هناك في العالم العربي والشرق الأوسط نماذج ناجحة عرفت شراكة للسلطة كان من شروطها وجود طرف له الكلمة العليا في البلاد سمح بوجود هامش سياسي ونظام تعددي مقيد، كما جرى مع تجربة السلطة الملكية في المغرب التي سمحت بوجود حياة سياسية وديمقراطية مقيدة وتداول سلطة بين الأحزاب والقوى السياسية على أرضية النظام الملكي، وفي إطار احترام سلطة الملك الدستورية، كما أن هناك نموذجا آخر مختلف جذريا عن المغرب، وهو إيران فيه المرشد يقود ويحكم وله حق الفيتو في الحياة العامة والسياسية، ولكنه سمح للأحزاب والقوى السياسية بالتواجد والصراع بين التيار الإصلاحي والمحافظ على أرضية نظام الولي الفقيه وقيادة المرشد.
كما أن هناك نماذج فشل لتقاسم السلطة “قبل استقرار السلطة” مثلما جرى في ليبيا والسودان، فبلد مثل ليبيا عرف منذ اتفاق الصخيرات في ٢٠١٥ وحتى ملتقى الحوار الليبي في ٢٠٢١ وتشكيل حكومة الدبيبة محاولات مستمرة لتقاسم السلطة بين أطراف متصارعة دون أن يكون هناك توافق على مؤسسات تنظم هذا الصراع، وتضع قواعد صارمة يحترمها الجميع، وأيضا مركز سلطة يقبله الجميع، وظلت ليبيا تعاني على مدار 15 عاما، إما من اتفاقات لتقاسم السلطة لا تنفذ في الواقع، وإما من الحديث المتكرر عن إجراء انتخابات في نهاية العام وكل عام بصرف النظر عما إذا كانت ستنتج سلطة قادرة على أن تبسط سلطتها وشرعيتها على كل الأراضي الليبية أم لا.
أما السودان فمنذ نجاح ثورته والمجتمع الدولي حاضر في مساره السياسي، وقام ولو مضطرا بتأسيس نموذج قائم أيضا على اقتسام السلطة بين أطراف متناقضة سواء كانت قوى سياسية مدنية أو عسكرية، وأنتج مرحلة انتقالية هشة قائمة على الموائمات التي تعمق الخلافات في الواقع وتخفيها في العلن، حتى انفجرت في وجه الجميع بالمواجهات الدموية بين الجيش والدعم السريع والمستمرة حتى الآن.
والمؤكد، أن الاحتجاج والتغيير لا يؤدي بالضرورة إلى الفوضى والذهاب إلى النموذج الفاشل في اقتسام السلطة، كما جرى في السودان وليبيا، فقد عرفت كل من مصر وتونس انتفاضات شعبية، ومع ذلك حافظت على مؤسساتها ولم تدخل في نظام تقاسم السلطة كمخرج من انقسامات الواقع المعاش، كما أن حالة المغرب كبلد يعيش في ظل سلطة ملكية راسخة منذ عقود ولديها شرعية شعبية وقانونية وبعد ديني، مما جعلها قادرة أن تكون هي مركز السلطة وتسمح بهامش سياسي للأحزاب السياسية من خلال برلمان منتخب قادر على تشكيل الحكومة بشكل مستقل، أما إيران فقد وصلت لسلطة المرشد المركزية بعد ثورة شعبية واسعة رسخت حكمها بعد سنوات من العنف والدماء.
أما بلد مثل السودان، فقد كان الأمر مختلفا؛ لأن هناك قوى متعددة صنعت الثورة، واعتبر كثيرون أنها تمت بشراكة مدنية عسكرية، فأصبح الحل في مشروع انتقالي قائم على تقاسم السلطة بين هذه الأطراف مما أضعف وجود السلطة المركزية، وكذلك ليبيا التي عرفت أيضا انقسام بين الشرق والغرب وخلافات ومواجهات عنيفة بين فصائل سياسية وعسكرية في الغرب، فكان لا بد أن تكون مشاريع الخروج من الأزمة قائمة على تقاسم السلطة.
ومع فشل مشاريع اقتسام السلطة في ليبيا والسودان وقبلهما تونس قبل قرارات الرئيس قيس سعيد الفردية، أصبح مطلوبا البحث عن نموذج أو إطار (Frame) جديد لا يعيد إنتاج نماذج الفشل في تقاسم السلطة، وفي نفس الوقت لا يعيد إنتاج سلطة مركزية ديكتاتورية لا تقبل أي شراكات، إنما يجب أن يعطي ثقته لطرف أو مشروع سياسي، يكون محل توافق بين معظم الأطراف ويحول المجتمع الدولي دفة جهوده من التركيز على خلق سلطة ضعيفة مفتتة، إما للسيطرة عليها وإما خوفا من إعادة إنتاج النظام القديم والديكتاتورية إلى الرهان على سلطة واحدة في كل من السودان وليبيا يضع عليه المجتمع الدولي ضغوط حقيقية، حتى لا يعيد إنتاج نظامي البشير والقذافي.
لا يجب أن تستمر الضغوط الدولية لصالح بناء نظام فاشل، فلم ينجح نموذج “اقتسام السلطة” في السودان وأنتج حربا بدلا من انتقال ديمقراطي، كما إنه فشل في أن يحدث أي توافق في الواقع داخل ليبيا، وهو فشل يدفع الكثيرين للبحث إما عن المخلص المستبد أو إلى الفوضى والاقتتال الأهلي.
كل الحوارات والمؤتمرات والمبعوثين الأمميين واجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتصريحات زعماء الدول الكبرى من أجل إحلال السلام في السودان أو إجراء الانتخابات في ليبيا يجب أن تضع إطارا جديدا مختلفا عن الذي حكم تحركاتهم جميعا طوال الفترة الماضية، والبداية ستكون بالرهان كما في كل الدنيا على خلق سلطة واحدة ويكون من شروط وجودها استدعاء نماذج الشراكة في السلطة الناجحة والموجودة في أكثر من بلد في المنطقة، واستبعاد الديكتاتورية الكاملة التي تغلق المجال العام والسياسي، وهي كلها خيارات ممكنة يمكن الوصول إليها بمراحل متدرجة من خلال سلطة واحدة يكون من شروط استمرارها وجود هامش حقيقي للتيارات السياسية المختلفة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



