أطلق مركز الحرية والازدهار التابع للمجلس الأطلسي النسخة الجديدة من تقرير مؤشرات الحرية والازدهار لعام 2026، وجاءت نسخة الإصدار الجديد في عام، وصفه المنظمون، بأنه تميز بتحولات في التحالفات الاقتصادية، وموجة من الاحتجاجات السياسية التي قادها الشباب، مع تراجع الأمن الدولي؛ وهي عوامل انعكست على بيانات هذا العام.
وأظهرت النتائج، أن الحرية السياسية وسيادة القانون في حالة تراجع، فيما ظلت الحرية الاقتصادية مستقرة نسبياً خلال عام 2025، مع استمرار التباطؤ الاقتصادي.
وخلص معدو التقرير، إلى أنه عبر مختلف البلدان ومر الزمن، ترتبط الحرية ارتباطاً وثيقاً بارتفاع مستوى الرخاء، وأن سيادة القانون شرط أساسي؛ لتحقيق الازدهار على نطاق واسع، وغالباً ما تكون الحاجز الأخير ضد التآكل الديمقراطي، وأظهر التقرير انخفاض الالتزام بالقانون بشكل ملحوظ منذ عام 2020.
ما الذي يقيسه المؤشر؟
يعد المؤشر، ضمن مشروعات دولية هامة، ترصد العلاقة بين الحرية والرخاء، عبر قاعدة بيانات تمتد لثلاثة عقود.
وتغطي نسخة العام 2026 من التقرير 171 دولة بعد إضافة سبع دول جديدة منها، إفريقيا الوسطى، وجزر المالديف، والصومال، وتيمور الشرقية.
ويرتكز المشروع على قياس مؤشرين رئيسيين
الأول: مؤشر الحرية، ويقيس البيئة المؤسسية، التي تتيح للأفراد ممارسة حقوقهم السياسية، والعيش في ظل سيادة القانون، والمشاركة في نشاط اقتصادي، تحكمه أسواق حرة وتنافسية.
أما الثاني، فهو مؤشر الازدهار، وهو متعدد الأبعاد، ويشمل ستة عناصر هي: مستوى الدخل، والصحة، والتعليم، والبيئة، والمساواة في الدخل، وفرص الأقليات في المشاركة دون تمييز.
ويتضمن المؤشر الأول، الذي يركز على الحريات، ثلاثة أفرع: المؤشر السياسي، والقانوني، والاقتصادي.
ويختص السياسي كمؤشر أول بقياس مدى استجابة الحكومات والمشرعين للمواطنين واحترامهم للحقوق والحريات الفردية، عبر مكونات تشمل الانتخابات، والحقوق السياسية، والحريات المدنية، والقيود التشريعية على السلطة التنفيذية.
أما القانوني: يختص بقياس مدى التزام الدولة بسيادة القانون، من خلال وضوح التشريعات، واستقلالية القضاء وفعاليته، ومدى نزاهة الإدارة العامة ومدى وجود الفساد والبيروقراطية، ومستوى الأمن، الذي يتيح ممارسة الحياة والنشاط الاقتصادي.
بينما يقيس الفرع الاقتصادي، وهو المؤشر الثالث، حرية النشاط من خلال حماية الملكية، والتجارة والاستثمار، والحرية الاقتصادية للمرأة.
سيادة القانون.. جرس الإنذار الأبرز لهذا العام
يخلص التقرير في نسخة هذا العام، إلى تراجع الحرية السياسية، وهي حالة متواصلة منذ ثلاثة عشر عاماً، وخاصة في جانبها المتعلق بتدهور سيادة القانون، وهو يتضمن قياس مدى خضوع المواطنين والمسؤولين الحكوميين لتشريعات واضحة، وتسوية النزاعات من خلال قضاء مستقل وفعّال.، ومدى تمتع الإدارة العامة بدرجة عالية من النزاهة، وخلوها نسبيًا من الفساد وإساءة استخدام السلطة البيروقراطية.
وكذلك قدرة الأفراد على العيش وممارسة الأنشطة الاقتصادية، في بيئة تتمتع بالأمن والاستقرار.
وتُعد سيادة القانون حسب رؤية التقرير، هي الركيزة الأساسية لكل من الحرية السياسية والحرية الاقتصادية، إذ تُمكّن المجتمعات من الحفاظ على حرياتها، واستقطاب الاستثمارات، وتحويل النمو الاقتصادي إلى ازدهار شامل.
ويشير التقرير أنه منذ عام 2020، تراجع متوسط المؤشر القانوني عالمياً نقطة واحدة، وهو ما يبدو رقماً متواضعاً، لكنه يخفي تصدعاً في الاقتصادات المتقدمة، وهي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
كما تراجع المؤشر أربع نقاط منذ 2012، بما يفوق نسبياً تراجع المؤشر السياسي ذاته، وشمل دولاً مثل بلجيكا وكندا وفرنسا والمكسيك وهولندا وبولندا والبرتغال وسلوفاكيا وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة، التي فقدت وحدها 4.7 نقاط من مؤشر الحرية الإجمالي خلال عام واحد.
أما في الدول غير الأعضاء بمنظمة التعاون، فالتراجع واضح منذ 2020، لكنه أخطر؛ نظراً لانخفاض المستوى أساساً؛ نقطة الأساس.
إذ يبلغ متوسط المؤشر القانوني في هذه الدول نحو 50.3 نقطة، مقابل 75 نقطة في دول منظمة التعاون.
ويؤكد الباحثون، أن ضعف سيادة القانون يمثل “عائقا تنمويا” يحد من قدرة الأفراد والشركات على التخطيط والاستثمار وإقرار الحقوق، خصوصاً في الدول التي يكون فيها قدرة الدولة على حفظ النظام العام وحماية الناس من العنف السياسي، هشاً وغير مستقر.
الحرية السياسية: انزلاق يمتد ثلاثة عشر عاماً
على صعيد الحرية السياسية تحديداً، يوثّق التقرير ما يصفه بـ”الانزلاق العالمي نحو السلطوية” منذ عام 2012، حيث عاد متوسط المؤشر عملياً إلى مستواه في نهاية تسعينيات القرن الماضي.
يقول التقرير، إن العالم يشهد تراجعًا مستمرًا نحو السلطوية منذ ثلاثة عشر عامًا، وقد سجلت الاقتصادات الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ضعفًا في منظومة الضوابط والتوازنات، التي تحد من نفوذ السلطة التنفيذية، ولا سيما الرقابة التشريعية وحرية التعبير وحرية الصحافة.
ويشمل هذا التراجع عدة أوجه، ضعفاً في المنافسة الانتخابية، وضغوطاً متزايدة على الحريات المدنية، وقيوداً على الحقوق السياسية، في نمط ممتد، لا يقتصر على منطقة أو مجموعة محدودة من الدول.
وبين دول يقيسها التقرير، تتصدر الدنمارك تصنيف مؤشر الحرية لعام 2025، تليها أستراليا وفنلندا وألمانيا وأيرلندا والنرويج والسويد وسويسرا، وهم ضمن العشر الأوائل في مؤشر عام 2026.
فيما تتذيل القائمة دول تتسم بالحكم السلطوي أو النزاع أو الهشاشة، من بينها أفغانستان وإريتريا وإيران وميانمار والصومال والسودان وسوريا وتركمانستان وفنزويلا واليمن، وهي قائمة أغلبها في الشرق الأوسط.
الشرق الأوسط: ازدهار خليجي بلا حرية سياسية
يخصص التقرير إشارة صريحة، إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جاءت في مرتبة متوسطة على مؤشر الازدهار، خلف أوروبا وأمريكا الشمالية، متقدمة على مناطق أخرى، بفضل الأداء القوي لعدد من الدول الخليجية في عناصر بعينها كالدخل والصحة والتعليم، رغم أن أداءها على مؤشر الحرية يبقى ضعيفا.
منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا جاءت في مرتبة متوسطة على مؤشر الازدهار
وتكشف قاعدة بيانات المؤشرات عن فجوة بين الثروة والحرية في عدد من دول الخليج: فالإمارات تحتل المرتبة 35 عالمياً على مؤشر الازدهار، مقابل المرتبة 107 على مؤشر الحرية، أي فجوة تبلغ 72 مرتبة بين الرخاء والانفتاح السياسي.
وتتكرر الصورة ذاتها مع السعودية كمثال خليجي آخر، ضمن مجموعة من “الدول الغنية بالموارد” التي حققت مستويات دخل وصحة وبنية تحتية مرتفعة، بينما ظلت حرياتها السياسية، وسيادة القانون مقيدة بفعل قبضة السلطة.
وفي المقابل، تضم قائمة الدول الأدنى تصنيفاً على مؤشر الحرية عالمياً عدة دول من المنطقة، تعاني الصراع والهشاشة، أبرزها سوريا واليمن والسودان، ما يعكس التفاوت الحاد داخل الشرق الأوسط بين دول خليجية مستقرة اقتصادياً ومقيدة سياسياً، ودول تعصف بها الحرب وانهيار المؤسسات ومستوى الحريات المتدني.
ويلاحظ التقرير، أن سوريا برزت ضمن أكبر الدول “تحسناً” في مؤشر الحرية لعام 2025، لكن من قاعدة منخفضة للغاية، نقطة الأساس، ودون أن يبدل “التحسن” موقعها في قاع الترتيب العالمي.
سيادة القانون والازدهار
يشير التقرير أيضاً، إلى أن الصورة الإيجابية الظاهرية للحرية الاقتصادية عالمياً مضللة جزئياً؛ فارتفاع المؤشر الاقتصادي منذ 1995 مدفوع أساساً بتحسن كبير في عنصر “الحرية الاقتصادية للمرأة”، بينما تظل العناصر “الأساسية” حماية الملكية، وحرية التجارة والاستثمار شبه راكدة منذ 2012، بل وتشهد تراجعاً طفيفاً منذ 2021، خصوصاً في الدول غير الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي، حيث عادت هذه المكونات عملياً إلى مستوياتها في 2012.
ويقدم الباحثون في التقرير أدلة إحصائية على الارتباط بين المؤشر القانوني والحرية السياسية بالازدهار، حيث تُظهر البيانات، أن الازدهار المرتفع نادر جداً في الدول ذات المؤشر القانوني الضعيف: فمن بين الدول غير الأعضاء بمنظمة التعاون، التي تقع في الربع الأدنى لمؤشر سيادة القانون، لا تصل سوى 9% منها إلى الربع الأعلى من الازدهار، مقابل نحو النصف بين الدول ذات المؤشر القانوني الأعلى.
وربما يكون هنا الاستثناء هي دول الخليج، التي سبق الإشارة إليها، بازدهار مرتفع تقيده السلطوية ونظم الحكم.
يخلص التقرير، إلى أن تآكل الحرية دخل “مرحلة جديدة” تتجاوز الحقل السياسي التقليدي؛ لتطال أسس النظام القانوني، وهو ما يمثل تحذيراً مزدوجاً: فالدول ذات المؤسسات القانونية الضعيفة، ومعظمها ضمن تصنيف الدول النامية، يجب أن تتعامل مع إصلاح سيادة القانون كأولوية تنموية، بينما يتعين على الديمقراطيات العريقة، ألا تعتبر مؤسساتها القانونية أمراً مسلَّماً به، وتعمل بكفاءة.
يشير التقرير الذي يتبنى رؤية، تربط بين التنمية وحرية الأسواق، أن الحرية الاقتصادية تحقق أفضل نتائجها حين تكون مدعومة بمؤسسات قانونية قوية، وأن الإصلاحات الاقتصادية مهما بدت جريئة تبقى هشة، إذا كانت سيادة القانون غير فعالة، أو القواعد غير قابلة للتنبؤ، أو الإدارة العامة رهينة الفساد.
وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تبدو هذه الخلاصة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: فالثروة النفطية والتنمية البشرية المتقدمة في بعض دولها لا تعوّض غياب الحريات السياسية والقانونية، بينما تظل دول أخرى في المنطقة حبيسة حلقة الصراع والهشاشة المؤسسية، التي يحذر التقرير من أنها “تجعل الازدهار أمراً بعيد المنال”.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

















0 تعليق