تزامناً مع زيارة مفاجئة لأعضاء “حلف مكة”، السعودية وتركيا وباكستان إلى العاصمة الإيرانية طهران، كان البرلمان المصري يحسم قرار منح الرئيس السيسي تفويضاً لـ “اتخاذ ما يلزم من إجراءات دفاعية وعسكرية لمساندة المملكة العربية السعودية وحماية أراضيها وسياستها”.
الحراك في العواصم القاهرة والرياض وطهران وأنقرة.. كان كاشفاً عن ارهاصات تشكُل منظومة جديدةــ ربما أكثرـ للأمن في الإقليم.
“مصر360” لم تكن غائبة عن جدل التشكلات والتحولات، حيث عقدت ورشة عمل حول مصر والتحديات الإقليمية الصاعدة.
ناقشت الورشة مسألة تقديم القاهرة دعمًا عسكريًا للرياض، وما يكتنفها من سياقات مثل التوقيت (الذي أجمع المشاركون على أنه متأخر على نحو ربما يؤثر على زخمه)، والمسائل التقنية واللوجيستية المتعلقة بهذا الدعم حال تحققه، وما يتعلق بالقرار من مقبولية شعبية (في مصر والسعودية) رآها المشاركون هامشية نسبيًا، لكنها تظل حاضرة.
كما ناقش المشاركون قضايا التعاون الأمني العربي والإقليمي، وقدموا رؤى حول معوقات التعاون العربي- العربي سواء في ضوء التجارب التاريخية المختلفة، أو في ضوء التغير السياسي في المنطقة بحيث باتت أغلب دولها مصنفة إما دولًا فاشلة وإما هشة، وملاحقة التهديدات المختلفة للدول التي لا تزال توصف بالمستقرة.
وكذا انهيار طروحات هذا التعاون على وقع ما بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران ربيع العام الجاري.
وبينما قٌدمت أفكار لبدء تعاون عربي- عربي يبدو ملحًا لمواجهة هذه التحديات (مثل تحقيق تقارب فكري ومذهبي بين شعوب المنطقة)، فإن كفة تحقيق تعاون إقليمي يضم أطرافًا غير عربية (بما فيها إسرائيل، وضمن ترتيبات محددة تستبعد أفكار الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وضمانات أن تعمل إسرائيل كدولة طبيعية ضمن هذه الترتيبات والالتزام بمقتضياتها) لأسباب التغيرات الراهنة وتراجع هوامش الثقة العربية- العربية، وكذلك تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة بشكل أكبر في ضبط التطورات في المنطقة.
وناقش المشاركون آفاق لعب مصر دور إقليمي أكبر في قيادة التغيرات ومحاولة ضبط تداعياتها وتوازناتها المختلفة.
ورغم إقرار حقيقة راسخة تتمثل في أهمية دور مصر الإقليمي في الفترات المختلفة منذ تحقيق الاستقلال وحتى اللحظة الحالية، فإن قوة هذا الدور تظل محل تساؤل عن مدى قدرته على التحقق ومجابهة كافة الآثار السلبية للحرب على إيران والأزمة الراهنة بين السعودية والحوثيين، وتوقعات استمرار التهديد الإيراني لدول الخليج، وما يعنيه ذلك من تغييرات جذرية متزايدة في تصورات دول الخليج لعلاقاتها مع إسرائيل لصالح المسار التطبيعي الكامل.
وركزت الورشة أيضًا على تراجع الخيارات والبدائل المتاحة لانتهاج سياسات تعاون عربي- عربي لصالح دخول أطراف إقليمية متفاوتة التوجهات (باكستان وتركيا وإسرائيل) في ترتيبات أمن الدول العربية، وفي ظل وجود خلافات بنيوية في تصورات الدول العربية لهذه السياسات في السنوات الأخيرة، كما يتضح من عدم الاتفاق المصري- السعودي على ترتيبات محددة لأمن البحر الأحمر وفق إطارين سابقين أولهما مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر والتحالف الدفاعي البحري متعدد الجنسيات، وأن الخيار المتاح حاليًا تعاون تكتيكي في أزمات معينة مثل الحرب مع الحوثيين.
وتم طرح سؤال حول خطورة دور إسرائيل المرتقب في المرحلة الراهنة بعد الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، ثم مآلات انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة الأمريكية.
واختتم المشاركون بأهمية تعزيز مصر قدراتها ودبلوماسيتها للقيام بدورها العربي والإقليمي عبر مسارات عدة، ومن بينها تمتين الوضع الداخلي، لبناء مجتمع أكثر تماسكًا والتصاقًا بسياسات الدولة الخارجية.
انطلقت ورشة العمل بمشاركة الكاتب السياسي عبد العظيم حماد، والسفراء أشرف حمدي “سفير مصر الأسبق في لبنان”، وأيمن زين الدين “سفير مصر الأسبق في إسبانيا”، والسفير هشام يوسف الأمين العام المساعد السابق لمنظمة التعاون الإسلامي.
السؤال الرئيس كان كيفية تحويل الموقف المصري من السعودية إلى نواة لتغيير شكل التعاون العربي الاستراتيجي؟
ومنه انطلق الحوار الذي أداره السفير أشرف حمدي، ليطرحه أولًا على الكاتب عبد العظيم حماد الذي قال:
أشعر بـ “تشاؤم شديد” من احتمالية تحول الموقف إلى تعاون استراتيجي بين الدول العربية، وهناك عدة حقائق تعزز هذا التشاؤم
– لم يكن هناك نظام أمن جماعي عربي على مدار التاريخ، باستثناء مصر ورؤيتها لهذا الأمن.
– هناك متغيرات داخلية كثيرة في مصر تعوق قيادة مصر لمثل هذا التغير.
– هناك تحالف مصري مع الولايات المتحدة
– حقيقة أن كل قرارات الدول العربية فيما يتعلق بالعمل المسلح ترتبط بالأساس بالتصور الأمريكي.
– لا ننسى أن الدول العربية تفضل على التعاون الأمني والدفاعي مع إسرائيل عن ذلك التعاون مع مصر.
أشرف حمدي.. ما الحل؟
عبد العظيم حماد:
إذا كان هناك حل، فهو تغيير توجهات القيادة السعودية نحو الانضمام لمصر في عمل مشترك، ليس دفاعيًا بالضرورة على المدى الطويل ويمكن اقتصاره على مواجهة التهديدات الحوثية.
– السعودية مع مصر بالضرورة.
– السعودية تتطلع لتعاون إقليمي وليس عربي حصرًا.
– المشكلة تكمن في أن الدول العربية بعد انهيار سوريا والعراق لم تعد تنظر لأي من مصر والسعودية على أنها قادرة على ملء هذا الفراغ.
هنا انتقل مدير الحوار إلى المشاركين طارحًا على مائدة الحوار تساؤلا “كيف نواجه هذه التحديات”؟
السفير هشام يوسف قال: مبدئيًا أرى أنه لا توجد “نية” لعمل جماعي عربي في مجال الأمن الأقليمي.
فقبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كان ممكنًا تقسيم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات “دول فاشلة، دول هشة، دول مستقرة”.
الآن وبعد الحرب دخلت دول الخليج بالكامل في المجموعة الهشة، أي باتت دول مهددة وغير قادرة على إيجاد إجابة على سؤال التعامل مع هذا التغيير بعد ان ثبت لها عدم قدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة بالقدر الذي كانت تتوقعه.
هل تستطيع دول الخليج الاعتماد على نفسها بشكل منفرد أو جماعي؟ الإجابة لا، هل هناك شركاء آخرون في المنطقة؟ الواقع ان مصر لم تكن الاجابة بالنسبة لهم.
الرياض حاولت الإجابة عبر تحالف مكة الذي ضم تركيا وباكستان إلى جانبها، لكنه بدا غير كاف، والدليل توجهها لمصر للقيام بدور في الأزمة.
السفير أشرف حمدي: في حالة باكستان فإن السعودية طلبت منها بشكل مباشر دعماً عسكرياً، بينما لا زال الموقف تجاه مصر غير واضح.
هشام يوسف: أثناء حرب إيران كانت السعودية والإمارات والكويت بشكل خاص غاضبة بشدة من مصر لأنها لم تساعد، بـ “الشكل الذي كانت تتوقعه”.
ولاحقاً، كشفت مصر عن تقديم دعم عسكري للإمارات وللسعودية دون الافصاح عن التفاصيل أو القيمة العسكرية لهذا الدعم.
هل هناك وضوح في الطلبات السعودية من مصر الآن، الإجابة لا؛ كما أنه لا توجد فكرة عما تستطيع مصر تقديمه.
إن مثل هذا السؤال مرتبط بالإمكانيات والقدرات، كما هو مرتبط بعدم الرغبة في إرسال جنود لمواقع اشتباك في اليمن.
هناك أيضًا حالة التهديد المباشر من الحوثي على الأمن القومي المصري.
حتى الآن، هناك أسئلة أكثر من الإجابات.
ولا يمكن توقع أن يربط البرلمان موافقته باشتراطات ما، كما أن توضيح الرئيس في 21 أكتوبر، أنه لا نية لإرسال قوات لليمن، مهم لكنه يثير تساؤلات عن دوافع عدم الإعلان في المرة الأولى.
السفير أشرف حمدي: هل هناك مشروطية لإرسال القوات.. أعني من وجهة النظر العسكرية…؟
السفير هشام: التزام الجيش بلعب دور ما في ظل توجه شعبي عام مرحبــ وهو الأمر الذي يمكن رصده كما يبدو من متابعة رد فعل القطاع الأكبر من الرأي العام المصريــ يختلف عنه في حال وجود توجه غير مرحب شعبيا بالمشاركة.
وفكرة قيادة مصر والسعودية لمنظومة وفكر الأمن القومي العربي المشترك، ليست بادية في الأفق وأتذكر مبادرتين أحدهما مصرية قامت على اتفاقية الدفاع العربي المشترك، والثانية سعودية قامت على فكرة قوات إسلامية ولم يحدث تقدم يذكر في المبادرتين.
السفير أشرف حمدي: صحيح أن تاريخ العرب مؤسف فيما يتعلق بالتعاون الدفاعي لكن هناك سبيين لتشاؤم أقل، الأول أن نظرة كثير من الدول العربية إلى القضايا الأمنية أصبحت أكثر نضجاً وتطوراً عما كانت عليه في مرحلة ما بعد الاستقلال، نتيجة مضى الزمن وتراكم التجارب.
أما الثاني، فهو أن الحرب الإيرانية الأمريكية كشفت حدود ومخاطر الاعتماد على الولايات المتحدة فى مواجهة الأخطار الوجودية التي يمكن أن تواجه دول الخليج بوجه خاص، وزادت من الاقتناع بالحاجة إلى البحث عن آليات دفاعية فردية وجماعية إضافية.
السفير أشرف حمدي: بالفعل غضبت دول الخليج من مصر وتحديدًا مما لمسته من تعاطف شعبي مع إيران في مواجهتها مع أمريكا وإسرائيل رغم قيامها بقصف قواعد في دول عربية.
السفير أيمن زين الدين: لتكون مصر شريكة في بناء نظام أمنى إقليمى مع السعودية، ينبغي عليها أولاً الإجابة على تساؤل جوهري، هو “ما هي الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها مصر للمنطقة في مواجهة التسونامي الاستراتيجي الذي تعيشه”، فانتظار أن تهدأ حالة الاضطراب قبل بلورة مثل هذه الرؤية أمر غير واقعي، لأن الوضع الإقليمي الذي سيعقب حالة الاضطراب الحالية سيكون قد تشكل بالفعل بإرادة الأطراف، التي استطاعت صياغة رؤيتها وعملت على الدفع بها.
وتشمل مثل هذه الرؤية موقفنا من إسرائيل، ومن إيران، وهل سنعتبرها دولة عدو أم سنسعى إلى استيعابها لتفادي أعباء حالة المواجهة الدائمة وتهديدها للخليج.
وكذلك الموقف من القوى الدولية والإقليمية الأخرى مثل الولايات المتحدة وتركيا وباكستان، وهل نسعى إلى منظومة أمنية عربية، ثم تتفاعل مع القوى الأخرى، أم أننا نسعى لمنظومة إقليمية.
إن بداية أي تحرك مصري هدفه بلورة نظام إقليمي تشارك مصر في قيادته، يجب أن يشمل إجابات لمثل هذه الأسئلة ويتفهم هواجس ومخاوف الدول الخليجية تحديدًا.
السفير أشرف حمدي: هل الرؤية المصرية للعدو الاستراتيجي تختلف بشكل كامل عن الرؤية الخليجية حاليًا؟
السفير أيمن زين الدين: لست متأكدًا، لا سيما وأن الحرب الجارية لم تنته، والأرجح ألا تتبلور رؤية دول الخليج المستقبلية لأمنها القومى إلا بعد انتهاء الحرب، وتحديد وضع إيران المستقبلي.
وعلى مصر- إذا أرادت قيادة صياغة منظومة الأمن الإقليمى- أن تضع رؤيتها وتصوراتها بحيث يمكن للشركاء المحتملين أن يجدوا فيها مصالحهم وأمنهم القومى، بما في ذلك العمل على إقناعهم بالعناصر محل الخلاف.
السفير أشرف حمدي: التغير في الموقف المصري من دعوة للتهدئة وموقف متعقل إلى تحرك يهدف للانخراط في عمل عسكري “دفاعي” ما الذي حركه؟
الكاتب عبد العظيم حماد: لفهم طبيعة ومحفزات تحرك الدور المصري من مربع التهدئة إلى منطقة الانخراط علينا أن ننطلق من أرضية مهمة للفهم “أن مصر مهما ضعفت تظل هناك حاجة عربية لدورها”، ومن هنا أتوقف عند وقائع شهدتها المنطقة في الأسابيع الأخيرة، أولها اجتماع الإمارات الذي حضره نتنياهو شاركت فيه جميع الدول العربية بما فيها مصر، وكأن نتنياهو هو تشرشل.
وأرى أن السعودية ليست بعيدة عن إسرائيل، وهي تختبئ خلف مصر في المواقف الصعبة، وأرى التحرك المصري مرتبطًا برغبة سعودية لحفظ ماء الوجه، باعتبار أنه تحالف عربي- إسلامي أكثر منه “اعتماد على أمريكا وإسرائيل”.
السفير أشرف حمدي: هل التحرك المصري جاء بناءً على طلب سعودي؟
حماد: “يمكننا تصور ذلك” ودعنا نطرح التساؤلات ونرصد الحقائق هل ثمة رغبة في بناء تحالف إقليمي بقصد أن ترسل الدول العربية المعتدلة رسالة لإسرائيل؟ هل توجد ترتيبات إقليمية تشمل إسرائيل؟ وهل صحيح أن دول الخليج انهارت سمعتها الدولية؟
ويمكنني أن أضيف سؤالين ذا طبيعة خاصة، لو غزت إيران أية دولة خليجية أو دخلت عمان إمارة من الإمارات؟ هل ستدافع أمريكا عنها؟ وهل لو تم تهديد العرش السعودي ستتحرك واشنطن؟
أرى أنه يجب ألا نبني سياساتنا مع الخليج على أن الولايات المتحدة قد خرجت منه.
السفير أشرف حمدي: أحيانًا يبدو أن هناك غياب لرؤية واضحة في مصر؟
حماد: من باب الأحلام يمكن أن تبدأ الرؤية بمبادرة الأزهر وعلماء الشيعة في لبنان، فقد خرج بيانان من الشيعة في لبنان رحبوا بمبادرة الأزهر، وادخلوا عليها تعديلات للمطالبة بسحب القوات الإسرائيلية من لبنان مثلًا ومسائل أخرى.
وأرى أنه من الضروري بدء حوار سني شيعي على المستوى الثقافي، يشمل إيران وشيعة العراق، كون المشكلة بين إيران والسعودية مذهبية، فضلًا عن وجود رعب سعودي من النموذج الذي تقدمه إيران والأقليات الشيعية التي تتزايد قوتها وحضورها بعد الحرب الإيرانية الأخيرة، ومن الممكن أن يضم الحوار السعودية ومصر وإيران.
السفير أشرف حمدي: بلورة الرؤية لها متطلبات، كما أن لها تداعيات، وأعتقد انه ليست هناك إمكانية أو قدرة على إقناع دول بمثل هذه الرؤية، كون الانقسام العربي موجودا في كل الملفات، أما بالنسبة لجدل العدو إيران أم إسرائيل فمنظورنا مختلف تمامًا عن منظور الخليج، وبالتالي، لكي نتحدث عن نظام يجب أن يكون هناك تعريف له، بينما يمكن القول إنه ليس كل الخليج له رأي واحد، وعندما نرى تقارير حول قيام الكويت بالتواصل مع إسرائيل فهذا تغير مهم ودال.
ويجب أن نفهم منظور الخليج الغاضب من الموقف المصري “الودي” تجاه إيران.
فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، وهو بالمناسبة ليس موحداً، سلطنة عمان وقطر فريق، والإمارات والكويت والبحرين فريق ثاني، والسعودية ربما تكون فريق ثالث، فالسعودية تمر بلحظة مراجعة كبرى بعد المواجهة العسكرية مع إيران وتداعياتها.
بينما منظور مصر مختلف تمامًا، حيث إسرائيل هي المشروع الخصم المنافس لك لعقود قادمة.
السفير أيمن زين الدين: فيما يخص الأطراف الدولية والإقليمية وعلاقتها بفكرة المنظومة الأمنية الإقليمية، ما زال الوقت مبكراً للحكم على مواقف القوى الدولية من الأمر، فهذا يتوقف على حدوث تطورات جادة في هذا الشأن.
وسيكون علينا المفاضلة بين أن تكون المنظومة عربية في الأساس، على اعتبار أن هذا يضمن فرصا أعلى في التماسك، مع بناء روابط مع الدول الإقليمية غير العربية على حسب مقتضيات الحال، لا سيما وأنها لديها حساباتها المختلفة التي تجعل فرضية وضع قدراتها في خدمة طرف عربي غير مرتفعة.
بالنسبة لإسرائيل فقد اختارت لنفسها ألا تكون جزءًا من أي منظومة إقليمية، وإنما أن تكون هي القوة المهيمنة إقليمياً، أو كما قال نتنياهو إن “إسرائيل تقود المنطقة”، وهذا نوع من الجنون لأنه يفوق قدراتها، وما نراه من تصرفات إسرائيلية يعبر عن مدى التطرف وسوء التقدير الذي وصلته، والذي ستكون تكلفته عليها أكبر من مكاسبه، والظاهر من الأمور يشي بأنه كلما مر الوقت بإسرائيل فإنها ستكون أكثر تطرفًا واندفاعًا وأقل حكمة.
السفير أشرف حمدي: هل ثمة نوع من الحرج في أن تعمل القوات المصرية تحت إمرة جهة أخرى؟
زين الدين: سؤال مهم جدًا، على المستوى السياسي والعملياتي، فقيادة السعودية للقوات المصرية سيكون فيها صعوبات وتعقيدات، خاصة وأن مصر تعرف أن مثل هذه الحروب من السهل أن تتطور وتزداد اتساعاً عما كان مخططاً لها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكليف القوات المصرية بعمليات أو مهام غير دفاعية تماماً، دون أن يكون للقيادة في مصر القدرة على التحكم في الأمر.
إلا أن الأمر يتعدى مسألة القيادة، إذا إن هناك صعوبة في التفرقة بين العمليات الهجومية والعمليات الدفاعية، لأن الدفاع يحرم الخصم من القدرة على الرد على الهجوم، وبالتالي، يصبح عنصراً حيوياً في تمكين العمليات الهجومية، وهو ما يمكن أن يجعل القوات المصرية والمصالح المصرية عموماً معرضة لانتقام الحوثيين.
وهذه مسائل ينبغي مناقشتها وبلورة تفاهمات دقيقة ومفصلة بشأنها مع الجانب السعودى.
كما ينبغي أن يكون هناك نقاش جاد حول الهدف الاستراتيجي من الحرب: هل هو القضاء على التهديد الحوثى تمامًا، وهو أمر بالغ الصعوبة وتكون له تكلفة بشرية ومادية باهظة، أم أنه توفير الظروف التي تسمح بالتوصل إلى تفاهم متوازن مع الحوثيين.
السفير أشرف حمدي: الموقف السعودي المعلن يرفض الحوار مع الحوثيين، ولا يرى طريقاً للتعامل معهم إلا من خلال شكل واحد وهو القوة.
السفير أيمن زين الدين: السعودية يجب أن تقول ذلك أياً كانت حقيقة هدفها الاستراتيجي، لدفع الحوثيين إلى موقف أكثر مرونة في عملية تفاوض بعد وضعهم في مركز أضعف.
ومع ذلك، السعودية ستكون مطالبة عندئذ بأن تقرر ما إذا كانت مستعدة لقبول مشاركة حوثية قوية في حكومة مشتركة في اليمن.
الكاتب عبد العظيم حماد: السعودية لا تستطيع التدخل بريًا في اليمن وفرض أمر واقع هناك، أو هي تنظر لمسألة “برستيج” عدم الاستسلام للحوثي، لكن يمكن تصور تراجع السعودية في إطار تسوية يمنية.
وهناك انتخابات في إسرائيل وأمريكا يمكن بعدها أن تتغير الأدوار بالنسبة لليمن وللمنطقة عمومًا، حيث يمتد التأثير من مواجهة إسرائيل وإيران إلى الحوثيين.
ولو تحققت هزيمة نتنياهو وترامب في الانتخابات النصفية ستهدأ المنطقة إلى حد ما.
السفير أشرف حمدي: وبالنسبة لموقف إيران؟
حماد: إيران أيضًا مستعدة للتفاهم وتريد التوصل لتسوية ومجرد هزيمة سياسية واضحة لنتنياهو وترامب تمثل انتصاراً كبيراً لإيران بشكل أو بآخر.
السفير هشام يوسف: السعودية طلبت وضع الحوثي على قائمة المنظمات الإرهابية في الدول العربية وتمت الموافقة على ذلك.
حماد: السعودية تتحرك ضد التهدئة التي تدعو لها القاهرة، وما تقوم به مصر قد يؤدي إلى أضرار تصيبها، فهناك تهديد حقيقي أن يهاجم الحوثي المصالح المصرية مباشرة، فتصبح مصر والسعودية في نفس دائرة الاستهداف، ما يهدد قطاعات مهمة مثل السياحة.
رئيس تحرير منصة مصر 360 حسين بهجت: المزاج المصري بعد 7 أكتوبر متعاطف مع إيران وأجنحتها بشكل واضح، ولدرجة استفزاز الخليج، كيف يمكن لمصر التعامل مع سيناريو دخولها الحرب؟ ما أثر ذلك على المواطن المصري؟
السفير أشرف حمدي: المشاعر المصرية تجاه غزة كانت أقوى منها بالنسبة للحوثي، لكنها لم تؤثر على تحرك الدولة المصرية، وليس هناك اعتبارات للشعبية لدى المؤسسات المعنية بهذه القضايا، فضلًا عن وجود رابطة عاطفية مع السعودية تختلف عن الكويت والإمارات.
السفير أشرف حمدي: كيف يمكن قراءة سيناريوهات تطور المشهد؟
السفير أيمن زين الدين: لدي اقتناع بأن ترامب لا يرغب في توجيه ضربة جديدة لإيران، وأنه يدرك أن مثل هذه الضربة سيكون لها أثر مخرب للغاية على المصالح الأمريكية والخليجية، وعلى مصالحه هو الشخصية، وأن إيران تدرك أنه من مصلحته ألا تؤدي الأمور إلى إحراق الخليج بسبب الضربة الجديدة.
كل المؤشرات تؤكد أن إيران مستعدة للتوصل إلى تسوية، فهناك ضغوط اقتصادية كبيرة على إيران بسبب الحصار والعقوبات المفروضة عليها، ووضع جيو- استراتيجي هش على الحدود، مرجعاً ما يبدو من لتشدد إيراني إلى اقتناعها بعدم جدية الولايات المتحدة إلى الآن، لكن لو أن أظهر ترامب جدية في الرغبة في التوصل إلى اتفاق فسترد إيران إيجابيًا، وستكون أكثر مرونة في الكثير من القضايا، أما الآن فليس هناك مساحة للتوصل لاتفاق.
الكاتب عبد العظيم حماد: “ولا نتنياهو يسمح له”.
هل مصر شريكة في الوساطة؟ نعم.
مصر ليست طرفا حتى الآن في الصراع السعودي الإيراني- الحوثي.
لكن هناك شروط أخرى للوساطة متعلقة بالسعودية وإيران، وستظل هناك مساحة لمصر كوسيط بعد قرار إرسال القوات.
السفير أشرف حمدي: ما هي خيارات صانع القرار في الأزمة؟ دون أن تؤثر على وضعك الإقليمي وتضمن في الوقت نفسه حفاظك على مصالحك الاقتصادية مع الخليج
السفير هشام يوسف: لا يوجد خيار غير الاستجابة للطلب السعودي
عبد العظيم حماد: السعوديون مولعون للغاية بالشكليات، والأسرة الحاكمة في السعودية تدرك أنها دخيلة على الجزيرة كلها، وهم بنوا شرعيتهم على فكرة “منتهى القوة”.
السفير هشام يوسف: بخصوص سؤال البدائل، هل يمكن تخيل سيناريو قاسم سليماني؟ أن تقول الولايات المتحدة، نريد أن نضرب، ونتوقع أن ترد إيران، ولكن يجب أن يكون الرد في حدود كذا وندخل بعدها في مفاوضات
السفير أيمن زين الدين: كان هذا ممكنًا في البداية، في مرحلة مبكرة من الأزمة، الآن it’s too late أي أن إيران لن تسمح للولايات المتحدة بضربها، دون أن ترد عليها رداً عنيفاً، يضع حداً لحالة الاستباحة التي تبقى إيران تحت التهديد الدائم.
السفير أشرف حمدي: بالعودة لسؤال القوات المصرية في المملكة السعودية.. كيف تبدو محددات المشهد؟
السفير أيمن زين الدين: من المهم الاتفاق على كيفية عمل القوات المصرية والأهداف المحددة لها، وتوضيح حدود حركة القوات المصرية
سؤال القيادة هام للغاية، موضوع الأوامر بالغ الحساسية – بالتأكيد ستكون هناك قيادة للجيش المصري تتفاهم مع السعودية، وتحديد “قواعد الاشتباك”.
السفير أشرف حمدي: الخلاصة نظام الأمن العربي مستحيل حاليًا؟
السفير أيمن زين الدين: الحرب التي تدور في الإقليم منذ 2023 كشفت الكثير من الأمور، وأنهت الكثير من ثوابت وآليات الدفاع والرؤى الاستراتيجية السابقة في المنطقة، وفى مقدمتها إمكان الاعتماد على المظلة الدفاعية الأمريكية، وأن إسرائيل شريك عاقل، يمكن تحييد خطورتها بالتوصل إلى تفاهمات معها، كما كشفت أن إيران قوة يصعب القضاء عليها أو إضعافها نهائياً، وأن استيعابها قد يكون هدفاً جديرًا بأن يستكشف.
إسرائيل هى العامل الأكثر تعقيدا في المسألة، إلا أن مستقبل العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية لن يكون كما في السابق، وهذا من شأنه تغيير الكثير من الحسابات.
والآن هناك فرصة وعوامل تتيح لمصر أن تقوم بقيادة منطقة على طريق الخروج من الأزمة الحالية وبناء أسس نظام إقليمى جديد، لكن على أساس رؤية استراتيجية متكاملة للمنطقة.
السفير هشام يوسف: لا توجد أسس لمثل هذا التعاون في المرحلة الحالية، ويصعب التوصل لتفاهم إقليمي حول التسوية في اليمن والسودان وربما في صراعات أخرى أيضاً.
عبد العظيم حماد: أمريكا تريد دمج إسرائيل في المنطقة وهناك رفض سعودي ومصري، والشعوب العربية رافضة.
السعودية وتركيا ومصر قد تملك رؤية مشتركة لقبول إسرائيل إذا قبلت الأخيرة أن تعمل في نطاق حجمها وألا تسعى لقيادة المنطقة، وهناك حاجة لبناء داخل أفضل في مصر”.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



