أخبار عاجلة

بالبلدي: بين ثقافة المناشدة وانتزاع الحقوق

بالبلدي: بين ثقافة المناشدة وانتزاع الحقوق
بالبلدي: بين
      ثقافة
      المناشدة
      وانتزاع
      الحقوق

من يتابع شكل ومضمون خطاب طلاب المدارس الثانوية في فرنسا ولغتهم وطريقة تعاملهم مع المسؤولين سيكتشف أنهم لا يعبرون فقط عن جيل جديد لديه توجهات يسارية أو ثورية ليست بعيده عن اعتياد المجتمع الفرنسي على الاحتجاج والرفض، إنما أيضا أو أساسًا ينطلق من ثقافة أخرى قائمة على انتزاع الحقوق والندية تجاه السلطة والثقة في قدرته وإيمانه بحقوقه، وهو ما يختلف تماما عما نعرفه في بلادنا من ثقافة المناشدة وأحيانا التوسل والاستجداء لا الضغط عليهم من أجل الحصول على حق أو تحسين ظروف العمل والمعيشة، بصورة تتجاوز الخيارات الفكرية والسياسية لترتبط  بثقافة مناشدة متأصله في مجتمعنا في مقابل ثقافة “انتزاع” متأصلة في أوروبا.

والحقيقة أن من يتابع طريقة عرض قيادات الحركة الطلابية في فرنسا لمطالبتهم بحقوقهم أمام كبار المسؤولين تشير إلى أنهم لا ينتمون مطلقا لثقافة الاستجداء والمناشدة التي نعرفها، فقد اجتمع أول أمس قيادات الاتحادات الطلابية ومندوبون عن الطلاب مع رئيس الحكومة وتحدثوا عن مشاكل نظام التعليم واستجابت الحكومة فعلا لجانب من هذه المطالب ورصدت الحكومة 4 مليارات يورو لتجديد المباني وتعيين مدرسين جدد وتقليل كثافة الفصول لتصل إلى 28 طالبًا بدلًا من 35.

من يتابع حديث الطالب “إلوان Elwan” (١٨ عامًا) والذي يعد أحد قيادات الحراك الطلابي، سنجد إنه يخاطب المسؤولين باعتباره ندًا لهم لا يقول له أحد أصمت لأنك صغير ولم تدرس الموضوع الذي تتكلم فيه، ولا أنك ما زلت “عيل” وحاصل فقط على الثانوية العامة وليس لديك خبرة لتُقيم جهود الحكومة في التعليم، فلا أحد يمكن أن يقول له ذلك، ولا هو وزملائه سيقبلون هذا الكلام.

والمدهش أن هذا الشاب الذي استضافته العديد من القنوات التليفزيونية الفرنسية، أدهش الكثيرين بلغته الفرنسية الرفيعة وكلامه المنظم والواضح، والذي رفض أداء الطبقة السياسية كلها، ماعدا حزب أقصى اليسار، ورفض توجهات الرئيس، وأدان العنف الذي حدث في بعض المناطق، وأن مستوى تعليمه وتمكنه من اللغة رغم أنه ابن التعليم العام، يقول إنه رغم مشاكله، إلا أن هذا التعليم لا زال متماسكًا وقادرًا على أن ينتج طلابًا متعلمين تعليم جيد وقادرين على الضغط والتظاهر من أجل انتزاع حقوقهم دون توسل أو مناشدة.

والحقيقة أن إدارة العلاقة بين النظم القائمة والطبقات والفئات الاجتماعية تختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن نظام سياسي إلى آخر، فكما شهدنا في فرنسا، فإن القانون يضمن الاحتجاج السلمي وحرية العمل النقابي والحزبي، وبالتالي، يكون جانب من إدارة الصراع المجتمعي عبر الاحتجاج السلمي والإضراب فيحتج الناس على بناء بناية حديثة مكان أخرى قديمة أو على غلاء الأسعار أو على قرار حكومي يضر بمصالحهم، وتصبح احتجاجات الطلاب ومطالبهم جزءا من حالة مجتمعية اعتادت الضغط والتفاوض والحلول الوسط من أجل انتزاع الحقوق، وتكون هناك عادة مؤسسات وسيطة تدافع من خلالها كل فئة أو نقابة عن مصالحها كجماعة ضغط يحميها القانون من الطلاب إلي العمال والموظفين، ويصبح القانون وعلاقات القوى والقدرة على التنظيم والضغط هي المنظم للصراعات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع.

والحقيقة أن هناك مجتمعات أخرى لاعتبارات تاريخية وسياسية واجتماعية تأصلت فيها ثقافة مناشدة المسؤولين كحل لدى كثيرين للحصول على بعض حقوقهم، مع حضور خافت لثقافة الاحتجاج والضغط من أجل انتزاع الحقوق، وظلت مناشدة الرئيس والقيادة السياسية من أجل التراجع عن قرار أو سياسة هو السائد، كما استمرت سياسة التكافل الاجتماعي التي تعمقت في بلادنا في السنوات الأخيرة لحل جانب من مشاكل الفقر وضعف الأجور.

والحقيقة أن العلاقة بين السلطة والناس في بلادنا تغيرت في السنوات الأخيرة فلم تعد الاحتجاج أو تنظيم إضراب (رغم إنه يحدث أحيانًا) من أجل انتزاع الحقوق أو تحسين ظروف العمل خيارًا مطروحًا، إنما صارت قائمة على المناشدة أو التوسل وراجت مؤخرًا تعبيرات مثل الرحمة وراعوا ظروف لناس “عشان خاطر ربنا” وغابت مفردات الحقوق والقوانين والقواعد، وأصبحنا أمام نموذج يجعل من الصعب على المواطنين محاسبة كبار المسؤولين أو حتى انتقادهم بشكل علني.

من هنا، لم تعد العلاقة بين أصحاب السلطة وأغلب الناس قائمة على الضغط أو الاحتجاج كما فعل طلاب فرنسا، إنما التوسل والمناشدة، وبات قطاع واسع من الناس مقتنعا أن الحل ليس في تطبيق الدستور والقانون إنما في رضى ولي الأمر سواء كان صاحب شركة أو مسؤول حكومي، وانتشرت ظواهر النفاق المخزي واستعراض السلطة بصورة غير مسبوقة.

من المستحيل رشوه طلاب فرنسا بمكاسب مادية شخصية أو هدايا على طريقة “كرتونة رمضان” إنما بمكاسب عامة يستفيد منها عموم الطلاب ومنظومة التعليم، وهي في النهاية نتاج ثقافة قامت على العمل من أجل انتزاع الحقوق لا التوسل.

إن الضغط السلمي المشروع من أجل الحصول على الحقوق أمر مطلوب في أي مجتمع، وهو لن يلغي خصوصيته في التمسك بقيم أخرى كالتكافل والرحمة والكرم، إنما يفتح طريقا آمنا ومضمونا للمطالبة بالحقوق، وهي تتطلب تغييرا سريعا في السياسات وفي تكريس دولة القانون، وتغيير في الثقافة يحتاج لوقت أطول.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : ترتيب مجموعة مصر في كأس الخليج للناشئين بعد الفوز على العراق
التالى بالبلدي : ماركا تكشف 4 نقاط وراء الأزمة بين رونالدو وخورخي جيسوس

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay