحًا من نوع آخر لا يحتاج إلى جهد؟
وأنا هنا أؤكد أننا لسنا ضد صناعة المحتوى؛ فالمحتوى الهادف علم وفن ورسالة، ونحن نشجع كل ولد وبنت يصنعون محتوى ينفع الناس، لكننا ضد أن يتحول المحتوى إلى مصدر رزق بديل عن العمل، وضد أن يكون الكسب بلا تعب هو الهدف، وضد أن نُنجّم من لا يستحق لمجرد أنه جمع متابعين بلا رسالة.
فهل المحتوى هدف أم وسيلة؟ وهل الشهرة قيمة أم نتيجة لقيمة حقيقية؟
فالمشكلة ليست في المنصة، بل في الفكرة التي تترسخ: أنني أستطيع أن أنجح افتراضيًا بلا نجاح حقيقي، وأنني أستطيع أن أكون موجودًا على الشاشة بلا وجود في الواقع، وأنني أستطيع أن أربح قبل أن أتعلم.
فهل هذا منطق يبني جيلًا أم يهدمه؟ وهل نريد ولدًا يبحث عن محتوى يصنعه بعد أن ينجح في الحياة، أم ولدًا يهرب من الحياة ليصنع محتوى بلا هدف ولا حياة؟
ثقافة الشهرة اللحظية
Instant Fame Culture، ثقافة الشهرة اللحظية التي تقنع الطفل أن النجاح يحدث في يوم وليلة، وأن الأرقام أهم من القيمة، وأن المشاهدة أهم من الفائدة. وهذه الثقافة تخلق نجاحًا افتراضيًا هشًا يلمع سريعًا وينطفئ سريعًا، بينما النجاح الحقيقي يُبنى ببطء ويثبت طويلًا.
فهل نعلم أبناءنا أن الربح يأتي بعد جودة المحتوى لا قبلها، وأن المكانة تُصنع واقعيًا أولًا ثم تنعكس افتراضيًا، لا العكس؟
وأرى أن المدرسة والبيت هما خط الدفاع الأول؛ ففي البيت، حين يسمع الطفل من أبيه أن العمل قيمة، وأن التعب شرف، وأن الرزق الحلال يحتاج إلى جهد، سيعرف أن الكسب السريع وهم لا أمان له.
وفي المدرسة، حين نعلم الطالب أن التفوق ليس درجة بل مهارة، وأن الموهبة تحتاج إلى تدريب، وأن المحتوى الجيد يحتاج إلى علم حقيقي، سيعرف أن المحتوى بلا علم ضجيج لا رسالة.
فهل فكرنا كم طفل ترك هوايته الحقيقية لأنه ظن أن الجوالات أسهل؟ وهل فكرنا كم طالب أهمل دراسته لأنه يظن أن صفحة تكفيه؟ وهل نحن نلمع نجومًا بلا ضوء ونطفئ نجومًا يستحقون الدعم؟ وهل نحن نربي على الاجتهاد والكسل، وعلى الصبر والاستعجال، وعلى الواقع والخيال في نفس الوقت، دون أن نوضح الفرق؟
هل يمكن أن نقدم مشروع نجاح حقيقي قبل الافتراضي؟
يُطلب من كل مدرسة أن يختار الطالب في بداية العام مهارة حقيقية يتقنها، مثل الرسم أو البرمجة أو الزراعة أو الإصلاح أو التصوير أو القراءة، ثم في نهاية العام يصنع عنها محتوى قصيرًا من ثلاث دقائق، يشرح ما تعلمه فعليًا لا ما ادعاه، ويعرض هذا المحتوى داخل الفصل، ويُقيّم على جودة المعلومة لا عدد المشاهدات.
فحين يرى الطفل أن المحتوى ثمرة نجاح لا بديل عن النجاح، سيفهم أن الربح نتيجة لا هدف، وأن الشهرة انعكاس لا أساس، وأن العمل الحقيقي يبقى والوهم الافتراضي يزول.
إننا لا نحارب المنصات، بل نحمي أبناءنا من فكرة الكسب بلا تعب، والنجاح بلا جهد، والوجود بلا قيمة.
فهل نحميهم اليوم بالحوار والقدوة، أم نتركهم غدًا للوهم والندم؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" السبورة "



