عنوان الموضوع | بالبلدي
أخبار عاجلة

بالبلدي: توترات إثيوبيا وتأثيرها على القرن الإفريقي والسودان

بالبلدي: توترات إثيوبيا وتأثيرها على القرن الإفريقي والسودان
بالبلدي: توترات
      إثيوبيا
      وتأثيرها
      على
      القرن
      الإفريقي
      والسودان

لم تعد التوترات في تيجراي شأناً إثيوبياً خالصاً، كما لم تعد حدود السودان الشرقية مجرد خط جغرافي يفصل بين بلدين.

فالاشتباكات التي اندلعت أخيراً في منطقة شيررينا، قرب الحدود السودانية، وسقوط مقذوفات داخل الأراضي السودانية ووصول آثار القتال إلى مخيمات للاجئين، تكشف أن المسافة بين أزمات القرن الإفريقي أصبحت أضيق من أن تسمح لأي دولة بالنظر إلى ما يجري حولها، باعتباره شأناً داخلياً لجارها.

لكن الخطر في تقديري، لا يكمن في القول إن حرب تيجراي قد عادت بالفعل، فالمعطيات المتاحة حتى الآن لا تكفي لهذا الاستنتاج.

والأرجح أن الاشتباك الأخير كان احتكاكاً عسكرياً قابلاً للاحتواء، لا قراراً معلناً بالعودة إلى الحرب الشاملة.

 وقد توقفت العمليات بعد المواجهات، التي استخدمت فيها المدفعية والطائرات المسيّرة، بينما لم تظهر حتى الآن مؤشرات قاطعة على اتساع العمليات إلى جبهات متعددة.

غير أن خطورة اللحظة لا تقاس فقط بحجم المعركة التي وقعت، وإنما بالبيئة التي وقعت فيها.

 فتيجراي تدخل هذه المرحلة، وهي محاطة بتراكم من الخلافات السياسية والعسكرية التي لم يحسمها اتفاق بريتوريا، بينما تتغير التحالفات في شمال إثيوبيا، وتتزايد حدة التوتر بين أديس أبابا وأسمرا، ويواصل السودان حربه الداخلية التي جعلت حدوده أكثر هشاشة وأقل قدرة على استيعاب صدمات جديدة.

اتفاق بريتوريا أوقف الحرب ولم يغلق أبوابها

في نوفمبر 2022، نجح الاتحاد الإفريقي في الوصول إلى اتفاق بريتوريا الذي أوقف حرباً استمرت عامين بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي.

 كان الاتفاق لحظة نادرة في منطقة اعتادت أن تنتقل فيها الحروب من جيل إلى آخر، وفتح الباب أمام نزع السلاح وعودة الخدمات والمساعدات وترتيبات سياسية وأمنية جديدة.

لكن السلام الذي أوقف المدافع لم يتحول إلى تسوية كاملة لجذور النزاع.

فملفات الأراضي المتنازع عليها، وترتيبات الحكم في الإقليم، ومستقبل القوات التيجرانية، وعودة النازحين، ومسألة السلطة المحلية، ظلت جميعها مصادر للتوتر. ومع مرور الوقت، تآكلت الثقة بين الطرفين، فيما تحولت بعض بنود الاتفاق من أرضية للتسوية إلى موضوع جديد للصراع السياسي.

 وتشير تحليلات حديثة إلى أن الإقليم دخل منذ أشهر منطقة رمادية بين الحرب والسلام، خصوصاً مع الخلاف حول الإدارة المؤقتة لتيجراي، وإعادة الجبهة تفعيل مؤسساتها السياسية الخاصة.

وفي يوليو الماضي، تصاعدت المؤشرات بصورة أكثر وضوحاً، عندما أعلنت قيادة تيجراي أن اتفاق بريتوريا لم يعد قائماً، بينما اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قوات تيجراي بالاستفزاز والتعبئة القسرية.

 وبذلك لم يعد الخلاف يدور حول تفسير بعض بنود الاتفاق فحسب، بل أصبح الاتفاق نفسه موضع نزاع سياسي.

وهنا تكمن المشكلة: السلام الذي لا يعالج أسباب الحرب قد يتحول إلى فترة فاصلة بين حربين.

البيئة الإقليمية تغيرت

لو اندلعت حرب جديدة في تيجراي، فلن تكون حرب 2020 نفسها.

ففي الحرب السابقة، تشكل تحالف واضح ضم الجيش الفيدرالي الإثيوبي وإريتريا وقوات فانو في أمهرا، بينما خاضت جبهة تحرير تيجراي الحرب في ظروف عزلة إقليمية وعسكرية صعبة.

أما اليوم، فقد تغيرت خريطة المصالح.

العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أصبحت واحدة من أكثر بؤر التوتر خطورة في القرن الإفريقي.

 والطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، والخلافات حول الوجود الإريتري في الأراضي الإثيوبية، والتحولات في علاقة أسمرا بتيجراي، كلها جعلت الحدود الشمالية لإثيوبيا جزءاً من حسابات إقليمية أكبر.

وتزداد خطورة المشهد إذا وضعنا تطورات تيجراي داخل خريطة الصراعات الأوسع في شمال إثيوبيا.

ففي تقرير لها عن الحرب الجديدة في أمهرا، حذرت (مجموعة الأزمات الدولية) من أن النزاع حول غرب تيجراي «ولكيت» لا يمكن فصله عن التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوات أمهرا، ولا عن العلاقة المتوترة بين أديس أبابا وأسمرا، مشيرة إلى أن المنطقة المتنازع عليها تقع على تماس مباشر مع إريتريا والسودان.

وترى المجموعة أن استمرار القتال في أمهرا وتدهور العلاقة بين آبي أحمد وأسياس أفورقي وبرهان يمكن أن يعيدا ترتيب الاصطفافات التي تشكلت خلال حرب تيجراي السابقة.

وهذا تحديداً ما يجعل أي تصعيد جديد أكثر تعقيداً من حرب 2020؛ إذ لم تعد الحدود الإثيوبية الداخلية منفصلة عن الحسابات الإريترية والسودانية، كما لم يعد الصراع محصوراً في علاقة الحكومة الفيدرالية بجبهة تحرير تيجراي.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل احتمال أن تتحول تيجراي إلى ساحة لحرب بالوكالة، بحيث لا يكون الصراع مجرد مواجهة بين الجيش الفيدرالي وقوات تيجراي، وإنما نقطة تقاطع لمصالح إثيوبيا وإريتريا وقوى أمهرا، وربما أطراف إقليمية أخرى.

وهذا ما يجعل الاشتباك الأخير أكثر أهمية مما يبدو عليه في صورته العسكرية المحدودة.

 فالمسألة ليست فقط أين سقطت القذائف، وإنما أي شبكة من التحالفات يمكن أن تتحرك إذا اتسع نطاق القتال.

السودان.. مؤثر ومتأثر

في كل هذه المعادلة، يبدو السودان الطرف الأكثر عرضة لدفع ثمن الأزمة، ليس لأنه طرف مباشر بالضرورة، وإنما لأنه يقف على خط التماس بين أكثر من أزمة.

الحدود السودانية الإثيوبية، الممتدة لنحو 740 كيلو متراً، ظلت منذ عام 2020 مسرحاً لتداخل النزاعات الداخلية مع النزاعات العابرة للحدود، من الحرب في تيجراي إلى ملف الفشقة والنشاط المسلح وحركة اللاجئين والتجارة غير الرسمية.

واليوم تضاف إلى هذه القائمة الحرب السودانية نفسها.

فالسودان الذي كان في عام 2020 قادراً رغم محدودية موارده، على استقبال موجات كبيرة من اللاجئين الإثيوبيين، يعيش الآن واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية. ملايين السودانيين نزحوا داخل البلاد وخارجها، وتراجعت قدرة الدولة على حماية الحدود وتوفير الخدمات، بينما باتت مناطق الشرق تتحمل ضغوطاً أمنية وإنسانية واقتصادية متراكمة.

لذلك، فإن وصول لاجئ إثيوبي جديد إلى شرق السودان اليوم لا يحدث في فراغ.

 إنه يصل إلى بلد يستضيف أصلاً نازحين ولاجئين، وإلى مناطق تعاني من ضعف البنية التحتية ونقص التمويل وضغط متزايد على الغذاء والصحة والمياه.

وقد بدأ هذا السيناريو بالفعل.

 فالتقارير التي أعقبت اشتباكات شيررينا تحدثت عن عبور مئات الإثيوبيين، بينهم فارون من القتال في تيجراي إلى السودان، بينما امتدت آثار القصف إلى مناطق قريبة من مخيمات اللاجئين.

 كما أفادت تقارير عن سقوط ضحايا داخل أحد المخيمات، وهو تطور بالغ الدلالة؛ لأنه يعني أن الحرب لم تعد تهدد طريق اللجوء فقط، بل باتت تصل إلى المكان الذي يفترض أن يكون ملاذاً آمناً للفارين منها.

لاجئون بين حربين

ربما لا توجد صورة أكثر إنسانية لاختصار المأساة من سوداني يعبر إلى إثيوبيا بحثاً عن الأمان، وإثيوبي يعبر في الاتجاه المعاكس؛ بحثاً عن الأمان نفسه.

هذه ليست مفارقة جغرافية، وإنما نتيجة مباشرة لتحول القرن الإفريقي إلى فضاء، تتجاور فيه الحروب وتتبادل تأثيراتها.

 ففي الوقت الذي لجأ فيه سودانيون إلى إثيوبيا هرباً من الحرب، كان إثيوبيون يفرون من تيجراي إلى السودان. والحدود التي يفترض أن تفصل بين دولتين، تحولت إلى ممر متحرك للمدنيين الهاربين من دولتين مأزومتين.

لكن هناك خطراً آخر أكثر تعقيداً: حركة المقاتلين.

فكلما ضعفت السيطرة على الحدود، يصبح انتقال الأفراد المسلحين أكثر سهولة، وتصبح مخيمات اللاجئين والمجتمعات الحدودية عرضة للاستقطاب والتجنيد والاشتباه.

 وقد حذرت تحليلات حديثة من أن تجدد الحرب في شمال إثيوبيا يمكن أن يتقاطع مع الحرب السودانية، بما يخلق مساراً إقليمياً جديداً للصراع.

وهنا يصبح أمن شرق السودان جزءاً من أمن القرن الإفريقي، وليس ملفاً سودانياً محلياً.

المعادلة التي يجب أن تقلق الخرطوم

الخطر الأكبر على السودان ليس بالضرورة أن تنتصر جهة على أخرى في تيجراي، وإنما أن تستمر الحرب لفترة طويلة، بما يكفي لتحول الحدود إلى منطقة نفوذ مفتوحة للمقاتلين والسلاح والتهريب واللاجئين.

فالسودان لا يملك اليوم رفاهية استقبال أزمة جديدة.

 كما أن استمرار الحرب الداخلية يجعل أي تطور على الحدود أكثر قابلية للتحول إلى أزمة أمن قومي.

والأمر لا يتعلق بتيجراي وحدها.

 فإقليم أمهرا يشهد بدوره صراعاً بين الحكومة وقوات فانو، بينما تتصاعد التوترات الإثيوبية الإريترية، وتظل مناطق بني شنقول- قمز والحدود السودانية الإثيوبية جزءاً من مشهد أمني شديد السيولة.

 وقد ربطت تحليلات سابقة بين هذه البؤر المختلفة وبين احتمال تشكل صراع إقليمي أوسع، خصوصاً إذا تزامن التصعيد في تيجراي مع مواجهة إثيوبية إريترية.

ولهذا فإن أفضل قراءة للمشهد ليست أن حرب تيجراي قد عادت، ولا أن الخطر انتهى بمجرد توقف الاشتباك الأخير.

نحن أمام منطقة تقف بين الاحتمالين.

قد تنجح الوساطات والضغوط السياسية في إعادة الأطراف إلى مسار بريتوريا، وقد يتراجع التصعيد.

 لكن احتمال الانزلاق إلى مواجهة أكبر يظل قائماً ما دامت القضايا التي أوقفت الحرب لم تجد حلولاً مستدامة، وما دامت البيئة الإقليمية نفسها تتحول بسرعة.

السودان أمام اختبار جديد

المطلوب من الخرطوم في هذه اللحظة ليس الانخراط في صراع جديد، وإنما حماية مصالحها ومنع انتقاله إلى أراضيها.

ويبدأ ذلك بتأمين الحدود، ورفع مستوى التنسيق الدبلوماسي مع أديس أبابا وأسمرا، والتواصل مع الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة لمنع انهيار اتفاق بريتوريا، إلى جانب الاستعداد الإنساني لأي موجة لجوء جديدة. والأهم هو التعامل مع الحدود، باعتبارها قضية أمن قومي وإنساني في الوقت نفسه، لا مجرد منطقة طرفية بعيدة عن مركز القرار.

أما إقليمياً، فإن الرسالة الأهم هي أن الحرب الجديدة لن تبقى داخل حدود الدولة التي تبدأ فيها.

 تجربة السودان نفسها تقدم الدليل الأوضح على ذلك.

في القرن الإفريقي، قد تبدأ القصة باشتباك محدود في قرية حدودية، لكنها لا تنتهي بالضرورة هناك.

مقذوف واحد عبر الحدود قد يصبح موجة نزوح، وموجة النزوح قد تتحول إلى ضغط اقتصادي، والضغط الاقتصادي قد يخلق توترات اجتماعية وأمنية، ثم يدخل المقاتلون والأسلحة على الخط، فتتحول الحدود من حاجز بين الأزمات إلى جسر يعبر فوقه الصراع.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: هل تعود حرب تيجراي؟

السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل يستطيع السودان أن يمنع حرباً جديدة في جواره من أن تصبح حرباً أخرى على حدوده؟

وفي بلد أنهكته الحرب، وأثقله النزوح والأزمات، قد تكون الإجابة عن هذا السؤال أهم من معرفة من بدأ الاشتباك الأخير.

 لأن الإنسان الذي فر من حرب في بلاده لا يملك جواز سفر إلى ملاذ آمن؛ هو فقط يركض حتى يجد مكاناً لا تصل إليه القذائف.

وهذا بالضبط ما يجعل السلام في تيجراي مصلحة سودانية، وأمن شرق السودان جزءاً من أمن القرن الإفريقي كله.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : زيزو يعلق على مواجهة الزمالك المقبلة في الدوري .. ويصرح: هدف حسين الشحات حلو
التالى بالبلدي: سعر الفراخ البيضاء اليوم الأربعاء 2 سبتمبر.. ارتفاع جديد بالأسواق

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان