ككرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت، تعيش أوروبا “خريفًا من الغضب” حاليًا، بموجة تظاهرات تتركز في جيلي “زد” مواليد 1993 حتى 2012، و”ألفا” مواليد “2013” حتى 2024 بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف السكن، وضعف القدرة الشرائية، وتهالك الخدمات العامة.
آلاف الأشخاص خرجوا إلى الشوارع بمختلف أنحاء أوروبا خلال عطلة نهاية الأسبوع للاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة، وانخفاض الأجور، وتراجع الخدمات العامة. ورغم اختلاف المطالب بين المتظاهرين في كل دولة، لكن جمع بينها تزايد الإحباط وعدم القدرة على توفير احتياجات الأسر.
وصعد معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8% في سبتمبر، مقارنة بـ 3.2% في أغسطس، وقد سجلت أسعار الطاقة زيادة سنوية بنسبة 18.8%، ما رفع تكاليف الحياة بشكل كبير، ودفع المواطنين للنزول للشوارع احتجاجًا.
في فرنسا، انضم مئات الآلاف من الأشخاص إلى مظاهرات شارك فيها الطلاب شهدت عمليات نهب واسعة في باريس، وتعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمحاسبة من “سعوا إلى إسقاط الجمهورية”، بعد تضرر نحو 1500 متجر وبائع تجزئة.
في البرتغال، طالبت النقابات العمالية وجماعات حقوق السكن برفع الأجور وتحسين المعاشات التقاعدية وتطوير الخدمات العامة، ورفع المتظاهرون لافتات ضد ارتفاع الإيجارات وتكاليف الرهن العقاري والنفقات اليومية.
وسجلت أسعار المساكن في البرتغال أعلى زيادة سنوية بين دول الاتحاد الأوروبي في الربع الثاني من عام 2026، حيث ارتفعت بنسبة 16.5% في لشبونة، ويعادل متوسط الإيجار 116% من متوسط الراتب، أي أنه يتجاوز الدخل الشهري المعتاد بنسبة 16%.
وشهدت إيطاليا أيضًا مظاهرات بسبب الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وأسفرت اشتباكات في ميلانو وتورينو وبولونيا عن إصابة أشخاص، بينما اعتُقل العشرات.
أدى ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والطاقة إلى معاناة العديد من الأسر في سبيل تغطية نفقاتها، وحتى مع تباطؤ التضخم، تبقى الأسعار عمومًا أعلى مما كانت عليه سابقًا، مما يقلل من هامش الإنفاق المتاح للمستهلكين.
العمال والطلاب في مقدمة الصفوف
وتظاهر عمال الصلب وسائقو الشاحنات الإيطاليون، مما تسبب في تعطيل حركة المرور في أحد المطارات، وعلى الطرق، وانضم إليهم الطلاب الذين حملوا لافتات تحمل شعارات مثل “جيل زد.. لأننا الأخير”، واحتجوا على الائتلاف الحكومي الحاكم.
وفي بلجيكا، اشتبكت الشرطة مع المتظاهرين في بروكسل ولييج خلال احتجاجات على غلاء المعيشة.
كما تظاهر طلاب المدارس الثانوية في الأسابيع الأخيرة ضد ارتفاع تكاليف التعليم، وانضموا إلى الطلاب في فرنسا الذين يحتجون على ظروف المدارس ونقص المعلمينَ.
وقال وزير الداخلية البلجيكي، برنارد كوينتين، على منصة التواصل الاجتماعي إكس: “ما يحدث في بروكسل لم يعد مجرد احتجاج بسيط.. إنه عنف صريح ومنظم ومتكرر، يهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع”.
في ألبانيا، جارة إيطاليا الشرقية، العضو في حلف الناتو والمرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، اتهم رئيس الوزراء إيدي راما، إيران وروسيا بتأجيج الاحتجاجات العنيفة التي أسفرت عن عشرات الإصابات وأضرار مادية جسيمة.
ارتفاع الأسعار يحرك الشارع الأوروبي
ووفقًا لبيانات “يوروستات يورونيوز بيزنس” فإن أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي ارتفعت بنسبة 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026.
وانخفضت كمية الغذاء التي يمكن شراؤها بالحد الأدنى للأجور الشهرية الإجمالية بنسبة 6% في مالطا، و5% في إسبانيا، و4% بفرنسا، لكن لا تشمل تلك النسب الضرائب والإيجار ونفقات المعيشة الأخرى، ولا تعكس بشكل كامل ضغوط غلاء المعيشة.
وقال مجتبى رحمن، مدير شركة “يوراسيا جروب” الاستشارية، إن الاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا وأماكن أخرى بأوروبا نابعة من شعور حقيقي بالركود، فحياة الناس لا تتحسن، بعد سنوات من الحكومات الضعيفة التي فشلت في دفع الإصلاحات الاقتصادية المحفزة للنمو.
الخبير السياسي المغربي محمد الخميس يقول إن القارة الأوروبية تشهد للمرة الأولى تقاطعا بين غليان داخلي غير مسبوق في الشوارع مع أسباب أزمات المعيشة والتعليم والصحة والعمل وكذلك مأزق خارجي معقد بسبب حرب روسيا/ أوكرانيا.
أوروبا تغرق في المستنقع
يضيف أن أوروبا غرقت بهذا المستنقع فرادى وجملة، وأصبحت أمام معضلة الطاقة والتي كانت تستفيد منها بأسعار منخفضة من روسيا، وخاصة الغاز مع كلفة عالية للحرب الأوكرانية، وتفاجأ العقل السياسي الأوروبي بكامله عقب اتفاقات الطاقة المفاجئة بين واشنطن وموسكو، مما فتح في القارة الأوروبية جبهات متعددة تهدد وتضغط على استقرارها الاجتماعي من خلال أزمتها المالية والسياسية (فرنسا نموذجًا لأول مرة 34 مرشحًا للرئاسة، وهو مؤشر على التشظي السياسي).
أكد الخميس أن بعض المظاهرات أصبحت عنيفة تستهدف الممتلكات والأماكن الراقية والماركات العالمية، وهو ما يعكس غضبا على الرأسمالية المتوحشة وتعبير عن تركيز الثروات واتساع الفجوة الاجتماعية الاقتصادية، وبلغت أسعار الوقود مبالغ غير مسبوقة، وقد يصل في أوروبا للعودة لزمن الاحتطاب من الغابات كالقرن السابع عشر، والعودة الي شراء الفحم الحجري، وزاد من انسداد الافق صفقة بوتين وترامب وتراجع الدعم لأوكرانيا.
يعود البعض بأزمات أوروبا الحالية لعام 2008 وتراجع الاقتصاديات الأوروبية بما فيها بريطانيا لصالح أمريكا والصين، فقبلها كانت تلك الاقتصاديات أكبر بنسبة 23% من اقتصاد الولايات المتحدة، والآن أصبحت أمريكا أكبر بنسبة 18% من اقتصاديات الاتحاد الأوروبي ومعه بريطانيا.
منذ عام 2008، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 123%، وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين 453%.
أما النمو المجمع للاتحاد الأوروبي وبريطانيا فلم يتجاوز 53%، وهو ما يقل عن نصف نمو الولايات المتحدة وأقل من ثُمن النمو الاقتصادي في الصين.
باتت الرأسمالية الأوروبية في موقف يتسم بضعف شديد للغاية، وارتفع إجمالي الدين العام للاتحاد الأوروبي من 58% قبل عام 2008 إلى 88%، وداخل الاتحاد تجاوز دين بلجيكا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا 100% من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
الضربة الأقوى للرأسمالية الأوروبية جاءت مع الحرب الروسية/ الأوكرانية عام 2022، والتعامل الأوروبي معها، فكانت أوروبا تحصل على النفط والغاز الروسيين الرخيص بنسبة 27% من النفط و45% من الغاز، وانخفضت تلك النسب لـ 2% من النفط و13% من الغاز، وباتت مضطرة الآن للاستيراد من أمريكا بسعر مرتفع ما رفع تكلفة الإنتاج الصناعي.
وارتفعت واردات أوروبا من الغاز الأمريكي من 2% إلى 28%.
أما بالنسبة للغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا، فقد ارتفعت حصة الولايات المتحدة من تزويد أوروبا من 25% إلى 66% من إجمالي الواردات.
كما ارتفعت حصة النفط الأمريكي من 8% إلى 15% من الواردات الأوروبية.
زيادة الإنفاق على السلاح
مع توقف النفط والغاز الروسي، انخفض الإنتاج الصناعي في ألمانيا بنسبة 9.5%، وفقدت ألمانيا 180 ألف وظيفة في العام، وكانت صناعة الكيماويات الألمانية التي تحتل المرتبة الثالثة بعد صناعة السيارات وصناعة الآلات من أكثر المتضررين، وهي صناعة توفر إيرادات تصل إلى مئات المليارات من اليورو وتوظف بشكل مباشر حوالي نصف مليون شخص.
تكرر الحال في الصناعة الفرنسية والإيطالية وزاد من الضغط أيضًا أن الدول الأوروبية اضطرت لزيادة الإنفاق العسكري، وبلغ الإنفاق العسكري في أوروبا 864 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة بنسبة 14% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى تسجله المنطقة على الإطلاق.
خلال عام واحد فقط، قفز الإنفاق الألماني بنسبة 24% بقيمة تصل لـ 114 مليار دولار، وبريطانيا بقيمة 89 مليار دولار، وفرنسا بـ 68 مليار دولار لتحتل تلك الدول مرتبة بين العشر الكبار في الإنفاق العسكري للمرة الأولى منذ قرون طويلة.
أدى التوسع في الميزانيات الدفاعية إلى زيادة الضغط على الأوضاع المالية العامة في الدول الأوروبية، حيث يتوقع ارتفاع الإنفاق الدفاعي في أكبر خمس اقتصادات أوروبية من نحو 1.9% إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، مع زيادة واضحة في الدين العام
ووفقًا لبيانات المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية، بلغ إجمالي الدعم الذي حشده الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء لأوكرانيا منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية 231.5 مليار يورو، من بينها تدابير عسكرية مباشرة بنحو 77.9 مليار يورو.
أندري سوشينتسوف، عميد كلية العلاقات الدولية بروسيا، يقول إنه رغم امتلاك الأوروبيين أداة مالية قوية، إلا أنهم يديرون هذه الأداة بتبذير؛ إذ يقترب الدين العام لمعظم الدول الأوروبية الكبرى من 100% من الناتج المحلي الإجمالي أو يتجاوزه.
وهم لا يستطيعون الحصول على تعويضات خارجية عن التكاليف العسكرية”.
أضاف: “حان الوقت للأوروبيين للتفكير في مصالحهم، وما يمكن تحقيقه في الأزمة الأوكرانية وما لا يمكن تحقيقه، وإلى أين قد يتجه المسار. في الوقت الراهن، لا يملك الأوروبيون أي خطوات جيدة” على حد قوله.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



