belbalady.net تحليل بقلم ستيفن كولينسون من شبكة CNN.
(CNN)-- باتت الحرب الأمريكية في إيران في أمسّ الحاجة إلى أفكار جديدة. فعلى الرغم من الضربات الأمريكية الجديدة التي نُفذت الأربعاء، عقب تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعبارات نابية، بأن إيران تستحق "ضربة قاضية" أخرى، فإنه لم يُثبت بعد قدرته على إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات.
كما أن المسار الدبلوماسي الذي أشاد به سابقًا، باعتباره سيحقق سلامًا تاريخيًا في الشرق الأوسط، أخفق أيضًا بعد انهيار مذكرة تفاهم صيغت بعبارات فضفاضة.
أما الخيارات المتاحة أمامه لتغيير المعادلة، مثل المخاطرة بحياة مئات الجنود الأمريكيين في حرب برية، أو الاعتراف بسيطرة طهران على مضيق هرمز، فهي خيارات بالغة السوء إلى درجة أن عبارة "لا توجد خيارات جيدة" أصبحت مبتذلة.
وقال لايل غولدشتاين، مدير قسم العلاقات الآسيوية في مركز أبحاث "أولويات الدفاع" الأمريكي: "إننا بالفعل في مأزق حقيقي".
ولا تقتصر كلفة الحرب مع إيران على أطرافها المباشرة، إذ تتصاعد التداعيات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وأوروبا، ما يزيد الضغوط على الأطراف الخارجية لمحاولة إحياء المسار الدبلوماسي.
فإذا ظل مضيق هرمز منطقة محظورة أمام معظم السفن المدنية، فإن التداعيات الخطيرة للحرب ستتفاقم مع تراجع الاحتياطيات العالمية من النفط، وارتفاع أسعار المنتجات النفطية، مثل الديزل والأسمدة، واحتمال مواجهة أوروبا نقصًا في الغاز الطبيعي المسال خلال الشتاء المقبل. كما أن صورة دول الخليج باعتبارها وجهات آمنة للسياحة الفاخرة والإقامة للأجانب تعرضت لضرر بالغ بسبب الحرب، فيما تواجه الحكومات الأوروبية الضعيفة أصلًا ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة المرتبطة بالحرب.
أما داخل الولايات المتحدة، فباتت الحرب تهدد بأن تصبح السمة الأبرز للولاية الثانية لترامب. وأظهر استطلاع جديد أجرته CNN، بالتعاون مع مؤسسة SSRS، ونُشرت نتائجه، الأربعاء، أن نسبة التأييد الشعبي لسياسات ترامب المتعلقة بإيران وأسعار الوقود تقل عن 30%. وتمثل هذه الأرقام تهديدًا خطيرًا للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، كما تقوض الوعد الذي قطعه ترامب للناخبين في انتخابات عام 2024 بجعل الحياة أقل تكلفة.
نهاية الأزمة في المضيق تبدو واضحة... لكن الوصول إليها صعب
تكمن مهارة الدبلوماسية، وفق مفهومها التقليدي، في خلق مساحة للحركة، وتقديم الحوافز، واغتنام اللحظة التي يمكن فيها إقناع الخصوم بالتراجع.
قد يهمك أيضاً
وكما هو الحال في كثير من النزاعات، يمكن تصور الإطار النهائي اللازم لوقف القتال وفتح الطريق أمام مفاوضات بشأن القضايا الجوهرية، مثل البرنامج النووي الإيراني. وقد يقوم هذا الإطار على تسوية تتيح للولايات المتحدة تجنب الاعتراف بأنها مُنيت بهزيمة استراتيجية بسبب سيطرة إيران الفعلية على المضيق، بينما تستطيع طهران القول إنها حافظت على أهم مكاسبها من حرب ألحقت دمارًا بقيادتها وقواتها المسلحة.
غير أن شق الطريق السياسي والدبلوماسي نحو هذه النقطة سيكون محفوفًا بالمخاطر. كما أن عملية خفض التصعيد ستتطلب خطة لإدارة المضيق مستقبلًا، وربما إشراك قوى خارجية لضمان سلامة الملاحة المدنية.
وفي ظل الجمود الدبلوماسي الحالي، تلوح بارقتا أمل.
الأولى تتمثل في فكرة ناشئة لإنشاء مؤسسة دولية تتولى دول الخليج وإيران إدارتها بشكل مشترك، بحيث تشرف على حركة التجارة في المضيق وتحقق عائدات منها، بما يسهم في استقرار أسعار النفط العالمية. ومن المفارقات أن مخرج الأزمة قد يكون كامنًا في مذكرة التفاهم التي أُلغيت، والتي دعت إيران وسلطنة عُمان إلى "تحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع بقية الدول المطلة على الخليج".
أما البارقة الثانية فقد تأتي أيضًا من خارج الولايات المتحدة. فقد طُرحت هذا الأسبوع خطة لعقد مؤتمر دولي تستضيفه بريطانيا لبحث سبل حماية السفن في المضيق، لكنها لم ترَ النور. ومع ذلك، من المرجح أن تعود فكرة توسيع الجهود الدبلوماسية، خاصة أن دولًا أخرى، ولا سيما في أوروبا وشرق آسيا، لديها الكثير لتخسره إذا استمر الوضع الراهن.
وخلال الأيام الأخيرة، اقتصرت التحركات الدبلوماسية المعلنة على محادثات جرت على مستوى نواب وزراء الخارجية بين إيران وسلطنة عُمان، التي تشترك معها في الإشراف على المضيق، لبحث سبل محتملة لإدارة حركة الملاحة إذا أُعيد فتحه.
وكشفت CNN، هذا الأسبوع أن سلطنة عُمان عارضت فرض رسوم عبور على ناقلات النفط في المضيق، وهو المقترح الذي تؤيده طهران، استنادًا إلى أن القانون الدولي ينص على حرية المرور الآمن في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. لكنها تروج، في المقابل، لتسوية تقوم على فرض رسوم مقابل "الخدمات البحرية"، وهو ما قد يشكل مخرجًا وسطًا.
تسعير حرية الملاحة
تناقش دراسة نشرتها مؤسسة "بورس وبازار" البحثية، ومقرها لندن، فكرة فرض "رسم هرمز". ولا يقوم المقترح على فرض رسوم مرور لاستخدام المضيق، وإنما على مساهمة مالية في إدارة الممر المائي تدفعها الدول المطلة على الخليج. ويستند أحد النماذج المقترحة إلى الترتيبات المعمول بها في مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، وتشارك في إدارته سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا.
كما تستند الدراسة إلى الرسوم التي يفرضها ميناء روتردام في هولندا لتقدير الإيرادات المحتملة، حيث تُفرض على أكبر ناقلات النفط رسوم "استدامة" تبلغ نحو 0.08 دولار لكل طن إجمالي من الحمولة. ولو طُبق رسم مماثل في الخليج، فإن المؤسسة الجديدة قد تحقق نحو 26 مليون دولار سنويًا، بحسب تقديرات الباحثين.
قد يهمك أيضاً
ويرى معدّو الدراسة أن الفكرة قد تكون قابلة للتطبيق، حتى إذا طالبت إيران بعائدات أكبر بكثير، لأن إضافة بضعة دولارات فقط إلى سعر برميل النفط ستكون أقل كلفة اقتصاديًا من التقلبات الحادة في الأسعار، التي ارتفعت بنحو 8% الأربعاء وحده، لتتجاوز 90 دولارًا للبرميل.
وقال الباحث إسفنديار باتمان غليج، أحد مؤلفي الدراسة، إن طهران ربما تكون أكثر مرونة بشأن العائد المالي لهذا المشروع مما يعتقده البعض.
وأضاف: "إذا كانت إيران تهتم فعلًا بوضعها الاقتصادي، فهناك أهداف أكبر بكثير من مجرد فرض رسوم في مضيق هرمز". وأوضح أن أي انفراجة دبلوماسية مع الولايات المتحدة قد تؤدي، على سبيل المثال، إلى رفع العقوبات أو استئناف تدفق صادرات النفط الإيرانية بحرية.
ورأى أيضًا أن هذا الترتيب قد يمنح طهران مكسبًا استراتيجيًا، إذ "سيؤكد أن المضيق لن يعود إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب، بما يؤكد أنها لم تُهزم، وأنها حافظت على استقلال قرارها ونفوذها خلال الصراع مع الولايات المتحدة".
وبصورة أوسع، قد يشكل إنشاء آلية متعددة الأطراف لإدارة المضيق بداية للإجابة عن سؤال يتزايد حضوره في منطقة الخليج: كيف ستتعامل دول المنطقة مع إيران أكثر ثقة بعد الحرب، وكيف ستدعم أي سلام محتمل؟
ومع ذلك، فإن عودة ترامب إلى مهاجمة إيران تعني أن أي دبلوماسية جادة ستظل مؤجلة. وحتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق يحقق الاستقرار في المضيق، فلن يعالج سوى أزمة جديدة أفرزتها الحرب، دون أن يقترب من معالجة المخاوف الأمريكية بشأن البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
لكن غولدشتاين يرى أن محدودية خيارات ترامب قد تجعل التسوية أمرًا لا مفر منه، رغم ما تنطوي عليه من سلبيات كبيرة.
وقال: "ستكون هذه أكثر التسويات إيلامًا، لأننا، كدولة، ولأن الغرب، بوصفه القوة القيادية في العالم، تمسكنا طوال فترة طويلة جدًا بمبدأ حرية الملاحة باعتباره أحد المبادئ الأساسية التي نقوم عليها."
لماذا قد ينتهي الأمر بترامب إلى الحاجة لأوروبا؟
كان معظم الرؤساء الأمريكيين المعاصرين سيلجؤون بالفعل إلى الحلفاء للمساعدة في التعامل مع إيران، بهدف توسيع الضغوط الدبلوماسية. فقد لعبت أوروبا، على سبيل المثال، دورًا محوريًا في الجهود التي قادت إلى الاتفاق النووي خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، كما أنها تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع إيران بعدما قطعت الولايات المتحدة علاقاتها معها عقب الثورة الإسلامية عام 1979.
لكن ترامب ألحق ضررًا بالغًا بالتحالف عبر الأطلسي، إذ تعامل مع حلفاء واشنطن التقليديين باعتبارهم خصومًا، من خلال فرض الرسوم الجمركية وتوجيه الإهانات إليهم. كما لم يتشاور مع كثير من الحلفاء قبل شن الحرب، التي رأوا أنها غير قانونية وغير حكيمة، ثم عاد وانتقدهم لعدم مشاركتهم في العمليات العسكرية.
قد يهمك أيضاً
ونتيجة لذلك، لا يملك القادة الأوروبيون الضعفاء سياسيًا حافزًا كبيرًا لمساعدته الآن. كما أن قدرات حلف شمال الأطلسي (الناتو) تبقى محدودة، إذ إن العروض الأوروبية لإرسال قدرات متخصصة في إزالة الألغام البحرية إلى المضيق كانت مشروطة بوقف جميع الأعمال القتالية.
لكن أي مبادرة أوروبية في الشرق الأوسط ستصطدم أيضًا بالعقبة نفسها التي تواجه سلطنة عُمان، وهي استراتيجية دبلوماسية أمريكية متقلبة ومربكة، تتغير تبعًا لمزاج ترامب.
وقال إيان ليسر، الباحث البارز في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، والمقيم في بروكسل: "من السهل أن تطلب من أوروبا المساعدة في تنفيذ استراتيجية متفق عليها، لكن لا توجد استراتيجية متفق عليها أصلًا. بل ليس واضحًا حتى الآن ما هي الاستراتيجية الأمريكية".
وقد يعرقل انعدام الثقة في النوايا الأمريكية أي جهود دبلوماسية أيضًا.
وقال إسفنديار باتمان غليج: "تشير محادثاتي مع أطراف معنية في طهران إلى أنهم لا يرفضون المقترح الذي طرحته سلطنة عُمان". لكنه أضاف أن إيران مترددة في التخلي عن سيطرتها على المضيق في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة التصعيد.
وأوضح: "من المرجح أن تسمح إيران، في مرحلة ما، بعودة الأوضاع في المضيق إلى طبيعتها، لأن ذلك يصب في مصلحتها. وربما يحدث ذلك في إطار إقليمي، لكنها لن تقدم على هذه الخطوة قبل أن تقتنع بأن الأمريكيين استوعبوا الدرس".
وكما هو الحال بالنسبة لسلطنة عُمان ودول الخليج الأخرى والدول الأوروبية، فإن ثمن عجز ترامب عن إنهاء حربه باهظ للغاية. وإذا لم تتمكن واشنطن وطهران من كسر الحلقة المفرغة من التصعيد المتبادل قريبًا، فلن تجد الأطراف الأخرى خيارًا سوى التدخل للمساعدة في إخراجهما من هذه الدائرة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" trends "


















0 تعليق