بالبلدي: متى يحال يوليو وناصر على ذمة التاريخ؟ السياسة بالفولكور.. من إضاءة السودان إلى الأرصدة الإسترلينية!! (6)

بالبلدي: متى يحال يوليو وناصر على ذمة التاريخ؟ السياسة بالفولكور.. من إضاءة السودان إلى الأرصدة الإسترلينية!! (6)
بالبلدي: متى
      يحال
      يوليو
      وناصر
      على
      ذمة
      التاريخ؟
      السياسة
      بالفولكور..
      من
      إضاءة
      السودان
      إلى
      الأرصدة
      الإسترلينية!!
      (6)

كلنا نعرف السياسة بالوثائق والسياسة بالمناورات أو بالمؤامرات، كما نعرف السياسة بالتصريحات والخطابات والقرارات، أما أن تكون السياسة أو الأحكام والآراء السياسية مؤسسة على فولكلوريات، ومستمدة منها، وذلك على مستوى النخب المتعلمة، فهذه ظاهرة تختص بها النخبة المصرية المتعلمة الكارهة لجمال عبد الناصر بالذات، دون بقية رؤساء جمهورية الضباط.

مثلاً تجد ليبراليًا من قدامى أو محدِثي حزب الوفد، كما تجد كادرًا إخوانيًا عريقًا، وكذلك تصادف (مثقفًا) من أتباع موضة حكاوي القهاوي ضد من يسمونهم تهكمًا بأبناء عبد الواحد الجنايني، يقول بكل الثقة إن عبد الناصر أضاع السودان، وأن ملك مصر كان لقبه الرسمي هو ملك مصر والسودان، وصاحب بلاد النوبة ودارفور وكردفان، فإن رددت عليه بالحقائق المجردة تصرعه المفاجأة على النحو الذي وصف به الأستاذ عباس محمود العقاد العنصري الأبيض المسيحي المعادي للسامية، عندما يُجابه بمقولة إن السيد المسيح عليه السلام ولد ساميًا، ومات ساميًا هو نفسه.

فما هي تلك الحقائق التي تصرع أصحاب فولكلور أن عبد الناصر أضاع السودان؟

بغض النظر عن أن هذا الادعاء هو زعم استعماري صرف، لأنه يعتبر أرض السودان وشعبها أملاكًا مصرية، على غير إرادة السودانيين على طريقة قول الاستعماريين الفرنسيين إن الجزائر جزء من فرنسا، وبصرف النظر عن تنصل دعاة الوحدة مع مصر (وليس التبعية لها) من السودانيين فشلوا في الاستقلال في نهاية المطاف، وأخيرًا بغض النظر عن أن غالبية السودانيين، وخاصة ورثة الثورة المهدية وأنصارهم لديهم مرارة تاريخية عميقة وذكريات أليمة لحروب الإبادة الجماعية متناهية القسوة التي شنتها جيوش محمد علي وخلفائه للسيطرة على البلاد.. أقول إنه حتى إذا افترضنا أن كل تلك التحفظات والمآخذ ليس لها وجود، فلم يكن هناك مفر من إقرار ضباط يوليو المصريين للشعب السوداني بحق تقرير المصير لسببين جوهريين، الأول عملي، وهو أنه كان مستحيلاً الاتفاق على الجلاء البريطاني من مصر، دون حل مشكلة السودان، التي بقيت معلقة منذ إعلان 28 فبراير 1922، مرورًا بمعاهدة 1936، ومن ثم يأتي السبب الثاني، وهو أن الموقف القانوني لمصر في السودان كان محكومًا باتفاقية الحكم الثنائي لعام 1899، والتي بموجبها كان السودان يعرف رسميًا في الخرائط، والمراسلات والاتفاقات الدولية باسم السودان المصري الإنجليزي.

كذلك لا يعرف هواة السياسة بالفولكلور القصة المضحكة للقب ملك مصر والسودان… إلخ.

فقد تضمنت ديباجة مشروع دستور 1923- بعد تصريح 28 فبراير الذي ألغى الحماية وتحولت مصر بموجبه إلى المملكة المصرية- نصًا يطلق على الملك فؤاد لقب ملك مصر والسودان… إلخ.

فاعترض المندوب السامي البريطاني بشدة، مستندًا إلى التحفظات الأربعة المشهورة في تصريح 28 فبراير، ومن بينها تأجيل البت في مصير السودان، وبعد شد وجذب وتهديد من المندوب السامي، حذف هذا النص، واكتُفي بلقب ملك مصر فقط لا غير.

الفصل الثاني من هذه الرواية المضحكة كُتب وعُرض بعد قرار حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا عام 1951 إلغاء اتفاقية 1936، واتفاقية الحكم الثنائي للسودان من جانب واحد، ومن ثم يصبح لقب صاحب العرش المصري تلقائيًا هو لقب مصر والسودان، وصاحب بلاد النوبة ودارفور وكردفان… إلخ.

وهو ما نص عليه قانون إلغاء اتفاقية الحكم الثنائي للسودان، وما ألزمت به الحكومة جميع وزاراتها ومؤسساتها بما في ذلك المدارس والسفارات ووحدات الجيش، لكن للأسف لم تعترف بريطانيا بإلغاء المعاهدة، ولا بإلغاء اتفاقية الحكم المصري البريطاني المشترك للسودان، وظلت متمسكة بحقوقها فيهما بشراسة، كذلك لم تعترف أية دولة في العالم كله بالقرارات المصرية، وكما نعلم فقد استعملت القوة المفرطة ضد الفدائيين والمدنيين والشرطة في منطقة القناة، مما أدى إلى حريق القاهرة وسقوط الحكومة الوفدية، ومعها قرار إلغاء معاهدة 36، واتفاقية الحكم الثنائي للسودان، وبالتالي إلى سقوط لقب ملك مصر والسودان، بعد قليل من إعادة إطلاقه!!… إلخ.

رغم هذا كله، فأنا شخصيًا فُجعت عندما سمعت تصريحات لمؤسسي حزب الوفد الجديد الأوائل يرددون هذه الخرافات، لا لشيء إلا نكاية في جمال عبد الناصر، علمًا بأنهم يعرفون من وثائقهم أن النحاس باشا كان مستعدًا لإقرار حق السودانيين في تقرير مصيرهم في مشاوراته التحضيرية مع زملائه قبل مفاوضات النحاس- هندرسون عام 1930، وذلك تسهيلاً للاتفاق على جلاء الاحتلال عن مصر، كما يعرفون أن أصابع اتهامهم كانت تشير إلى أن محمود فهمي النقراشي أحد قيادات الوفد في ذلك الوقت سرب هذه المعلومة إلى الجانب البريطاني، (ويجدر التنبيه هنا إلى أن هذه كانت بذرة الشك الذي تحول إلى خلاف حاد أدى مع الأيام إلى انشقاق النقراشي ومعه أحمد ماهر عن حزب الوفد)، ويقول الوفديون القدامى إن ذلك التسريب جعل البريطانيين يتشددون بأكثر مما كان متوقعًا في المفاوضات مع النحاس، ومن ثم فشلت تلك الجولة التفاوضية، واستقالت الحكومة لتجيء حكومة إسماعيل صدقي، وتلغي دستور 1923، وينصرف الوفد والبلاد كلها إلى معركة الدستور، وتتأجل بالتالي قضية الجلاء ومعها قضية السودان حتى عام 1936، بينما العالم كله يخطو سريعًا إلى الحرب العالمية الثانية، التي غيرت الأولويات في كل مكان في العالم، وجمدت أو أرجأت كل شيء في مصر والسودان، إلى أجل غير مسمى، أو إلى أن ظهر جمال عبد الناصر وزملاؤه.

بطبيعة الحال لا تقتصر الفولكلوريات ضد الرجل بالذات على مثل ذلك، إذ إن خصوم وكارهي الرجل المذهبيين والطبقيين وغيرهم لا يسأمون من الادعاء برخاء مصر، وقوة عملتها، وبحبوحة المصريين قبل حكمه، بل ويصل الجموح ببعضهم إلى اختراع وثيقة بصورة يبكي فيها وزير مالية أمريكا- بجلالة قدرها- فرحًا لموافقة ملك مصر على إقراض بلاده 400 مليون دولار، وإنقاذها من أزمة مالية طاحنة حسب كلامهم، وكل ذلك بينما تقود أمريكا الحلفاء في الحرب على كل الجبهات في آسيا وأوروبا، وشمال إفريقيا، وتمول وتمد حلفاءها بالسلاح والمؤن والتمويل، بما فيهم الاتحاد السوفيتي نفسه، وتستعد لتطبيق مشروع مارشال لإعمار أوروبا الغربية بأكملها بعد الحرب، لكن ماذا نفعل مع مدمني السياسة بالفولكلور المستعدين لتصديق وترويج أية خرافة ما دامت تسيء لجمال عبد الناصر.

وبالطبع لا يتذكر الذين يقولون إن أحدث صيحات الموضة كانت تُعرض في القاهرة قبل باريس ولندن وروما، ومثلهم القائلون بأن المصريين كانوا يستقدمون الحرفيين والخدم من دول أوروبا، كدليل على الثراء والبحبوحة… كل هؤلاء يظنون أن متوسط الدخل الفردي في نيجيريا تحت الاحتلال البريطاني كان أعلى من مثيله في مصر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ولم يقرأ هؤلاء في مذكرات ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا عن لقائه بالملك فاروق في زيارته لمصر قبيل معركة العلمين، أنه نصح الملك بإعادة توزيع الثروات في مصر، لأنه على حد قوله لفاروق لم ير فقرًا بهذه الدرجة من البؤس، وثراءً بهذا الفحش إلا في مصر، كذلك قال الرئيس الأمريكي فرانكلين للملك شيئًا من هذا في لقائه البروتوكولي به أثناء الحرب العالمية الثانية أيضًا، على متن الطراد كوينسي في مياه قناة السويس.

أخيرًا وليس آخرًا تبقى أسطورة الأرصدة الإسترلينية كدليل دامغ على قوة الاقتصاد المصري الفائقة قبل عبد الناصر من أشهر الفولكلوريات في السياسة المصرية، فعلى الرغم من وجود هذه الأرصدة حقًا كدين مستحق لمصر على بريطانيا، فإنها لم تكن نتيجة لقوة الاقتصاد، بل هي دليل على ضعف مصر وهوانها وحرمان شعبها، إذ إنها تكونت في الأصل كمقابل للذهب المصري المخزن في البنك الأهلي (وكانت إدارته بريطانية) الذي اقترضته بريطانيا عنوة من مصر قبل ثورة 1919 من ناحية، ومن ناحية أخرى مقابل قروض بالجنيه المصري لسلطة الاحتلال لتمويل نفقات جنودها وجنود حلفائها ومشتروات القوات في مصر أثناء الحرب العالمية، حيث دارت رحى واحدة من أكبر معاركها في العلمين بصحراء مصر الغربية، وكانت أول معركة ينتصر فيها البريطانيون على الألمان بعد عامين من الهزائم المتتالية، وقد تسبب هذا الإنفاق الهائل في السوق المصري الذي لم يقابله إنتاج في غلاء فاحش، وفي شح واسع النطاق في المواد الاستهلاكية، خصوصًا المواد الغذائية، كلها بلا استثناء، والوقود، بل والسجائر، لدرجة ظهور وانتشار مهنة جديدة وقتها في أغلب المدن هي جمع أعقاب السجائر من الشوارع، وإعادة تدويرها للفقراء.

وأما استقدام الحرفيين والخدم من الخارج للطبقة المرفهة فإن مثل مصر في ذلك الزمان مثل منطقة الخليج، إذ المجتمع في عمومه كان متخلفًا، ومن ثم كان غير قادر على إنتاج العمالة الماهرة بالكفاية اللازمة، كالترزية وميكانيكية السيارات، ومقدمي الخدمات الصحية والفندقية، ومشغلي الآلات الحديثة وغيرها من الخدمات في الحياة المدنية الحديثة.

بالطبع من قبل هؤلاء ومنذ محمد علي استقبلت مصر علماء وأطباء ومهندسين ورحالة لخلوها أصلاً من هذه التخصصات، التي نقلها إلينا الأجانب حتى تمصرت كل تلك المهن والوظائف والتخصصات على مدار قرن ونصف من الزمان.

إلى هنا ينتهي استعراضنا للخصومات المغلوطة مع ناصر، وحقبته ونظامه، ونشرع ابتداء من المقال التالي في تقصي سلبيات ونقائص وكوارث المشروع الناصري نظريًا وتطبيقيًا، تمهيدًا للاتفاق على كيفية إيداع كل ذلك في ذمة التاريخ، وبحثًا عن عقد اجتماعي جديد ومشروع سياسي حديث، تاهت وطالت مسيرتنا إليه بأكثر من اللازم، فإلى اللقاء.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: 1.4 مليار دولار مبيعات الدار من مشروعي "تَلاي" و"ياس ريڤا"
التالى بالبلدي: الضربات على الطاولة والمحادثات معلقة.. ماذا ينتظر إيران؟

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2