نؤمن أن الإعلام لم يعد حكرًا على الصحفي الذي يجلس خلف مكتبه، أو المذيع الذي يطل على الجمهور من شاشة التلفزيون. فقد تغيرت قواعد اللعبة وظهر لاعب جديد يمتلك هاتفًا محمولًا وحسابًا على مواقع التواصل وربما يستطيع الوصول إلى ملايين الأشخاص في دقائق، متجاوزًا في تأثيره مؤسسات إعلامية عريقة
لكن هذا التحول يفرض سؤالًا لا ينبغي تجاهله: هل كل من يمتلك آلاف أو ملايين المتابعين أصبح بالضرورة صانع رأي أو شريكًا في صناعة الإعلام؟ سؤال وجدت نفسي اطرحه وانا اتابع لقاء وزير الدولة للإعلام الدكتور ضياء رشوان مع نحو 70 من صناع المحتوى ومن يصفونهم بالمؤثرين الذين يتجاوز إجمالي متابعيهم 500 مليون شخص ليفتح الباب أمام نقاش أوسع حول شكل الإعلام الذي نريده ومن يمتلك حق المشاركة في رسم ملامحه
وبالطبع لا يمكن إنكار أهمية هذه الخطوة فصناع المحتوى أصبحوا جزءًا مؤثرًا من المشهد الإعلامي ولديهم قدرة على الوصول إلى شرائح واسعة خاصة الشباب مع قيامهم بتبسيط المعلومات وفتح مساحات جديدة للنقاش ومن الخطأ أن تتعامل المؤسسات الإعلامية معهم باعتبارهم ظاهرة عابرة أو منافسًا يجب تجاهله
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدد المتابعين إلى معيار للاختيار وكأن الشعبية الرقمية أصبحت بديلًا عن الخبرة المهنية، والمعرفة، والقدرة على التحقق من المعلومات واحترام المسؤولية المجتمعية.
قد يكون وزير الإعلام استند إلى فكرة «الوسيلة هي الرسالة»والتى قالها مارشال ماكلوهان فى كتابه «فهم وسائل الإعلام» (1964). وكنت اتمنى وهو استاذنا فى البحث والتدقيق أن يعود إلى عالم الصحافة الأمريكي والتر ليبمان الذى قال إن «الأخبار والحقيقة ليسا شيئًا واحدًا». كتاب «الرأي العام» (1922) وفى المقولتين تذكير بالفارق بين نقل الأحداث وكشف الحقائق ووضعها في سياقها. فإذا كانت الوسيلة هي الرسالة فهل أصبح امتلاك وسيلة الوصول إلى ملايين المتابعين كافيًا لصناعة الوعي؟ أم أن التأثير الحقيقي يظل مرتبطًا بقيمة الرسالة، وعمقها، ومسئولية من يقدمها؟ فليس كل صاحب صفحة إعلاميًا وليس كل من يجيد صناعة الفيديو يمتلك أدوات الصحافة كما أن الشهادة المهنية وحدها لا تصنع إعلاميًا ناجحًا.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح على وزير الدولة للإعلام هل بذلت الوزارة جهدًا في حصر الصحفيين والإعلاميين الذين أصبحوا صناع محتوى ومؤثرين على المنصات الرقمية ليكونوا جزءا اكبر من الحضور بما اننا نريد الحفاظ على وعى المجتمع أم أن معيار الاختيار اعتمد بالأساس على حجم المتابعين؟ وكيف ضمنت الوزارة تمثيل أصحاب الخبرة المهنية إلى جانب أصحاب الانتشار الرقمي؟ واين الصحفيون الذين أمضوا سنوات في العمل الميداني ومواجهة الأزمات والتحقق من المعلومات، وفهم التشريعات والتعامل مع قضايا المجتمع؟ وأين الصحفيون الشباب الذين يحاولون تطوير أدواتهم لمواكبة التحول الرقمي؟
كان من المهم أن تتسع طاولة الحوار لتضم هؤلاء أيضًا لا باعتبارهم أصحاب المهنة التقليديين في مواجهة الوافدين الجدد، وإنما باعتبارهم شركاء في بناء إعلام يجمع بين الخبرة المهنية والقدرة على الابتكار الرقمي.ودور وزارة الإعلام أن تدعم وجودهم وبقوة
المطلوب ليس المفاضلة بين الصحفي والبلوجر ولا إغلاق الأبواب أمام جيل جديد من صناع المحتوى وإنما وضع معايير واضحة للتمييز بين المحتوى المسئول والمحتوى الذي يطارد المشاهدات بأي ثمن. فالمتابعون يمنحون صاحب الحساب انتشارًا لكنهم لا يمنحونه تلقائيًا الخبرة أو المصداقية أو المسؤولية.
وزير الإعلام لا يحتاج فقط إلى الاستماع لمن يمتلكون أكبر عدد من المتابعين بل إلى الاستماع لمن لديهم ما يقدمونه لتطوير الإعلام المصري. فالإعلام لا يُقاس بعدد من يشاهدونه فقط، وإنما بقيمة ما يصل إليهم، وبمدى صدقه وتأثيره في وعي المجتمع.
اقرأ أيضاً
كيف فقد 254 ألف متداول أموالهم في صدمة العملات المشفرة؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





