بالبلدي : المهندس وليد مرسي: المستشفى الحديث يعالج الإنسان قبل المرض.. والعمارة شريك في مستقبل الرعاية الصحية

بالبلدي : المهندس وليد مرسي: المستشفى الحديث يعالج الإنسان قبل المرض.. والعمارة شريك في مستقبل الرعاية الصحية
بالبلدي : المهندس
      وليد
      مرسي:
      المستشفى
      الحديث
      يعالج
      الإنسان
      قبل
      المرض..
      والعمارة
      شريك
      في
      مستقبل
      الرعاية
      الصحية

ماذا لو بدأ دور المستشفى قبل أن يدخل المريض غرفة العلاج؟ وماذا لو كانت العمارة نفسها قادرة على تقليل التوتر، ودعم التعافي، وحماية الأطقم الطبية، ومواجهة الأوبئة وموجات الحر والفيضانات وانقطاع الخدمات؟ هذه الأسئلة لم تعد تنتمي إلى تصورات مستقبلية بعيدة، بل أصبحت في قلب النقاش العالمي حول مستشفيات أكثر أمانًا واستدامة ومرونة، تستطيع مواكبة التحولات المتسارعة في الطب والتكنولوجيا والمناخ.

 

وفي هذا المشهد الجديد، لم يعد تصميم المستشفى يبدأ من الواجهات أو توزيع الغرف فحسب، بل من الإنسان نفسه: كيف يتحرك المريض؟ كيف يعمل الطبيب والتمريض لساعات طويلة بكفاءة وأمان؟ كيف يصل الدواء والإمداد وتخرج النفايات دون تعارض؟ كيف يدخل الضوء والطبيعة إلى بيئة العلاج دون الإخلال بمكافحة العدوى؟ وكيف يواصل المستشفى عمله عندما تتعرض المدينة لأزمة؟

 

ومن هنا يطرح المهندس وليد مرسي رؤية تقوم على مفهوم «المستشفى الذي يعالج الإنسان قبل المرض»، وهي فلسفة لا تعني أن العمارة تحل محل الطب، وإنما أن البيئة المبنية يمكن أن تصبح شريكًا في منظومة الرعاية؛ تقلل مصادر الإجهاد والمخاطر، وترفع كفاءة التشغيل، وتدعم العاملين، وتحسن تجربة المريض، وفي الوقت نفسه تجعل المنشأة أكثر استعدادًا للتغيرات المناخية والتكنولوجية واحتياجات المستقبل.

وأكد المهندس وليد مرسي، عضو لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال، والمؤسس والرئيس التنفيذي لمكتب DCI PLUS للاستشارات الهندسية والتخطيط العمراني، أن مفهوم تصميم المستشفيات يشهد تحولًا جوهريًا، فلم يعد المستشفى مجرد مبنى يضم غرفًا وأجهزة وتجهيزات طبية، وإنما أصبح منظومة صحية متكاملة تتفاعل داخلها العمارة والهندسة والتشغيل مع الطب والطبيعة والاستدامة، بما ينعكس على سلامة المريض وكفاءة ورفاه العاملين وقدرة المنشأة الصحية على الاستمرار ومواجهة الأزمات والتطور مستقبلًا.

 

وأوضح مرسي أن فلسفة المستشفيات الحديثة والمستقبلية يجب أن تنطلق من اعتبار المبنى جزءًا من بيئة العلاج والتعافي، وليس مجرد خلفية محايدة لتقديم الخدمة الطبية، مشيرًا إلى أن جودة الرعاية لا تتحدد داخل غرف العمليات أو وحدات العناية المركزة فقط، وإنما تتأثر أيضًا بالضوء والضوضاء وجودة الهواء والخصوصية وسهولة الحركة ووضوح التوجيه وإمكانية الوصول إلى الطبيعة وراحة الأطقم الطبية وكفاءة الخدمات المساندة.

 

وأضاف أن الاتجاهات الحديثة في إدارة جودة المؤسسات الصحية تربط بين سلامة المرضى ورفاه العاملين وإدارة المخاطر وقياس الأداء والتحسين المستمر باعتبارها عناصر داخل منظومة واحدة، وهو ما يفرض ألا ينفصل التصميم المعماري عن التشغيل الفعلي للمستشفى، وأن يبدأ التصميم من دراسة مسارات المرضى والعاملين والإمدادات والنفايات والطوارئ والخدمات، ثم تتشكل الكتلة المعمارية حول العلاقات بين هذه المسارات وليس العكس.

 

وأشار إلى أن الفصل الواضح بين حركة المرضى والزوار والطواقم الطبية والإمدادات النظيفة والنفايات وخدمات الطعام ومسارات الطوارئ يمثل أحد العناصر الأساسية لسلامة المنشأة وكفاءة تشغيلها، موضحًا أن غرف الرعاية ومناطق الإجراءات الطبية والخدمات المساندة يجب ألا تُعامل باعتبارها فراغات منفصلة، وإنما كمنظومة واحدة ترتبط فيها التهوية والإنارة والصوت والمواد والخصوصية والحركة.

 

وأكد عضو لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال أن أي فلسفة معمارية للمستشفى تفقد قيمتها إذا تعارضت مع مكافحة العدوى أو السلامة من الحريق أو جودة الهواء أو كفاءة الحركة الطبية أو سهولة الوصول إلى المعدات والخدمات، مشددًا على أن ترتيب الأولويات يجب أن يبدأ بالسلامة السريرية، ثم الأداء التشغيلي وراحة الإنسان والكفاءة البيئية، وصولًا إلى التعبير الجمالي، بحيث يصبح الشكل المعماري نتيجة لمنظومة تعمل بكفاءة وليس هدفًا منفصلًا عنها.

 

وأوضح مرسي أن الارتباط بالطبيعة أصبح أحد الاتجاهات المهمة في العمارة الصحية الحديثة، لكنه لا يعني مجرد وضع النباتات داخل الردهات، وإنما يتمثل في إعادة بناء علاقة الإنسان بالضوء الطبيعي والسماء والمشهد الأخضر والماء والمواد الطبيعية والإيقاع اليومي للضوء والظل، مع الالتزام الصارم بمتطلبات السلامة والنظافة ومكافحة العدوى.

 

وأضاف أن الأدلة الحديثة تقدم نتائج واعدة بشأن تأثير الإطلالات الخضراء والضوء الطبيعي والحدائق العلاجية والمواد الطبيعية في تقليل التوتر وتحسين الرفاه والرضا عن البيئة العلاجية، بينما لا تزال بعض النتائج السريرية طويلة الأجل بحاجة إلى مزيد من الدراسات الصارمة، مؤكدًا ضرورة استخدام الطبيعة كاستراتيجية تصميم تستند إلى الأدلة العلمية والهندسية وليس كشعار تسويقي، وألا يتحول أي مفهوم لا يمتلك دليلًا سريريًا أو هندسيًا كافيًا إلى ادعاء علاجي.

 

وأكد مرسي أن مفهوم الاستدامة في المستشفيات أوسع كثيرًا من توفير الطاقة أو خفض فاتورة الكهرباء، فالمستشفى المستدام هو القادر على الاستمرار في تقديم الرعاية بكفاءة في الظروف الطبيعية والاستثنائية، وهو ما يبدأ من تقليل الطلب على الموارد من خلال التوجيه المدروس للمبنى والتحكم في الكسب الشمسي وكفاءة الغلاف الخارجي والاستفادة من الإضاءة الطبيعية وإدارة المياه وتقليل الهدر واختيار المواد التي تتناسب مع العمر التشغيلي للمبنى ومتطلبات صيانته.

 

وأضاف أن البنية التحتية للمستشفى يجب أن تُصمم باعتبارها نظامًا مرنًا يعتمد على مصادر طاقة احتياطية وإمدادات مياه موثوقة وإدارة فعالة للهواء والتهوية وإمكانية عزل قطاعات من المنشأة عند الضرورة، إلى جانب خطط تضمن استمرار الخدمات الحيوية أثناء الأوبئة أو موجات الحرارة أو الفيضانات أو انقطاع الخدمات، مؤكدًا أن الاستدامة الحقيقية لا تعني تقليل فاتورة التشغيل فقط، وإنما تقليل احتمالات توقف الرعاية الصحية نفسها.

 

وأشار إلى أن التغير المناخي أعاد تعريف المخاطر التي يتعين على المنشآت الصحية الاستعداد لها، إذ يمكن أن تتحول موجات الحر والعواصف والفيضانات والضغط على شبكات الكهرباء والمياه وتعطل سلاسل الإمداد سريعًا إلى مخاطر تؤثر في تقديم الرعاية للمرضى، وهو ما يجعل تقييم المخاطر المناخية ضرورة منذ مرحلة التخطيط الأولى للمشروع وليس بعد اكتمال المبنى.

 

وأوضح أن هذه المخاطر يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند اختيار الموقع ومنسوب المنشأة ومسارات الخدمات وحماية المعدات الحيوية وتقسيم الشبكات وإدارة الطاقة والمياه، لافتًا إلى أن المستشفى المرن مناخيًا هو القادر على توقع الأزمات والاستجابة لها وامتصاص آثارها والتعافي والتكيف معها مع استمرار الوظائف الصحية الأساسية، بما يجعل عددًا من القرارات الهندسية والمعمارية قرارات مرتبطة بصورة مباشرة بسلامة المرضى.

 

وشدد مرسي على أن أحد أكبر الأخطاء في تصميم المستشفيات هو إنشاء مبنى يلائم احتياجات لحظة افتتاحه فقط، لأن الطب والأجهزة ونماذج الرعاية وأعداد المرضى تتغير باستمرار، ولذلك يجب أن تصبح المرونة جزءًا أصيلًا من البرنامج التصميمي، من خلال غرف قابلة للتكيف وشبكات خدمات يمكن تعديلها ومناطق قابلة لإعادة التقسيم ومساحات تسمح بالتمدد أو إعادة الاستخدام، حتى يظل المبنى قادرًا على استيعاب التحولات الطبية والتكنولوجية بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.

 

وأضاف أن المستقبل سيشهد توسعًا أكبر في التشخيص عن بُعد والرعاية خارج المستشفى والمراقبة الرقمية وتحليل البيانات والروبوتات والأنظمة الذكية، لكن التكنولوجيا يجب ألا تفرض شكل المنشأة وإنما تخدم نموذج الرعاية، مؤكدًا أن «المستشفى الذكي ليس المبنى الذي يحتوي على أكبر عدد من الشاشات، وإنما الذي يوظف التكنولوجيا لإنتاج قرار أفضل، وتقليل الأخطاء، واختصار الوقت، وتخفيف العبء على العاملين».

 

وأكد مرسي أن تصميم المستشفى لا ينبغي أن يركز على المريض ويتجاهل الأطباء والتمريض وباقي الأطقم التي تقضي ساعات طويلة داخل المنشأة، موضحًا أن جودة بيئة العمل وسهولة الحركة وتقليل الضوضاء وتوفير مساحات مناسبة للراحة والوصول السريع إلى الخدمات عناصر تؤثر في كفاءة العاملين وقدرتهم على تقديم الرعاية، وأن المستشفى الذي يقلل مصادر الإجهاد ويحسن حركة الأطقم الطبية ويوفر بيئة عمل أكثر راحة يدعم في الوقت نفسه منظومة سلامة المريض وجودة الخدمة.

 

وأشار إلى أن الحكم على نجاح المستشفى لا يجب أن ينتهي عند تسليم المشروع أو افتتاحه، وإنما يبدأ فعليًا مع التشغيل، من خلال قياس استهلاك الطاقة والمياه وجودة الهواء ومستويات الضوضاء وراحة المستخدمين وكفاءة المسارات وأزمنة الانتقال وإنتاجية العاملين والأعطال وتكاليف التشغيل والصيانة، معتبرًا أن هذا النهج يمثل انتقالًا من عمارة تعتمد على النية إلى عمارة تعتمد على البيانات وقياس الأداء الفعلي.

 

وأضاف أن المعايير الدولية المتعلقة بتصميم المنشآت الصحية والتهوية وإدارة الجودة والاستدامة والمرونة يجب فهمها باعتبارها منظومات متكاملة، لكنها لا تحل محل الأكواد والقوانين المحلية أو اشتراطات الترخيص، وإنما تعمل معها وفق ما تعتمده الجهات المختصة في كل دولة ومشروع.

 

وأكد مرسي أن التفكير في المستشفى المستقبلي يجب ألا يتوقف عند حدود المبنى، وإنما يمتد إلى علاقته بالتخطيط العمراني والمدينة المحيطة به، بداية من اختيار الموقع وسهولة الوصول إليه وربطه بشبكات الحركة والخدمات، وصولًا إلى قدرته على التعامل مع الأزمات والكوارث والضغوط السكانية والمناخية.

 

وأوضح أن المنشأة الصحية تمثل عنصرًا رئيسيًا في مرونة المدن، ومن ثم يجب أن ينظر التخطيط العمراني للمستشفيات إلى توزيع الخدمات الصحية وسهولة الوصول والبنية التحتية والطوارئ والنمو السكاني المتوقع باعتبارها عناصر مترابطة وليست قرارات منفصلة.

 

وأكد المهندس وليد مرسي أن مستقبل المستشفيات لن يُبنى فقط على المزيد من التكنولوجيا، وإنما على ذكاء أكبر في تحقيق التكامل بين الإنسان والطبيعة والهندسة والطب والتشغيل والتخطيط العمراني، موضحًا أن العمارة الجيدة لا تنافس الطبيب، وإنما تمنحه بيئة أكثر كفاءة، ولا تستعرض الاستدامة وإنما تجعلها جزءًا من التشغيل، ولا تستخدم الطبيعة كصورة جمالية فقط، وإنما توظفها لتحسين التجربة الإنسانية عندما تسمح الوظيفة الطبية ومتطلبات مكافحة العدوى والسلامة بذلك.

 

واختتم مرسي بالتأكيد على أن المستشفى الناجح في القرن الحادي والعشرين يجب أن يكون «دقيقًا كالمعمل، ومرنًا كالنظام الحي، وهادئًا كبيئة التعافي، وقويًا بما يكفي لمواجهة الأزمات»، مشددًا على أن المستشفى الذي يتم تصميمه اليوم لا يجب أن يجيب فقط عن سؤال: «كيف نعالج المرض؟»، وإنما عن سؤال أكبر: «كيف نصمم بيئة تساعد الإنسان على التعافي، وتساعد المؤسسة الصحية على الاستمرار، وتساعد المدينة على أن تصبح أكثر صحة؟».

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" سي نيوز "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : ماذا تقول الأرقام عن ضحايا الحرب في قطاع غزة؟ ومن دفع الثمن الأكبر؟ - BBC
التالى بالبلدي: أمير جازان يطّلع على تقرير فرع الموارد البشرية لعام 2026

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay