في الغرف المغلقة، لا يزال المستثمرون بمصر يشكون من وجود معوقات أمام انطلاق أعمالهم في مقدمتها الفساد، رغم المبادرات الحكومية التي تم إطلاقها على مدار العقد الأخير التي تستهدف تيسير الأعمال والرقمنة وتقليل هيمنة طبقة الموظفين على قرارات الاستثمار، واللوائح البيروقراطية التي يتمترسون خلفها.
تؤكد الإحصائيات الدولية تلك الشكاوى، فمن بين 182 دولة حول العالم جاءت مصر في المرتبة الـ 130 في مؤشر مدركات الفساد وهو المؤشر العالمي الرائد لقياس الفساد بالقطاع العام، والذي يصدر عن منظمة الشفافية الدولية سنويا منذ 35 عامًا، ويعتمد على تقييمات الخبراء واستطلاعات الرأي لرجال الأعمال.
يعتمد المقياس، الذي وضع مصر بالمنطقة الأضعف أداء في مدركات الفساد على ترتيب يبدأ من شديد الفساد (صفر) إلى 100 (شديد النزاهة)، ويجمع البيانات من 13 مسحاً وتقييماً مختلفاً للفساد عبر مجموعة متنوعة من المؤسسات الدولية المهمة، بما فيها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي.
حصلت مصر على 30 نقطة، دون أي تغيير عن العام الماضي في المؤشر الذي يقيس العديد من النقاط أهمها، الرشوة وتحويل الأموال العامة إلى غير مقاصدها الأصلية واستعمال المسؤولين للمنصب العام لتحقيق المكاسب الخاصة دون مواجهة العواقب، وقدرة الحكومات على احتواء الفساد في القطاع العام، والبيروقراطية المفرطة التي قد تزيد من فرص حدوث الفساد؛ واللجوء للواسطة في تعيينات الخدمة المدنية.
يقيس المؤشر أيضًا: وجود القوانين التي تضمن قيام المسؤولين العامين بالإفصاح عن أموالهم، واحتمال وجود تنازع في المصالح وسيطرة أصحاب المصالح الضيقة على مفاصل الدولة؛ والوصول إلى المعلومات المتصلة بالشؤون العامة/ والأنشطة الحكومية، والحماية القانونية للأشخاص الذين يُبلغون عن حالات الرشوة والفساد.
مبادرات مستمرة لا تنعكس على الترتيب
الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، قال إنه بعد أكثر من عشر سنوات من الخطط والاستراتيجيات والمؤتمرات والتصريحات عن محاربة الفساد، يتراجع تصنيف مصر للخلف، فمصر سبق أن حققت نتائج أفضل في المؤشر منذ انصمامها له عام 2012 وحينها حققت المركز 118 برصيد 32 نقطة من أصل 100، ثم تقدمت إلى المركز 114 عام 2013، وصولًا إلى المركز 94 عام 2014، وهو أفضل ترتيب حققته برصيد 37 نقطة.
يقول البياضي إن الفساد لا يتوقف على رشوة موظف، ولكن قد يزيد تكلفة مشروع، أو مناقصة يتم إرساؤها بالمحسوبية، أو مسؤول يستغل منصبه، أو أموال عامة تُنفق دون رقابة كافية، والنتيجة يدفع ثمنها المواطن، فالفساد يعني إهدار أموال الشعب بمشروعات ذات تكلفة أكثر من اللازم، وموارد تضيع بدلاً من توجيهها للصحة والتعليم والخدمات، وزيادة الديون، وهروب الاستثمار فالمستثمر لا يطمئن لبيئة تتضمن محسوبية أو منافسة غير عادلة، والنتيجة فرص عمل أقل واقتصاد أضعف.
توجد علاقة عکسية بين الفساد والنمو الاقتصادي بمصر، ولذا طالبت العديد من الدراسات بضرورة زيادة درجة الشفافية في کل الجهات الحکومية، والاستفادة من التجارب الدولية في محاربة الفساد، والعمل على توسيع نطاق تطبيق مبادئ الحوکمة في کل المصالح الحکومية والخاصة، ووضع عقوبات رادعة تناسب أنواع الفساد لعدم تکراره، بشرط أن يکون ذلك معلناً، وتحقيق العدالة الاجتماعية في المساواة في التعيين وتوزيع الدخل.
توصي العديد من الدراسات أيضًا بتسريع إجراءات التحقيق ومحاکمة متهمي قضايا الفساد والإعلان عن تنفيذ عقوبة من تثبت إدانته، وإنشاء محاکم خاصة لقضايا الفساد للتعجيل بإصدار الحکم، ورفع مستوى کفاءة الأجهزة الرقابية بمنحها الصلاحيات الکافية، والتوسع في تطبيق الحکومة الإلکترونية لتعزيز الشفافية والمساءلة وتقديم الخدمة عن بعد، وتفعيل دور وسائل الإعلام في کشف الفساد.
الفساد يزيد الفقراء فقرًا
البياضي يؤكد على ذلك فالفساد يزيد الفقر، لأنه يعني أن الفرص والامتيازات تذهب لأصحاب النفوذ بدلًا من المستحقين، ما يجعل الغني يزداد غنى والفقير يزداد، فقرًا بجانب تدهور الصحة والتعليم والخدمات، فكل جنيه يضيع بسبب الفساد كان ممكنا أن يحسن حياة مواطن.
لفت إلى أنه يعني أيضًا ضياع تكافؤ الفرص فالواسطة تصبح أهم من الكفاءة، كما يضرب القطاع الخاص فالشركات الصغيرة والمتوسطة تتضرر، حينما تكون المنافسة غير عادلة بجانب زيادة التهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي، وهذا معناه موارد أقل للدولة، وأعباء أكبر على الملتزمين بالقانون، مطالبًا الحكومة بتقديم كشف حساب واضح يتضمن نتائج استراتيجيات مكافحة الفساد، وحجم الأموال العامة التي جرى استردادها، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المسؤولين عن وقائع الفساد وإهدار المال العام.
وأطلقت الدولة حملة على مستوى البلاد، تشجع المواطنين على الإبلاغ عن حالات الفساد المشتبه بها، ودعم الجهود الرامية إلى حماية المال العام، وتعزيز التعاون بين الجمهور والجهات الرقابية.
وتندرج هذه الحملة ضمن جهود أوسع لتعزيز قيم النزاهة والشفافية والمساءلة في الجهاز الإداري للدولة.
تستهدف الحكومة زيادة المشاركة المجتمعية في الكشف عن المخالفات بشكل أسرع، مما يتيح للمحققين اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين في الوقت المناسب، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة المؤسسية.
وأكد مسؤولون أن المشاركة المجتمعية تظل ركيزة أساسية في الجهود الوطنية لمكافحة الفساد وحماية الموارد العامة، وذلك في إطار قانوني سليم.
لكن تُظهر نتائج مؤشر مدركات الفساد الأخيرة أن الفساد لا يزال متجذراً بمنطقة الشرق الأوسط ومنها مصر، مما يؤثر سلباً على حياة الناس، وللتصدي لهذه الظاهرة، طالبت “الشفافية العالمية” وضع آليات تفتح المجال أمام المجتمع المدني وتضمن الشفافية، بدلاً من تقييدها، بجانب ضمان استقلالية هيئات مكافحة الفساد والرقابة، ومنحها صلاحيات أوسع، وتوفير الموارد والتدريب اللازمين لتمكينها من العمل بفعالية.
فبدون وجود آليات محاسبة ملائمة، سيستمر الفساد في التغلغل داخل المنطقة”.
كما طالبت الحكومات يبتنفيذ تدابير تفتح المجال أمام المجتمع المدني وتعززه، وتضمن وجود آليات رقابية مستقلة، وتسريع وتيرة الإصلاحات المتعلقة بشفافية “المستفيد الحقيقي” (الملكية النفعية) ومعالجة الثغرات في التنفيذ، بما يتيح للسلطات منع الفساد وكشفه والتحقيق فيه.
هل نستفيد من “اللاءات الثلاث”؟
خلال الافتتاح الرسمي للبرنامج التدريبي الإقليمي “الصيني-المصري” حول مكافحة الفساد للدول الإفريقية أخيرًا، تعهدت الصين بتعزيز التعاون بمجال مكافحة الفساد مع الدول الأفريقية، واصفةً التصدي للفساد بأنه يمثل آفاقاً جديدة في العلاقات الصينية-الإفريقية.
وقال تساي تشي تشيانج، نائب رئيس الأكاديمية الصينية لفحص الانضباط والرقابة، إن الإطار الصيني يقدم نموذجاً جديداً للحوكمة العالمية، ويرتكز على مبدأ “اللاءات الثلاث”، والذي يهدف إلى ضمان ألا يجرؤ المسؤولون على الفساد، وألا يتمكنوا منه، وألا يرغبوا فيه من الأساس، مضيفًا أن النموذج يجمع بين الانضباط الصارم، والإصلاح المؤسسي، والتوعية الفكرية، بهدف بناء استراتيجية لا يجد فيه الفساد أي مساحة للنمو أو الازدهار.
الفساد يعوق التنمية
تنبع أهمية مواجهة الفساد من تأثيره السلبي على الناتج المحلي، سواء بشكل مباشر أو على إنتاجية الدولة بشكل غير مباشر من خلال تأثيره على النمو عبر الإضرار بمختلف المتغيرات الاقتصادية كالاستثمار، والكفاءة الاقتصادية، والفقر، ورأس المال البشري، والتي هي بمثابة قنوات يؤثر الفساد عبرها على النمو بشكل غير مباشر.
وقد بحثت العديد من الدراسات هذه العلاقة غير المباشرة، وتوصلت إلى أن الأثر الكلي للفساد على النمو سلبي معنوي؛ فزيادة درجة واحدة للفساد يخفض النمو بنسبة %0,9، وذلك بعد الأخذ بالآثار غير المباشرة للفساد من جميع القنوات في الاعتبار، بينما يتمثل التأثير المباشر للفساد على النمو بانخفاض جودة البنية الأساسية العامة، والوقت الضائع في المساومة على الرشوة، وشروطها وضماناتها وسوء تخصيص الموارد.
كما يؤدي ايضًا لهجرة أصحاب الخبرات والكفاءات العلمية والفنية إلى خارج البلاد وتكبيد الدول خسائر ضخمة تُقدر بنحو 1,5 مليار دولار في الفترة من (1963-1953)، ذلك فيما يتعلق بنفقات تعليم وتدريب هذه الكفاءات، بينما ترتفع هذة الخسائر إلى عشرات المليارات، إذا أخذنا في الاعتبار الإنتاج الضخم الذي كان يمكن الوصول إليه باستغلال تلك الكفاءات، ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للدولة بشكل مباشر.
للدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، وعميد كلية الآداب سابقًا، دراسة شهيرة مع العديد من الباحثين عام 2013 بعنوان “الأطر الثقافية الحاكمة لسلوك المصريين واختياراتهم”، أكدت أن ٦٤.٣% من المصريين يخافون من المستقبل، وأن أهم أسباب الفساد هي انخفاض المرتبات ٨٩.٥%، وضعف أداء الأجهزة الرقابية ٨٩.٣%.
وأكدت الدراسة عدم قيام مجلس الشعب (مجلس النواب حاليًا) بجهد كاف لمراقبة الحكومة %٨٤.٩ ونقص المعلومات الصحيحة ٧٥% وتضارب وتعدد القوانين والاختصاصات ٧٤.١% وضعف المشاركة السياسية ٧١.٤%.
يؤثر على التعليم والرعاية الصحية
تؤكد الدراسات على أن التأثير السلبي للفساد على النمو الاقتصادي ينتقل أساسًا عن طريق تأثيره على رأس المال البشري، وعدم الاستقرار السياسي، فزيادة نقطة واحدة لمؤشر الفساد يقلل النمو بنسبة %0,5 عبر قناة رأس المال البشري، حيث كانت المساهمة النسبية لها في التأثير الكلي للفساد نحو %36,6، كذلك فإن الفساد يؤثر على التعليم بدرجة بالغة وعلى جودة الرعاية الصحية, حيث يؤدي ارتفاع الفساد بنقطة واحدة إلى انخفاض معدل الالتحاق بالتعليم بنحو 2,49 نقطة مئوية.
مع تراجع ترتيب مصر، يطالب قطاع من الخبراء الحكومة بإجراءات واضحة، ومراجعة مستقلة لكل استراتيجيات مكافحة الفساد منذ 2014، وإعلان نتائجها وأسباب الإخفاق، وتقديم تقرير سنوي للبرلمان عن قضايا الفساد والمخالفات والأموال المستردة، وتمكين الأجهزة الرقابية من ممارسة دورها كاملًا وفق القانون، ونشر بيانات الإنفاق العام والمشروعات والمناقصات وتكاليفها ونتائجها.
ووفقا للبياضي فإن الحكومة مطالبة أيضًا بتوفير حماية فعلية للمبلغين عن الفساد، وإتاحة المعلومات والتقارير الحكومية لتعزيز الشفافية والرقابة، وتفعيل الرقابة على تضارب المصالح والكسب غير المشروع والذمة المالية للمسؤولين، والتوسع في الخدمات الإلكترونية لتقليل فرص الرشوة والتلاعب، وضمان أن التعيينات والترقيات تكون بالكفاءة وليس بالواسطة والمحسوبية، متسائلاً: كيف تطلب الحكومة من المواطن تحمل ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء الاقتصادية، وفي نفس الوقت لا تقدم كشف حساب واضح عن حماية المال العام ومنع إهداره؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



