تعيد الهوية والأمن والحرب تشكيل نظرة الإسرائيليين إلى أوروبا.
وتتصدر ألمانيا والمجر قائمة الدول التي ينظر إليها باعتبارها صديقة لإسرائيل، فيما تأتي فرنسا وإسبانيا في مقدمة الدول التي يُنظر إليها باعتبارها الأكثر معاداة للسامية بحسب الرواية الإسرائيلية، بما يعكس تداخل المواقف السياسية مع التصورات المتعلقة بمعاداة السامية، ربما بشكل متعمد غالبا من الجانب الإسرائيلي، واعتبار الاحتجاجات الشعبية ضد الحرب تمثل الموقف الرسمي للدولة وأنها تعادي اليهود.

وتكشف نتائج مقياس المنتدى الأوروبي بالجامعة العبرية لعام 2026 عن فجوة بين الإسرائيليين والأوروبيين في تقدير أمن اليهود ومستقبل العلاقات مع إسرائيل.
نُفِذ الاستطلاع بالتعاون مع هيئات بحثية وأكاديمية ألمانية، بهدف رصد التصورات المتبادلة بين الجانبين، والعوامل السياسية والتاريخية والجغرافية والثقافية التي تؤثر فيها.
وشمل الاستطلاع 1,000 مشارك في كل من الدول الأوروبية الأربع محل التنفيذ، و1,003 مشاركين في إسرائيل.
وجُمعت البيانات في إسرائيل خلال مايو 2026، وفي الدول الأوروبية خلال يونيو ويوليو.
وتناول الاستبيان الإسرائيلي، المؤلف من 34 سؤالًا، قضايا الهوية والانتماء الثقافي، وتقييم الاتحاد الأوروبي، والدول الصديقة لإسرائيل، والتصورات المتعلقة بمعاداة السامية وأمن اليهود، مع مراعاة التنوع السكاني في العينة.
سنوات الحرب وخريطة الانتماء
أظهرت نتائج مقياس المنتدى الأوروبي بالجامعة العبرية لعام 2026 تغيرات في نظرة الإسرائيليين إلى هويتهم وموقع بلادهم بين الشرق الأوسط وأوروبا، وفي تقييمهم للدول الأوروبية ومواقف مجتمعاتها من إسرائيل.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب في غزة والمواجهة العسكرية مع إيران، كشفت النتائج عن تنامي الشعور بالهوية لدى قطاعات من اليهود الإسرائيليين، وتراجع الثقة بالاتحاد الأوروبي، واتساع الاعتقاد بأن مستقبل اليهود في أوروبا قد يصبح أكثر صعوبة.
وتتيح الدراسة مقارنة تصورات الإسرائيليين بنظرة الأوروبيين في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا إلى إسرائيل واليهود، ورصد التغيرات التي طرأت على اتجاهات الرأي العام لدى الجانبين. ويأتي استطلاع 2026 امتدادًا لجولتين سابقتين أُجريتا عامي 2022 و2024.
التحول نحو الشرق الأوسط
تُظهر النتائج أن إسرائيل ينظر اليها بدرجة أكبر كدولة شرق أوسطية.
ويبرز هذا التصور لدى المشاركين البولنديين والبريطانيين، بينما يسجل الألمان أعلى نسبة ممن يرونها دولة أوروبية.
كما تميل النساء أكثر من الرجال في البلدان التي شملتها الدراسة، إلى اعتبار إسرائيل دولة شرق أوسطية.
وعلى المستوى الإسرائيلي، وصف 42% من المشاركين إسرائيل بأنها أقرب إلى دولة شرق أوسطية، مقابل 18% رأوها أقرب إلى دولة أوروبية.
ويكشف هذا الفارق عن تباين في تصور موقع إسرائيل الجغرافي والثقافي، بين من يربطها ببيئتها الإقليمية، ومن يركز على روابطها التاريخية والثقافية والسياسية بأوروبا.

ويظهر هذا أيضا بين العرب في إسرائيل؛ إذ ارتفعت نسبة من يرون إسرائيل أقرب إلى الشرق الأوسط إلى 50%، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المستوى المسجل عام 2022.
الشعور بالهوية يزيد
فيما يتعلق بالهوية الوطنية، قال 48% من اليهود الإسرائيليين إن شعورهم بالهوية أصبح أقوى، مقابل 10% قالوا إنه ضعف. وفي المقابل، أفاد 37% من العرب في إسرائيل بتراجع شعورهم بالهوية.
وتربط الباحثة جيزيلا داكس، المشرفة على الدراسة، تنامي الشعور بالهوية لدى اليهود الإسرائيليين بأحداث السنوات الثلاث الماضية، لكنها تشير إلى أن أسباب تراجع هذا الشعور لدى العرب في إسرائيل تحتاج إلى مزيد من البحث.
أمن اليهود بين إسرائيل وأوروبا
يبرز الأمن كأحد المحاور الرئيسية للدراسة، التي تكشف عن فجوة واضحة بين الإسرائيليين والأوروبيين في تقدير المكان الأكثر أمانًا لليهود.
فقد رأى 71% من الإسرائيليين أن إسرائيل أكثر أمانًا لليهود من أوروبا.
أما بشأن مستقبل اليهود في أوروبا، فتوقع 69% من الإسرائيليين تدهور أوضاعهم، ارتفاعًا من 53% عام 2022. ويكشف هذا التغير عن اتساع التشاؤم الإسرائيلي حيال مستقبل الحياة في القارة، في ظل الحرب على غزة والمواقف الاوربية بشأن سياسات الحكومة الإسرائيلية.
ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن الأوضاع الأمنية الفعلية لليهود تدهورت بالقدر نفسه؛ فهي تعكس أساسًا مخاوف المشاركين وتوقعاتهم المستقبلية.
الاتحاد الأوروبي: مؤسسة موضع شك
يمثل تراجع تقييم الاتحاد الأوروبي أحد أبرز المؤشرات السياسية في الدراسة.
حيث انتقلت النظرة الإسرائيلية من اعتبار الاتحاد مشروعًا ناجحًا للتكامل الاقتصادي وحرية الحركة وتوحيد أوروبا، إلى تزايد الشك في قدرته على تحقيق أهدافه.
وتشير البيانات إلى أن نسبة الإسرائيليين الذين اعتبروا الاتحاد الأوروبي ناجحًا انخفضت من 57% عام 2022 إلى 27% عام 2026.
كما ارتفعت نسبة المعارضين لعبارة “الاتحاد الأوروبي عمومًا، يمثل نجاحًا” مقارنة بعام 2024، وكان الرفض أوضح بين اليهود الإسرائيليين.
ويأتي هذا في سياق اتساع الخلاف السياسي بشأن الحرب في غزة، والانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية، وتنامي الشعور لدى الإسرائيليين بأن المواقف الأوروبية لا تعكس مخاوفهم الأمنية بما يكفي.
لكن تقييم الاتحاد الأوروبي لا يتطابق بالضرورة مع الموقف من الدول الأوروبية منفردة، ويتضح من النتائج بأن الإسرائيليين لا ينظرون إلى أوروبا باعتبارها كتلة واحدة، بل يميزون بين دولها وفقًا لمواقفها السياسية وتصوراتهم عن تاريخها وعلاقتها بإسرائيل، ويظهر ذلك في التباين من فرنسا مقابل ألمانيا بوصفهما صديقين.
إذ تراجعت نسبة اليهود الإسرائيليين الذين وصفوا العلاقات مع فرنسا بأنها طبيعية إلى 17% عام 2026، مقابل 48% عام 2024.
وكان التراجع أقل حدة في تقييم العلاقات مع ألمانيا؛ إذ اعتبر 59% أن العلاقات معها طبيعية، مقارنة بـ 70% عام 2024.
وفى موضع آخر يتضح من حيث الوساطة، ودور ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وسيطًا في النزاعات الإقليمية، حيث عارض 59% من اليهود الإسرائيليين مشاركة هذه الدول في الوساطة، مقابل 39% عام 2024.
خريطة الدول الأوروبية في التصور الإسرائيلي
تقدم نتائج الاستطلاع صورة متفاوتة للعلاقات مع الدول الأوروبية التسع، التي شملتها أسئلة تقييم الصداقة ومعاداة السامية: ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا والنرويج وإسبانيا وإيطاليا وبولندا والمجر.
وتتصدر ألمانيا والمجر قائمة الدول التي ينظر إليها الإسرائيليون باعتبارها صديقة لإسرائيل، بما يعكس استمرار الثقل السياسي والرمزي للعلاقات مع برلين، إلى جانب تقدير مواقف بودابست.
ووفقًا للأرقام الواردة في نتائج الاستطلاع، يرى 42% من اليهود الإسرائيليين أن المجر صديقة لإسرائيل، مقابل 41% لألمانيا.
في المقابل، برزت فرنسا وإسبانيا في مقدمة الدول التي يصفها المشاركون الإسرائيليون بأنها الأكثر معاداة للسامية.
وتعكس هذه النتيجة تصورات المستجيبين عن مجتمعات البلدين ومواقفهما من اليهود.
وشهد تقييم هولندا تراجعًا ملحوظًا، لتصبح ضمن الدول الأقل صداقة لإسرائيل في نظر المشاركين.
ويشير ذلك إلى انحسار الانطباعات الإيجابية عنها. كما تراجعت صورة بولندا بالتزامن مع تغير مواقفها نسبيا تجاه إسرائيل.
ويظهر الاستطلاع أن نسبة 30% من البولنديين أصبحوا أكثر تأييدًا للفلسطينيين بسبب الحرب في غزة، مقارنة بنحو نصف هذه النسبة قبل عامين، بينما قال 4% فقط إنهم أصبحوا أكثر تأييدًا لإسرائيل.
وارتفعت كذلك معارضة استمرار الزيارات الإسرائيلية إلى بولندا للمشاركة في فعاليات إحياء ذكرى المحرقة. ويشير ذلك إلى امتداد تداعيات الحرب إلى ملفات تاريخية وعلاقات مجتمعية تتجاوز الخلافات السياسية الراهنة.
الانتقال إلى أوروبا والزيارات إلى إسرائيل

لا تزال نسبة الإسرائيليين الذين يفكرون في الانتقال للعيش في إحدى دول أوروبا محدودة. فبحسب المقياس، يفكر 9% من اليهود الإسرائيليين في الانتقال إلى دولة أوروبية، مقارنة بـ 16% عام 2024.
فيما يخص وجهة الانتقال والعيش، تتصدر البرتغال وقبرص وبريطانيا الوجهات المفضلة لدى اليهود الإسرائيليين، بينما يفضل العرب في إسرائيل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان.
أما الزيارات إلى إسرائيل، فتظهر تفاوتًا بين الدول الأوروبية الأربع. فقد بلغت نسبة من زاروا إسرائيل أكثر من مرة 13% لدى الألمان والبريطانيين، و7% لدى الفرنسيين، و8% لدى البولنديين.
وفي المقابل، بلغت نسبة من لم يزوروا إسرائيل ولا ينوون زيارتها 67% في ألمانيا وبريطانيا، و74% في فرنسا.
وتكشف هذه المؤشرات عن تفاوت مستويات الاتصال المباشر وتبادل الزيارات، وهو ما يساعد في فهم العلاقة بين التصورات العامة والخبرة الشخصية.
اليمين الأوروبي وحسابات المصلحة الإسرائيلية
رصدت الدراسة تغيرًا في النظرة الإسرائيلية إلى حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني القومي.
فقد انخفضت نسبة الإسرائيليين الذين اعتبروا تنامي دور الحزب تطورًا خطرًا من 55% عام 2024 إلى 47% عام 2026. وفي المقابل، ارتفعت نسبة من لا يرون فيه تهديدًا من 7% إلى 15%.
وتكشف النتائج أيضًا عن نزعة نفعية برجماتية لدى قطاع من اليهود الإسرائيليين، إذ يؤيدون استمرار العلاقات مع أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية إذا كانت داعمة لإسرائيل.
ويطرح هذا الاتجاه تساؤلًا بشأن حدود الفصل بين المواقف المؤيدة لإسرائيل والمخاوف التاريخية من التيارات القومية المتطرفة ومعاداة السامية.
المعرفة المتبادلة وصورة إسرائيل في أوروبا
يظهر الاستطلاع محدودية الاحتكاك الشخصي لدى شرائح من الأوروبيين.
فقد قال 58% من البولنديين، و43% من الفرنسيين، و42% من الألمان، و33% من البريطانيين إنهم لم يلتقوا يهوديًا أو إسرائيليًا من قبل.
وتشير الدراسة إلى أن صورة إسرائيل لدى المشاركين الأوروبيين ترتبط بموضوعات دينية وتاريخية وسياسية.
فقد حضرت القدس والأماكن المقدسة في تصوراتهم، إلى جانب النزاع والحرب.
كما ورد مصطلح “الإبادة الجماعية” ضمن الارتباطات التي ذكرها بعض المشاركين، بنسب بلغت 13% في ألمانيا، و16% في بريطانيا، و23% في فرنسا.
وتعكس هذه النتائج حضور الدين والصراع والتاريخ في الصورة الذهنية لإسرائيل لدى قطاعات من الأوروبيين، من دون أن يعني ذلك اختزال مواقفهم أو اهتماماتهم في هذه الموضوعات وحدها.
تباعد في التصورات
تكشف دراسة 2026 عن تزامن ثلاثة اتجاهات رئيسية: تنامي الشعور بالهوية الإسرائيلية لدى قطاعات من اليهود، وتزايد النظر إلى إسرائيل باعتبارها أقرب إلى الشرق الأوسط منها إلى أوروبا، وتراجع تقييم الإسرائيليين للاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأوروبية.

لكن استمرار حضور ألمانيا والمجر في مقدمة الدول التي ينظر إليها الإسرائيليون باعتبارها صديقة، إلى جانب التباين بين الدول الأوروبية في تقدير أمن اليهود، يكشف أن هذا التباعد يعكس خريطة متباينة من التصورات والمواقف تتشكل في سياق الحرب والخلافات السياسية، وسرعة التغير في الرأي العام الإسرائيلي تجاه الدول الأوروبية حسب ما يعلن من تصريحات، وليس حتى المواقف العلنية.
يظهر ذلك بالوضوح فقد دعمت كلا من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا تسليح إسرائيل طوال الحرب على غزة، وتغيرت نسبياً مواقف فرنسا من وقف الحرب، بينما كانت مواقف إسبانيا في رفض الحرب وتسليح إسرائيل أكثر وضوحاً في اتساق بين التصريحات والسياسات المطبقة، وكانت أقرب إلى ما تعلنه مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




