تبدو الثورات موجات، فلا يحكم على الثورة، نجاحًا أو فشلًا، بمجرد تقييم موجة واحدة لها.
وفي الغالب الأعم تكون الموجة الأولى للثورة هي الأسهل، لا سيما في الثورات الشعبية، التي تشهد حضورًا جماهيريًا طاغيًا، وزخمًا ظاهرًا، بما يجعلها تمتلك قوة دفع هائلة، تجرف أمامها أي عقبات أو عثرات ترمي إلى إعاقة التقدم الثوري، وتعطيل الثوار عن بلوغ هدفهم الأساسي الأولي وهو إسقاط النظام الحاكم.
لكن هناك من بين القوى الشعبية الغفيرة التي صنعت الثورة تظن أن مهمتها قد انتهت بمجرد إجبار الحاكم على التنحي، لأن تواجده في السلطة يمثل التحدي النفسي الرئيسي لهؤلاء، وهم يقيسون نجاح الثورة أو فشلها بقدرتهم على إزاحة الطاغية في أسرع وقت ممكن، دون أن تعنيهم مسألة بناء “مؤسسة للثورة”، تستطيع أن تملأ الفراغ الذي ينجم عن الغياب المفاجئ لحاكم مستبد مدجج بصلاحيات واسعة. وهذا الوضع يفتح الباب أمام القوة المنظمة في المجتمع، والتي غالبًا ما تكون الجيوش، للدخول بثقلها وجذب إمكانات الثورة إليها، وتوظيفها كأداة للاستيلاء على السلطة تدريجيًا، أو الاحتفاظ بها، لا سيما إن انفضت الجماهير العريضة عن ثورتها.
وحين تفشل الثورة، تدفع قيادتها وطليعتها ثمنًا باهظًا. فالقوى المنتصرة على الثورة، أو التي طوقتها وفرغتها من مضمونها، وأجهزت على فعلها الإيجابي، ستعمل على تقييم الثورة باعتبارها عملًا تخريبيًا، أو تصرفًا معوقًا للبلاد، وتمهد الرأي العام لتقبل كراهية الثوار تدريجيًا، وتغذي الحنق عليهم، عبر وسائل عديدة، منها إطلاق الشائعات حول ارتباطاتهم وانتماءاتهم بما يصورهم على أنهم حفنة من “الخونة” الذين أرادوا هدم الوطن.
ومنها تصيد أي أخطاء فكرية أو عملية للثوار وتسليط الضوء عليها وتضخيمها.
ومنها أيضًا استمالة بعض الثائرين بمنافع ومكاسب صغيرة لمحاولة إظهارهم بأنهم مجموعة من الباحثين عن مغانم شخصية، وليس بناء وطن والعمل والتضحية من أجل الآخرين، كما يقولون في خطابهم الثوري المفعم بالبلاغة.
ومن الطبيعي ألا يكون الثوار على درجة واحدة من الولاء للثورة، ولا يقفون منها عاطفيًا وعقليًا على قدم سواء، فمن بينهم المخلص المستعد للاستشهاد في سبيل نجاحها، ومنهم من يريد أن يعطيها بقدر لا يفقده حياته، وهناك من يراها فرصة تاريخية لبناء وطن حر مكتفٍ عادل مهاب، طالما كان يحلم بالعيش فيه، ويوجد من يعتقد في أنها ستخلق مسارًا اجتماعيًا يحقق له المكانة اللائقة، وهناك من يعول على الثورة في أن تعوضه عن منصب أو مال أو جاه افتقده أيام النظام الذي هدمته الثورة.
وهناك من يتحلل من كل هذا، فلا هو استشهادي رومانسي حالم في ثوريته، ولا هو باحث عن منفعة ذاتية، إنما تربطه بالثورة علاقة عاطفية بسيطة، إذ يجد نفسه فيها، وكأنها مشروعه الحياتي الذي كان يبحث عنه، أو أنها هي الحدث الكبير الذي تحققت فيه ذاته المنسحقة منذ سنوات، ولذا يعتقد أنه سيضيع ويعود إلى سابق ذله واستضعافه إن خمد الفعل الثوري، الذي شارك فيه، وعول عليه في تحصيل الكرامة.
قد تختلف الأسباب التفصيلية والصغيرة التي تؤدي إلى اندلاع الثورات، لكن الأسباب العامة والأساسية تتشابه إلى حد كبير.
وسعى المفكرون والخبراء للإجابة عن سؤال مفاده: ما هي الظروف التي تحدث فيها الثورات؟ وتنوعت إجاباتهم بقدر تنوع أيديولوجياتهم والبيئة السياسية التي عاشوا فيها، والتجربة الحياتية التي مروا بها.
فها هو كارل ماركس يتنبأ بثورة للبروليتاريا ضد الطبقات البرجوازية والدولة الرأسمالية لكن نبوءته لم تتحقق حتى الآن.
ووجد برينتون نقاط التقاء بين مختلف مراحل الثورات الإنجليزية والأمريكية والفرنسية والروسية، وتنبأ بأن الأخيرة سيكون لها تأثيرها الخارجي الكبير، وهو ما وقع بالفعل.
وخلص إلى أن إحدى علامات الثورة هي وجود نخبة تسرب شك عارم إلى نفسها حيال شرعية السلطة القائمة، وتؤمن بأن التحرك لإسقاطها بات واجبًا.
وينتهي جونسون من دراسة الثورات الروسية والفرنسية والصينية إلى أن الأوضاع في البلدان الثلاثة كانت تنذر بالتمرد والعصيان قبل اندلاع الثورة.
وتحدث جور عن أن الثورة تقوم حين يبلغ الاحتقان النفسي من النظام الحاكم مداه.
وهناك كثيرون أوردوا في تحليلاتهم للثورات عوامل عابرة مثل العواقب الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة للنمو السكاني السريع، وحالة الشك والغموض والالتباس التي تعقب الحروب، وأي عناصر أخرى تشكل ضغوطًا شديدة على النظام السياسي ليس بوسعه تحملها، ومن ثم لن يجد مفرًا من الانهيار.
وهناك اختلاف بين العلماء في تقييم الثورات السياسية والاجتماعية الكبرى التي وقعت في تاريخ الإنسانية.
فهناك من يراها وسيلة ضرورية لتحقيق تقدم البشر نحو مجتمع تسوده الحرية والعدالة والكفاية والمساواة والانسجام.
ويوجد فلاسفة محافظون على رأسهم فريدريك نيتشه وجوستاف لوبون يعتقدون أن الثورات تعبر عن عواطف جامحة، تدفع إلى فعل غير رشيد يؤدي إلى تحطيم النظم القائمة، وينعت هؤلاء الثورات بأنها “سلوك الغوغاء” و”فعل العقلية البدائية” و”حصيلة الحقد النفسي الشديد” و”الانهيار العصبي للمجتمع” و”التصرف البربري”. ويشبه نورمن هامبسن الثورة بالعيوب الجيولوجية أو الكوارث الطبيعية التي تحل فجأة، وتنهي الانسياب الطوعي للحياة، ويفضل عليها التطور الإيجابي للمجتمعات، وهنا يقول: “التاريخ الاجتماعي لثورة من الثورات، يختلف اختلافًا جوهريًا عن تاريخ مجتمع يتطور تطورًا سلميًا، لأن العمل السياسي يتداخل في هذه الحالة تداخلًا أوثق مع عملية التغير الاجتماعي السريع”.
ويوجد فريق ثالث من أصحاب الاتجاهات العلمية والوضعية، ممن ينظرون إلى مصطلح الثورة باعتباره مصطلحًا وصفيًا ليست له أي دلالة قيمية، وفي نظرهم فإن كافة التغيرات التي تحدث للنظام السياسي أو الحكومة هي ثورات ما دامت تستند على قاعدة شعبية عريضة.
ولا يمكن أن نفهم قدح نيتشه في الثورات بعيدًا عن فلسفته التي كانت تقوم على تعظيم دور الفرد في الحياة، والبحث عن “الإنسان الأسمى” أو “السوبرمان”، وهي مسألة تختلف مع الفعل الثوري الذي يقوم على روح الجماعة، ويعظم دور الجماهير في صناعة التاريخ.
كما لا يمكن أن نفهم موقف لوبون السلبي من الثورات بعيدًا عن كفره بالجماهير، ووصفه لها بأنها مثل “المرأة اللعوب” واحتقاره لما وصفه بغوغائيتها وفوضويتها.
وبالطبع، فإن كثيرًا من آراء فلاسفة وعلماء سياسة أوروبيين في الثورات، تأثرت بكرههم للدموية التي صاحبتها، والتخريب الذي لازمها، والفوضى التي كانت في رِكابها.
وبعض هؤلاء كان يعتقد أن المجتمعات كان يمكنها أن تتطور تدريجيًا إلى الأمام، ونحو الأفضل حال التطبيق المتتابع لرؤى الإصلاح الاجتماعي والانتصار لكرامة الإنسان، التي تشبعت بها الفلسفات الأوروبية في عصر النهضة.
لكن أصحاب هذه الرؤى السلبية في تقييم الثورات يتناسون أنها يمكن أن تحرق مراحل عديدة نحو وضع اجتماعي وسياسي أرقى، مما كان سائدًا لحظة اندلاع الفعل الثوري. فلو تُرك الأمر للتدرج الطبيعي، فربما يتأخر طويلًا تحصيل الشعب لحقوقه التي هُضمت بفعل الاستبداد والفساد، وربما تخسر الدولة نفسها ككيان جامع الكثير من قدراتها الخشنة والناعمة معًا.
وليس هناك ما يمنع أن يوجد من يشد المجتمع إلى الوراء، أو يجعله يقف في محله، أو على أقصى تقدير يتقافز في مكانه من دون دفع إلى الأمام.
فالمجتمعات الإنسانية عرفت فترات طويلة من التدهور، إلى درجة أن أزمنة كاملة أطلق عليها “عصور الانحطاط”. وفي مثل هذه العصور قد تتغير أقدار ومصائر بعض الناس، فيصعدون في السلم الاجتماعي، ويهبط غيرهم، لكن هذه الحركة الجزئية هي أشبه بالهواء المحبوس داخل حجرة مؤصدة بإحكام، إذ بوسعه أن يدور ويتماوج ببطء، لكنه لا يتجدد.
(نكمل الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى)
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "






