أخبار عاجلة

بالبلدي: حوار البرهان.. هل ينهي الحرب أم يكرّس واقع الانقسام؟

بالبلدي: حوار البرهان.. هل ينهي الحرب أم يكرّس واقع الانقسام؟
بالبلدي: حوار
      البرهان..
      هل
      ينهي
      الحرب
      أم
      يكرّس
      واقع
      الانقسام؟

مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، بدأ السؤال ينتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى طاولة السياسة: ليس فقط من يستطيع حسم الحرب، وإنما من يستطيع أن يصوغ اليوم التالي لها. وفي هذا التحول تبدو دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني ـ سوداني من الداخل واحدة من أكثر التطورات السياسية أهمية في الأسابيع الأخيرة.

لكن أهمية الدعوة لا تعني بالضرورة، أنها تمثل انفراجة مكتملة، كما أن التحفظ عليها لا يعني بالضرورة أنها مناورة سياسية. السؤال الأكثر جدية هو، هل تستطيع هذه المبادرة أن تفتح مساراً سياسياً يقود إلى إنهاء الحرب، أم أن تعدد المسارات واختلاف شروط المشاركة قد ينتهي إلى تكريس حالة الأمر الواقع، وتحويل الانقسام العسكري إلى انقسام سياسي ومؤسسي؟

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً، إذا نظرنا إلى توقيت المبادرة وتسلسلها. فقد بدأ المسار السياسي الأخير من خلال تحركات «الخماسية» التي تضم الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيجاد، والتي عقدت مشاورات مع قوى سياسية ومدنية سودانية في أديس أبابا في يونيو، وخرجت من تلك المشاورات رؤية مشتركة بين عدد من القوى لإطلاق مسار سلام، يقود إلى تسوية سياسية شاملة.

ثم واصلت الخماسية اتصالاتها في يوليو، وبدأت في 29 يوليو مشاورات مع قيادات الكتل والقوى السياسية، بالتوازي مع نقاشات فنية حول المقترحات الخاصة بالعملية السياسية.

في هذه اللحظة تحديداً ظهر مسار الحوار الداخلي بقوة أكبر، عبر مشاورات البرهان مع قوى سياسية ومدنية ومجتمعية، ثم لقاء المجموعة التي طرحت مبادرة الحوار، قبل أن يمنحها خطاب عيد الجيش في 14 أغسطس الغطاء السياسي الأوضح، بإعلانه موافقة الدولة على توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية، مع التأكيد على أن الدولة ليست الجهة المنظمة للحوار ولا المحددة لأجندته أو مخرجاته.

هذه التفاصيل مهمة؛ لأنها تقول إن الحوار الداخلي لم يظهر في فراغ، وإنما جاء في لحظة كانت فيها عملية سياسية أخرى تحاول أن تتشكل.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية

فالسودان يحتاج بالفعل إلى حوار سوداني، لكن «سودانية الحوار» لا تعني بالضرورة أن تجري العملية بعيداً عن أي إسناد أو تيسير إقليمي ودولي، كما أن وجود الخماسية لا يعني أن تكون العملية السياسية خاضعة لوصاية خارجية. التحدي هو إيجاد صيغة تجعل المسارين متكاملين، لا متنافسين.

فالخماسية، رغم تعثرها وخلافات القوى حولها، تمكنت في يونيو من جمع «صمود» والكتلة الديمقراطية وقوى سياسية ومدنية أخرى حول رؤية مشتركة لمسار سلام، وإن ظلت خلافات جوهرية قائمة، خصوصاً بشأن «تأسيس» والتيارات الإسلامية.

وفي المقابل، تحفظت قيادات «صمود» على مساعي تشكيل لجان تحضيرية لحوار داخلي، معتبرة أن البيئة الحالية لا توفر شروطا عملية سياسية حقيقية، بينما رحبت الكتلة الديمقراطية بخطاب البرهان، ودعمت الحوار السوداني.

وهذا الانقسام ليس تفصيلاً

فـ«صمود» لا تنظر إلى الحوار، باعتباره مجرد مؤتمر سياسي، وإنما تربطه بإنهاء الحرب وتهيئة البيئة المناسبة لذلك. أما الكتلة الديمقراطية، التي تميل إلى مسار أكثر قرباً من مؤسسات الدولة والجيش، فتتعامل مع المبادرة، باعتبارها فرصة لحوار سوداني داخلي.

وبين الموقفين، تتشكل معركة سياسية جديدة، من يملك هندسة الحوار؟

ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفشل الحوار، وإنما أن ينجح كل طرف في بناء حواره الخاص.

إذا أصبح الحوار الداخلي، عملياً، مساراً للقوى الموجودة داخل مناطق سيطرة الجيش وحلفائه، بينما واصلت القوى المرتبطة بالدعم السريع بناء تصورها السياسي والمؤسسي في مناطق نفوذها، فإن السودان قد ينتقل من انقسام عسكري إلى واقع أكثر تعقيداً: سلطات متوازية، شرعيات متنافسة، ومشروعان سياسيان يدعي كل منهما تمثيل الدولة.

وهذه ليست فرضية نظرية بالكامل. فقد شهدت الساحة بالفعل محاولات من «تأسيس»، المرتبط سياسياً بالدعم السريع، لبناء موقع سياسي مستقل والتعامل مع المسارات الدولية باعتباره طرفاً في الأزمة. وفي يونيو رفض «تأسيس» أي حوار مباشر مع قيادة الجيش، وتمسك بأن تكون اتصالاته في إطار الآليات الدولية الخاصة بالسلام.

في المقابل، لا يزال الخلاف قائماً حول القوى الإسلامية والمؤتمر الوطني. فقد ظهر في مشاورات يونيو اتفاق واسع بين عدد من القوى على استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من العملية السياسية المقبلة، بينما كانت هذه النقطة نفسها سبباً في عدم توقيع بعض القوى، مثل حركة عبد الواحد محمد نور، على الرؤية المشتركة.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: كل طرف يملك تعريفه الخاص لـ«الشمول».

بالنسبة إلى بعض القوى المناهضة للحرب، لا يمكن أن يكون المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية جزءاً من العملية السياسية المقبلة. وبالنسبة إلى قوى أخرى، لا يمكن أن تكون «تأسيس» أو القوى المرتبطة بالدعم السريع جزءاً من عملية سياسية قبل حسم وضعها العسكري.

لكن إذا استبعدنا طرفاً؛ لأنه متهم سياسياً أو عسكرياً، ثم استبعد الطرف الآخر للسبب نفسه، فإننا قد ننتهي إلى حوار بين قوى لا تستطيع وحدها إنهاء الحرب.

وهنا يصبح التفريق بين المشاركة السياسية والمساءلة الجنائية ضرورياً.

لا يعني إشراك طرف في عملية إنهاء النزاع منحه حصانة من الجرائم، ولا يعني الجلوس إلى طاولة واحدة منحه حقاً تلقائياً في السلطة. العدالة مسار، والسياسة مسار آخر، وإن كان لا يمكن أن يعيش أحدهما بعيداً عن الآخر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم حديث نبيل أديب، عضو لجنة المبادرة، عن الحصانة. فالرجل يميز بين وقف الإجراءات الجنائية، وتجميد بعض البلاغات الخاصة، والحصانة الدائمة المتعلقة بما يقال داخل الحوار. والأهم أنه يؤكد أن اللجنة لا تملك قرارات ملزمة، وأن هدفها المقترح هو إنهاء الأزمة والعودة إلى الانتقال، بينما يمكن أن يصبح وقف الحرب إحدى نتائج الحوار، إذا توافق المشاركون عليه.

لكن هنا أيضاً تظهر ثغرة جوهرية: إذا كان إنهاء الحرب ليس هدفاً محدداً للحوار، فكيف يمكن للحوار أن يصبح جزءاً من عملية السلام؟

قد تكون الإجابة أن الحوار السياسي لا يستطيع وحده وقف الحرب، وأن مهمته إنتاج توافق سياسي، يجعل وقف إطلاق النار ممكناً. وهذا صحيح من الناحية العملية. لكن الخطر يكمن في أن يتحول الحوار إلى عملية سياسية منفصلة عن التفاوض على وقف إطلاق النار، فتستمر الحرب في الميدان بينما تنشغل القوى السياسية بتوزيع الشرعية والمقاعد والمؤسسات.

وهذا تحديداً ما ينبغي تجنبه.

فالخطاب الذي ألقاه البرهان، يحمل تناقضاً يحتاج إلى معالجة سياسية: فهو يفتح الباب أمام الحوار، ويؤكد الترحيب بمبادرات السلام، لكنه في الوقت نفسه يعلن استمرار الحرب حتى «تطهير» السودان من قوات الدعم السريع، ويربط السلام بشروط يتقدمها إلقاء السلاح وخروج القوات من مناطق محددة.

قد يكون هذا الموقف مفهوماً من منظور القيادة العسكرية، لكنه يضع الحوار أمام سؤال صعب: هل نحن أمام حوار لإنهاء الحرب، أم حوار لإدارة المرحلة السياسية، بينما تستمر الحرب؟

الفرق بين الاثنين هو الذي سيحدد مآلات المبادرة.

ومن هنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات.

الأول، هو سيناريو التكامل. في هذا المسار يصبح الحوار الداخلي مكوناً سودانياً من عملية سياسية أوسع، ويتكامل مع الخماسية ومسارات وقف إطلاق النار، وتتوسع المشاركة تدريجياً، وتصبح مخرجاته مرتبطة بإيقاف الحرب وإعادة بناء الدولة والعودة إلى الانتقال. عندها يمكن أن يتحول الحوار إلى فرصة حقيقية.

الثاني، هو سيناريو تكريس الأمر الواقع. يتحول الحوار إلى مظلة سياسية للقوى الموجودة في مناطق سيطرة الجيش، ويُستكمل بناء مؤسسات الدولة من داخل هذا المعسكر، بينما يواصل الدعم السريع وحلفاؤه بناء مؤسسات موازية في مناطق نفوذهم. عندها قد تتحول المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية، ويتحول الانقسام الجغرافي إلى انقسام مؤسسي.

أما السيناريو الثالث، فهو التجميد. يبدأ الحوار، لكن الخلاف حول المشاركين والضمانات والحريات وعلاقة المبادرة بالمسارات الخارجية يمنعه من إنتاج اتفاق، فلا تنتهي الحرب ولا يحدث تقسيم رسمي، وإنما يستمر السودان في حالة الأمر الواقع.

وهناك سبب آخر يجعل السيناريو الثاني شديد الخطورة.

فالحرب السودانية لم تعد محصورة في حدود الصراع بين الجيش والدعم السريع. التدخلات الخارجية، وتشابك المصالح الجيو سياسية، واتصال السودان بالقرن الإفريقي والساحل والبحر الأحمر، كلها تجعل استمرار الحرب قابلاً لإنتاج دوائر جديدة من الصراع. وكلما طال أمد الانقسام، زادت فرص أن تصبح المناطق المتنازع عليها ساحات لتنافس إقليمي، لا مجرد جبهات سودانية.

لذلك فإن الزمن ليس محايداً في هذه الأزمة.

كل يوم تستمر فيه الحرب يمكن أن يرسخ واقعاً جديداً على الأرض، وكل مؤسسة موازية تنشأ، وكل سلطة محلية تتوسع، وكل شبكة اقتصادية وأمنية وسياسية تتشكل خارج المركز، تجعل العودة إلى دولة واحدة أكثر صعوبة.

ومن هنا، فإن أخطر سؤال أمام مبادرة البرهان ليس: هل ينجح الحوار أم يفشل؟

بل: ماذا يحدث إذا نجح كل معسكر في بناء مسار سياسي خاص به؟

عندها لن يكون السودان أمام حوارين فقط، بل أمام تصورين للشرعية، وربما تصورين للدولة.

لهذا، فإن الحوار المقبل يحتاج إلى هندسة أكثر تعقيداً من مجرد اختيار مكان انعقاد المؤتمر أو تشكيل لجنة تحضيرية. المطلوب أن تحدد العملية منذ البداية علاقتها بوقف إطلاق النار، وقواعد المشاركة، ومعايير التمثيل، والفصل بين المشاركة والمساءلة، ومستقبل المؤسسات العسكرية، وشكل الانتقال، وكيفية استعادة الدولة الواحدة.

والأهم أن تكون هناك نقطة التقاء بين الحوار الداخلي ومسار الخماسية، لا لأن السودان يحتاج إلى وصاية دولية، وإنما لأن تعدد المسارات من دون تنسيق قد يتحول إلى تعدد للشرعيات.

السودان لا يحتاج إلى حوار جديد يضيف مؤتمراً آخر إلى أرشيف مؤتمراته السياسية. يحتاج إلى حوار يستطيع أن ينقل الصراع من سؤال «من يسيطر؟» إلى سؤال «كيف تعود الدولة”؟

فالجيش وحده لا يستطيع أن يعيد بناء السياسة، والقوى السياسية وحدها لا تستطيع إنهاء حرب تحمل السلاح والجغرافيا والموارد، والمجتمع الدولي لا يستطيع أن يصنع سلاماً بالنيابة عن السودانيين.

المعادلة المطلوبة هي أن تلتقي هذه المسارات عند هدف واحد: إنهاء الحرب وإعادة بناء دولة واحدة.

أما إذا أصبح الحوار وسيلة لتحويل التفوق العسكري إلى شرعية سياسية، أو أصبح المسار المقابل وسيلة لتحويل السيطرة على الأرض إلى دولة موازية، فإن السودان سيدخل مرحلة أخطر من الحرب نفسها.

الخطر الحقيقي ليس أن يفشل الحوار، وإنما أن ينجح في تكريس الانقسام.

وعندها قد يكتشف السودانيون بعد سنوات من القتال، أن السؤال لم يعد من انتصر في الحرب، بل: أي سودان بقي؟

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: حج الجمعيات الأهلية 2027.. موعد التقديم والشروط وخطوات التسجيل
التالى وزيرة الإسكان تبحث مع فوربس العالمية تنفيذ برج صفر انبعاثات كربونية في مصر

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا