بالبلدي: في معنى الثورة.. رؤية من خلال تجارب عديدة (3 ـ 3)

بالبلدي: في معنى الثورة.. رؤية من خلال تجارب عديدة (3 ـ 3)
بالبلدي: في
      معنى
      الثورة..
      رؤية
      من
      خلال
      تجارب
      عديدة
      (3
      ـ
      3)

رغم ما يصاحب الثورات من عنف وتدمير، ومن خلق مشكلات وتحديات جديدة للمجتمع، فإنها تبقى في نظر كثيرين “ضمن إطار من العنف التحرري العادي، الذي يستهدف تحرير الإنسان من القهر القومي والاجتماعي، بعد أن تكون الوسائل الأخرى قد فشلت في إنجاز ذلك، وهي الوسيلة إلى تحقيق الطفرات التاريخية القادرة على بناء مجتمعات متقدمة، تغني مسيرة التاريخ الإنساني بالقيم والإنجازات المتطورة، فتكون بذلك عملا حضاريا عظيما، تستفيد منه المجتمعات الإنسانية في كل مكان”، وذلك كما ورد في “الموسوعة السياسية” التي حررها عبد الوهاب الكيالي.

كما يتناسى من يقدحون في الثورات ويخشون عواقبها أنها فعل اجتماعي، يأتي حين لا يكون هناك مفر من إتيانه، لا سيما في ظل نظم الحكم القمعية التي لا تعطي فرصة للتطور الطبيعي؛ كي يأخذ طريقه في سلاسة ويسر، ولا تدع المستقبل يولد على أكف الحاضر من دون عنت ولا عناء.

والتاريخ لا يعرف كلمة “لو”، والفوران الذي تشهده المجتمعات الإنسانية من حين إلى آخر يجدد طاقتها، ويقلب تربتها، ويحرك مياهها الآسنة فيمنعها من التعفن.

والثورات هي “العظة” التي تصحح تباعا العلاقة الدائمة بين الحاكم والمحكوم، وكلما تناسى أهل السلطة أن للشعب إرادة، ثار كي يذكرهم بأنها حاضرة لا تغيب، ولا يعني تواريها أو كمونها أنها قد ماتت وأصبحت نسيا منسيا.

في العموم، تنقسم الثورات من حيث قوة التأثير إلى نوعين، الأول هو “الثورات المحدودة” التي لا يزيد ما تفعله عن الإطاحة بحكام من مناصبهم واستبدالهم بآخرين، وربما تحسن نسبي في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

والثاني هو “الثورات الجائحة” التي تهز مناطق أوسع بكثير من البلد التي وقعت فيه، وهذا ينطبق بشكل واضح على الثورات الأمريكية 1776 والفرنسية 1789 والمكسيكية 1910 والروسية 1917 والصينية 1949 والإيرانية 1979.

وهناك من يخرج الأول من تصنيف الثورة لأن غاية الثورات ليست الإطاحة بالحاكم، إنما بناء نظام سياسي جديد على نحو مغاير تماما لما كان سائدا. 

وعلينا إدراك أن الثورة هدم وبناء.

هدم للنظام الذي ثار الناس ضده، وبناء آخر يحل محله، مستجيبا لأشواق الثائرين إلي الحرية والعدالة والكفاية.

وقد يكون الهدم سريعا وشاملا وعميقا، وقد يتم على مراحل، لا سيما في البلدان التي يبتلع فيها نظام الحكم مؤسسات الدولة، ويتخذها مطية لاستمراره بحد التغلب.

ففي مثل هذه الحالة يعي الثوار أن هدم النظام جملة واحدة وفي زمن قياسي قد يؤدي إلى ترنح الدولة، ومن ثم يتعاملون مع عملية الهدم بمبضع جراح وليس بمعول فلاح.

لكن الهدم يجب أن يتم في كل الأحوال بغض النظر عن المدة التي يستغرقها أو الطرق التي يسلكها القائمون به.

فإن توقف الهدم وبقيت بعض آثار النظام القديم تقوضت معالم الثورة، وضعف تأثيرها، وانفتحت نافذة أمام قوى “الثورة المضادة” لتستجمع قدراتها وتنازل الثوار، وقد تنتصر عليهم.

 وهدم النظام القديم لا يجب أن يقف عند حد إسقاط رأس النظام أو أركان السلطة، بل يتعمق إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، فالنظم الحاكمة يكون لها تواجد راسخ وقوي وغليظ في البنية المادية والمعنوية للدولة، في الاقتصاد والثقافة والنشاط الاجتماعي والأجهزة البيروقراطية والأمنية، وفي التشريعات والقوانين وآليات ومؤسسات إنتاج الخطابين الديني والثقافي، وكذلك في أساليب إدارة العمل وتقديم الخدمات، وفي كل الحدود والمسافات الواقعة بين الناس والسلطان.

والتخلص من كل هذا لا يمكن أن يترك للصدفة أو يتم بخطوات بطيئة لا تفي بمطالب الثوار، ولا تتماشى مع قوة الدفع الثوري، وإنما يجب أن ينفذ وفق خطة عمل مدروسة وشاملة ودقيقة، يعرف من وضعوها المستوى الذي سينتهي عنده هدم النظام القديم، والزمن الذي تستغرقه هذه العملية الضرورية.

وقد تتخلل الهدم رغبة في الانتقام لدى بعض القوى الثورية التي تحمل في نفوسها حنقا مبررا على السلطة وأركانها وزبائنها. وفي ثورات عديدة قاد الانتقام إلى أعمال دموية بدرجات متفاوتة، كما أدى إلى قيام قضاء استثنائي وصدور أحكام متسرعة، وعمل على إزاحة كل من كانت له علاقة بالنظام البائد أيا كان مستواها ومحتواها، من دون أن يتوقف قليلا للتمييز بين الخيّر والشرير، والطاهر والملوث، والشريف واللص.

 لكن هذه الروح الهادمة تكون أحيانا مجرد جعجعة لا تجد طريقا إلى التطبيق العملي في كل الأحوال، بقدر ما تعبر عن رغبات مكبوتة لدى الثائرين، الذين أضيروا من النظام الحاكم، وهنا يقول جان أسمين حول تجربة الثورة الصينية في هذه المسألة: “الهيجان الصيني هو المبالغة”.

فعندما كانت الملصقات تدعو إلى إحراق وزارة البترول، فلا يجب الظن أن الثوريين كانوا يحولون الستيرنات إلى رماد. وعندما كانوا يريدون سحق رأس الكلب واصفين أحد الوزراء فلم يكونوا يطالبون غالبا إلا بتنحيته.

فقد قدم التاريخ مواقف غير متوقعة، رجال سياسة عزلوا من أحد الأجهزة ومع ذلك نجدهم بين المدعوين لحضور اجتماع أعضائه.

وشخصيات كان يظن أنهم فقدوا اعتبارهم إلى الأبد إذ بهم يعودون إلى الظهور في الاحتفالات فوق سدة تيين آن مين إلى جانب ماو تسي تونج”.

وفي بعض الثورات يجري الجزء الأكبر من الهدم قبل الشروع في خطوات البناء، وفي بعضها يسير الأمران معا على التوازي، وهذا واقعي، ويبدو مقبولا لكثيرين شريطة أن يتم بوعي وإرادة ووفق منهج محدد، أما الارتجال في هذه المسألة يخدم من دون شك أتباع الثورة المضادة، ويمنحهم فرصة قوية لالتقاط أنفاسهم والكيد للثورة، وإعادة إنتاج الفساد والاستبداد.

وإذا كان هدم القديم البالي المتآكل، أو الضار المتوحش، ضرورة في الثورات، فإن الأكثر أولوية والأكثر أهمية هو البناء.

ومن الأجدى أن ينشغل الثوار بالبناء أكثر من انشغالهم بالهدم، فتفريغ كل الطاقة للأخير تعني العيش في الماضي، أما توجيهها للأول فتؤشر إلى الرغبة في صناعة واقع مغاير لذلك الذي كان سائدا قبل اندلاع الثورة. 

ويعتقد كثيرون أن “صندوق الانتخاب الشفاف” بات بديلا عن الثورة في المجتمعات الديمقراطية، أو هو “الثورة الجديدة” في التاريخ البشري التي أنهت الأنماط التقليدية المعروفة من الثورات.

فالمواطنون هناك لا يحتاجون إلى الثورة على من بيده مقاليد الأمور حتى يخلعوه من منصبه، ويكفيهم الصبر عليه حتى تنتهي فترة حكمه التي تحددها الدساتير، ثم يصوتوا لرحيله، أو لإزاحة الحزب الذي يمثله عن السلطة.

وقد ظهر كتاب بهذا المعنى شارك في تأليفه عدد من أبرز علماء السياسة والاجتماع والمؤرخين، ممن صرفوا معظم حياتهم يدرسون العمليات الثورة، وقد حاول هؤلاء الإجابة عن سؤالين مهمين، يتعلق الأول بالعوامل التي تتحكم في صياغة ومدى تأثير الأشكال الجديدة الممكنة للتغيير السياسي الراديكالي في عهد العولمة، ويدور الثاني حول ما إذا كانت ديمقراطية المشاركة قد أصبحت وسيلة للنضال الثوري في المستقبل، وإلى أي حد أصبحت الثورات تعتمد على التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصالات.

لكن هذه الأطروحة لم تلق موافقة من بعض مؤلفي الكتاب الذين قدموا ردودا قوية على كل من كان يعتقد بأن عصر الثورات قد انتهى، وقالوا إن الأجدر بالمفكرين مناقشة التغيرات التي طرأت على أساليب الثورات والثقافة السياسية المرافقة لها.

فما دام هناك نظم حاكمة تمارس الاستبداد والاستعباد والظلم الاجتماعي المنظم والقهر وإهدار كرامة الإنسان، فإن الثورة عليها أمر قائم وإن تأخر بعض الوقت.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: تأكل الفشار قبل النوم.. 3 عوامل تحدد تأثيره على صحتك
التالى بالبلدي: في معنى الثورة.. رؤية من خلال تجارب عديدة (3 ـ 3)

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay
إعلان 1
إعلان 2