في أقل من مائة ساعة أو أربعة أيام فقط، نجحت حركة الضباط الأحرار في عزل الملك فاروق، وكان ذلك وقتها مطلباَ وطنياَ عظيماً على أساس أن القصر الملكي يتحمل المسؤولية عن إفساد الحياة السياسية بكاملها.
كان إصلاح السياسة يستلزم عزل الملك، لهذا رحب جميع المصريين باختفائه من المشهد السياسي.
وساعتها أذاع اللواء محمد نجيب بياناً إلى الأمة المصرية يزف إليها الخبر، ويبشرها بالمزيد من الإصلاحات، ويطلب من الشعب الإخلاد إلى الهدوء والسكينة حتى يتمكن أبناؤه الضباط أن يسيروا في خدمة قضاياه العادلة في أمان وسلام.
الضباط – بأنفسهم – أنجزوا كل شيء، لم يكونوا في حاجة إلى شراكة شعبية ولا مشاركة شعبية.
فقط احتاجوا أمرين: أن يُعلن الشعب تأييده لهم ومؤازرته لما يقومون به، ثم أن يركن الشعب على جنب ويخلد إلى الهدوء والسكينة.
وبذلك أنجز الضباط كل المطالب بدون أي شركاء من القوى المدنية، فلم يشارك الوفد، ولم يشارك أي حزب من أحزاب الحكم أو المعارضة.
لهذا كان مجلس قيادة الثورة كله محصورة عضويته في الضباط فقط.
بعض الحركات والتنظيمات والأحزاب كانت ذات اقتراب من الضباط لكن دون أن ترقى إلى مرتبة الشركاء في انجاز الثورة.
إنجاز الثورة كان حصراً على الضباط الشبان فقط وحتى اللواء محمد نجيب كان دخيلاً عليهم، كان الدخيل الواجهة المقبولة شعبياً التي كانوا في مسيس الحاجة إليه في الأيام الأولى للثورة، ثم استغنوا بعد ذلك عن خدماته كما استغنوا عن خدمات بعض التنظيمات، التي تطوعت بدور الظهير الشعبي في الأيام الأولى من الثورة ثم بعد ذلك جرى الاستغناء عنهم بعد أزمة مارس 1954 التي انتهت بهيمنة الضباط هيمنة كاملة على مسار الثورة دون أدنى مكان لأدنى شريك مدني.
كانت أزمة مارس 1954 نقطة فاصلة اتضحت فيها الملامح العسكرية المحضة لحركة الضباط.
كما كانت نقطة فاصلة اتضحت فيها النهاية الأكيدة لحقبة السياسة المدنية الديمقراطية التي أعقبت الثورة الشعبية المدنية الديمقراطية في مارس وإبريل 1919.
ثورة العرابيين كانت مزيجاً بين مدني وعسكري.
ثورة 1919 كانت تجلياً مدنياً شعبياً ديمقراطياً محضاً دون أدنى مشاركة عسكرية.
ثورة 23 يوليو 1952 كانت النقيض التاريخي لثورة 1919.
النقيض الذي ينجز ما عجزت عن إنجازه ثورة 1919.
ثم النقيض الذي يشق طريقاً في السياسة والحكم والإدارة يختلف- بالكلية- عن ثورة 1919.
الثورة العرابية- الخليط من مدني وعسكري- بدأت قوية واعدة عالية الصوت إلى حد الصراخ، لكنها تعثرت سواء في إقامة حياة دستورية أو إصلاح مالية البلاد المتدهورة أو إعادة تنظيم أوضاع الجيش المرتبكة ثم داهمتها تطورات الأحداث بغزو بريطاني مسلح، فانهزمت في ميادين القتال كما انهزمت في ميادين السياسة.
لكنها رغم الهزيمتين كانت محاولة شريفة المقصد ونزيهة الغرض وكانت فاتحة الحيوية السياسية لدى المصريين بعد ثلاثة أرباع قرن من حكم الباشا وسلالته.
ثورة 1919 قامت وذكريات الثورة العرابية ما زالت حية في الوجدان الشعبي.
هذا يفسر لك ما امتازت به ثورة 1919 وهو أنها لم تبدأ من أعلى، لم تبدأ من النخب المدنية العليا ولا من ضباط الجيش مثلما كانت الثورة العرابية في حقيقتها ثورة نخبة لم ينضم إليها الشعب إلا في مراحلها الأخيرة، وبالذات في الحرب ضد الغزو البريطاني حيث تطوع الفلاحون بجسارة للانتظام في صفوف المقاتلين على كل جبهات الاشتباك مع الغزاة الإنجليز.
عظمة ثورة 1919 أنها بدأت من تحت، بل من تحت التحت، بدأت من طين الأرض، بدأت من الفلاحين الذين كانوا هم غالبية الشعب والذين كانوا هم أصدق من في الشعب، والذين كانوا آخر من التحق بثورة العرابيين.
لكن هؤلاء الفلاحين لم تكن لديهم أدنى خبرة في التنظيم السياسي والقيادة والعمل العام فآلت مصائر ثورة 1919 بين أيادي طبقتين: الطبقة العليا من كبار الملاك ثم الطبقة الوسطى من كبار الأفندية والمهنيين من خريجي التعليم المدني الحديث.
هذا المزيج الطبقي من كبار الملاك والافندية هم من رسموا ملامح الحقبة المدنية الديمقراطية الليبرالية التي أعقبت ثورة 1919.
كان منهجهم يقوم على استدعاء الشعب وحضور الشعب وقوة الشعب ووعي الشعب لأجل الاستقواء به لتحقيق المطلبين الذين قامت لأجلهما ثورة 1919 وهما: مطلب الاستقلال في مواجهة الاحتلال ثم مطلب الحكم النيابي البرلماني الدستوري في مواجهة الحكام من سلالة محمد علي باشا.
كان مطلب الاستقلال يتم السعي إليه من خلال التفاوض مع الاحتلال.
وكان مطلب الحكم الدستوري يتم السعي إليه من خلال الاحتكام إلى أغلبية انتخابية تواجه الملك وأحزاب الأقلية ومن ورائهم الاحتلال.
نخبة ثورة 1919 لم يكن في يدها غير الشعب الذي منحها التوكيلات للحديث بالوكالة عنه، ثم كانت- ممثلة في الوفد- تلجأ إليه في كل انتخابات تلتمس تصويته لصالحها حتى تفوز بأغلبية برلمانية تتمكن بها من مقاليد السلطة في البلاد.
على النقيض من ذلك جاءت نخبة ثورة 23 يوليو 1952، فقد تحركت عند منتصف الليل، تمسك بالهراوة الغليظة تحت جنح الظلام ولم يسفر الصباح إلا وكانت وضعت يدها على مفاتيح القوة في البلاد، واستيقظ الشعب من نومه ليفرك عينيه ويطقطق أذنيه وليسمع بيان الحركة المظفرة بصوت البكباشي محمد أنور السادات.
وبالهراوة الغليظة وحدها جرى: عزل الملك، ثم إلغاء الملكية، وإلغاء الدستور، وإلغاء الأحزاب، وكنس طبقة ثورة 1919 من المشهد السياسي كنساً تاماً، ثم إعلان الجمهورية، ثم اعتماد نظام الحزب الواحد، ثم اعتماد نظام الاستفتاء على مرشح رئاسي واحد، ثم بناء نظام سياسي محوره ونقطة ارتكازه هو شخص الرئيس ثم شخص الرئيس لديه حرية تصرف غير محدودة، بدءاً من كتابة الدستور حسب رؤيته وتفضيلاته واختياراته الشخصية، ثم تشكيل البرلمان، ثم تشكيل السلطة التنفيذية، ثم تشكيل السلطة القضائية، ثم تشكيل الصحافة والإعلام والثقافة والجامعات وكافة منابر التفكير، ثم تشكيل كافة مؤسسات ومرافق الدولة، ثم تشكيل المجتمع ذاته وكياناته وتنويعاته بما في ذلك الأسرة وقوانينها، ثم في نهاية المطاف تشكيل أدمغة وضمائر وأذواق ومشاعر وتوجهات الأفراد كأفراد سائبين منفرطين متناثرين مفككين، لا يربطهم رابط سياسي ولا ينظمهم عقد اجتماعي إلا روابط الدم والقرابة والجيرة والزمالة في العمل والدراسة والهوايات الفنية والأنشطة الرياضية .
منذ يومها الأول، كانت ثورة يوليو 1952 واضحة وضوح الشمس: حركة ضباط مشفية بلا أي شغت مدني أو عظم شعبي بدليل خلو مجلس قيادتها من غير الضباط خلواً كاملاً، ثم هي طلبت بوضوح من الشعب ونخبه المدنية أن يخلد إلى الهدوء والسكينة، ثم هي حددت دور الشعب ونخبه المدنية في أمرين: التأييد ثم المؤازرة وهما بمعنى واحد.
لقد اختلفت الأنظمة التي ولدت من رحم يوليو في كل شيء تقريباً، لكنها اتفقت، وسوف تظل مخلصة للاتفاق على جوهر نظام الحكم حيث: رئيس فرد لديه صلاحيات غير محدودة في تشكيل النظام السياسي من كتابة الدستور الأعلى إلى تسديد خانات البرلمان والوزارة مجرد تسديد خانات إلى السيطرة المحكمة على كافة سلطات ومؤسسات وهيئات ومرافق الدولة والمجتمع، نزولاً إلى تشكيل مصائر وبصائر ومشاعر وأفكار وأذواق وضمائر الأفراد.
لقد عاشت هذه الصيغة ثلاثة أرباع قرن، وأتوقع أن تعيش مثلها، أي إلى نهاية القرن الـ 21.
لماذا هذا التوقع وعلى أي أساس؟
من العقل والواقع والمنطق؟
هذا موضوع مقال الأربعاء المقبل إن شاء الله.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




