belbalady.net (CNN)--بدأ الكابوس الذي عاشه تشارلي رولي في اليوم الذي التقط فيه ما بدا وكأنه زجاجة عطر عادية، وبعد مرور 8 سنوات، لا يزال يجد صعوبة في التعبير عما حدث، وفي من إنتاج CNN Films بعنوان "The Salisbury Poisonings: A Spy Next Door"، تم عرضه لأول مرة قناة CNN، الأحد؛ يروي رولي قصته إلى جانب آخرين تغيرت حياتهم إلى الأبد بسبب تلك الهجمات، وغالباً ما يتوقف عن الحديث في منتصف الجملة، بينما تغرورق عيناه بالدموع.
حدث ذلك في ظهيرة يوم صيفي في بلدة أميسبري بإنجلترا؛ وبينما كان ينقب في حاوية مخصصة للتبرعات الخيرية، لمح صندوقاً صغيراً من الورق المقوى. وبداخله، وجد عبوة مغلفة بالبلاستيك تحمل علامة "نينا ريتشي"، ونظراً لاقتناعه بأن أحدهم قد تخلص من زجاجة عطر فرنسي باهظ الثمن، أخذها معه إلى المنزل ليقدمها كمفاجأة لحبيبته دون ستورجس.
وكان العثور على كنوز بين الأشياء الملقاة إحدى هواياته المفضلة؛ إذ سبق له على مر السنين أن استعاد أجهزة تلفزيون وأدوات منزلية أخرى. لكنه في ذلك اليوم من شهر يونيو/ حزيران 2018، كان يأمل أن يكون أحدهم قد تخلص من خاتم يمكنه استخدامه لطلب الزواج منها، وقال لشبكة CNN في مقابلة أجريت معه مؤخراً: "لطالما تحدثت عن رغبتها في الحصول على خاتم خطوبة... خاتم مرصع بحجر الياقوت الأزرق".
ولم يكن يعلم أن الزجاجة تحتوي على نفس غاز الأعصاب الذي يعتقد المحققون أن عملاء روساً استخدموه قبل 3 أشهر لتسميم جاسوس سابق في مدينة سالزبوري القريبة. وما تلا ذلك كان سلسلة مأساوية من الأحداث أودت بحياة ستورجس وأدخلت رولي المستشفى، ليصبحا ضحيتين جانبيتين لقصة تجسس دولية تضمنت محاولة اغتيال عميل مزدوج.
ويتذكر قائلاً: "ظننت أنها هدية حقيقية ولطيفة، وقد سُعدت هي بتلقيها. لكن الأمور سارت بشكل مأساوي وسريع للغاية. لقد رشت العطر واستنشقته ووضعته على معصمها. وبعد فترة وجيزة، قالت إنها تشعر بشيء غريب. اشتكت من صداع... ثم توقفت عن الاستجابة تماماً. حاولت إنعاشها، وبدا وكأن كل شيء يحدث ببطء شديد".
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، كان رولي يتصبب عرقاً ويتحرك بجسده ذهاباً وإياباً ويتمتم بكلمات غير مفهومة، بينما كان السم - الذي تبيّن لاحقاً أنه "نوفيتشوك"، وهو غاز أعصاب روسي - يفتك بجسده هو الآخر. دخل رولي في غيبوبة ونُقل إلى المستشفى لأسابيع، مشيراً إلى أنه لم يكن يتذكر في البداية ما حدث بالضبط. وبعد خروجه من المستشفى، أصيب بسكتة دماغية أعادته إلى المستشفى لفترة طويلة أخرى.
لقد زجت هذه المحنة برولي - الذي لم يكن يدرك حقيقة الأمر - في خضم صراع بين أجهزة الاستخبارات الروسية والبريطانية، وقال رولي: "من كان يعلم أن جاسوساً يعيش في سالزبوري؟ لقد كانت صدمة. ومن كان يظن أن تلك المادة السامة ستظهر مجدداً داخل زجاجة؟".
وصرح لشبكة CNN قائلاً: "حاولت إبعاد تلك الذكريات عن تفكيري. لم أتوقع أن يحدث هذا لي أو لـ (دون)، ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأمور كما كانت عليه من قبل".
لقد لاحظ شيئاً غير معتاد بشأن الزجاجة.. كان الثنائي يتواعدان منذ نحو عام بعد أن التقيا في مركز لإيواء المشردين، حيث كانت تقيم سترجس، وكان رولي قد انتقل للتو إلى مسكن جديد، وبدأ في تجهيزه لتنتقل دون للعيش معه. تمحورت حياتهما حول متع بسيطة، بما في ذلك "الكنوز" التي كان رولي يحصل عليها من صناديق التبرعات الخيرية الموجودة خارج الأماكن العامة.
وقال: "كان هناك نوع من الحرج الاجتماعي المرتبط بكونك تُرى وأنت تنبش في صناديق التبرعات، لكن الأمر كان يؤتي ثماره في أغلب الأحيان. كنت أعثر دائماً على شيء ما، سواء كان كبيراً أو صغيراً. وأي أشياء جميلة كنت أجدها، كانت تذهب مباشرة إلى (دون) كنت دائماً أنبش حتى القاع، أملاً بالعثور على ذلك الخاتم".
وفي أوقات فراغهما، كان الثنائي يستمعان إلى الموسيقى ويشاهدان الأفلام؛ إذ كانت سترجس تحب موسيقى بوب مارلي، وأفلام الحركة، وقال رولي: "لم تكن مهتمة كثيراً بالأفلام الرومانسية الخفيفة، وفي بعض الأحيان، إذا كانت مدينة الملاهي المتنقلة تزور البلدة كنا نذهب إليها ونتجول بين الأكشاك ونمضي وقتاً مرحاً".
ثم قادتهما لفتة طيبة إلى مسار لم يكن يخطر ببال أحد، ففي 28 يونيو/حزيران -أي بعد يومين من عثور رولي على العلبة في صندوق التبرعات- قدمها لسترجس. حدث ذلك يوم السبت قرابة منتصف النهار، وكانا يشاهدان التلفاز بعد أن أمضيا اليوم السابق في "حدائق الملكة إليزابيث"، وهي حديقة غنّاء تقع على ضفة النهر وتطل على كاتدرائية سالزبوري التي تتميز بأعلى برج كنسي في بريطانيا يرتفع شامخاً فوق الأشجار.
وذكر رولي أنها تعرفت على العلامة التجارية فوراً وبدت متحمسة. يتذكر أنه استغرب كون فوهة الرش منفصلة وغير مثبتة بالعبوة، وأنه كان عليه نزع الغطاء وتركيب الفوهة بنفسه.
وقامت ستورجس برشّ المادة، وشمّتها، ثم مسحت القليل منها على معصمها. كان قوام المادة زيتياً ولم تكن لها أي رائحة. ويتذكر أنه فكّر حينها: "أمر غريب للغاية؛ عطر بلا رائحة".
وبعد فترة وجيزة، أخبرته بأنها لا تشعر بصحة جيدة وتوجهت إلى الحمام، حيث سمع صوت ارتطام؛ فوجدها فاقدة للوعي داخل حوض الاستحمام واتصل بخدمات الطوارئ.
وقال: "في لحظة كنت أتحدث مع داون، وفي اللحظة التالية لم تعد على طبيعتها وفقدت وعيها. انتابتني حالة من الذعر الشديد، ولم أدرِ ما عليّ فعله".
سارع المسعفون بنقل ستورجس إلى المستشفى. ونظراً لعدم علمه بأنها تعرضت للتسمم وأن الأمر مرتبط بأنشطة تجسس روسية، قرر رولي إنجاز بعض المهام قبل اللحاق بها هناك.
قال: "ليتني ذهبت معها. كنت أخطط لتجهيز حقيبة صغيرة لها تحتوي على بعض الأغراض البسيطة، وبعض الملابس، ومستحضرات التجميل أو ما شابه، لتأخذها معها إلى المستشفى. لكن كل شيء حدث بسرعة كبيرة".
لم يرَ سترجيس مرة أخرى قط. فبعد 5 ساعات من انهيارها، عادت سيارة إسعاف إلى العنوان نفسه لنقل رولي، الذي كان قد أُصيب هو الآخر بالمرض بعد عودته إلى المنزل.
توفيت سترجيس بعد 10 أيام، بينما كان رولي في غيبوبة، وكانت تبلغ من العمر 44 عاماً.
يقول نيل باسو، الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة البريطانية، في الفيلم الوثائقي، إن الزجاجة الصغيرة كانت تحتوي على كمية من السم تكفي لقتل 10 آلاف شخص.
تسميم جاسوس سابق في الجوار
تبدو مدينة سالزبوري الساحرة وخلابة المظهر -التي يبلغ عدد سكانها حوالي 44 ألف نسمة- وكأنها مكان يصلح لبطاقة بريدية، لا مركزاً لفضيحة تجسس دولية.
وتكشفت خيوط القضية وكأنها مشهد من رواية تجسس؛ ففي ظهيرة يوم بارد من شهر مارس/ آذار 2018، عُثر على شخصين وهما ممددان بلا حراك على مقعد في مجمع تجاري وسط المدينة.
وحدد المحققون هويتيهما: سيرغي سكريبال، وهو ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الروسية اتُهم بالتجسس لصالح جهاز الاستخبارات البريطاني "MI6"، وابنته يوليا التي كانت تزوره قادمة من موسكو. كما نُقل ضابط الشرطة الذي عثر عليهما أولاً إلى المستشفى.
قال رولي، وكأنه لا يزال يجد صعوبة في تصديق الأمر حتى بعد مرور 8 سنوات: "كان لدينا جاسوس في سالزبوري. كانت المدينة تخفي أسراراً".
وفي غضون أيام، توصل المحققون البريطانيون إلى أن الاثنين قد سُمِّما بغاز "نوفيتشوك"، وهو غاز أعصاب طوّره الاتحاد السوفييتي.
وذكر المحققون أن عنصرين من الاستخبارات العسكرية الروسية سافرا إلى بريطانيا بأسماء مستعارة، ووضعا السم على الباب الأمامي لمنزل سكريبال، ثم استقلا رحلة جوية عائدة إلى موسكو.
وانتشر خبراء الأدلة الجنائية -مرتدين بدلات الحماية من المواد الخطرة- في شوارع سالزبوري التي تعود للعصور الوسطى. وفرضت الشرطة طوقاً أمنياً حول المتنزهات والحانات والمطاعم، بينما كانت الفرق تبحث عن آثار لغاز الأعصاب القاتل.
ومع كل حالة مرضية تظهر، كانت حالة من الذعر تسود خشية أن يكون "نوفيتشوك" قد ضرب مجدداً. وقام أحد رجال الدين بتطهير المدينة بالماء المقدس لطمأنة المجتمع الذي أصابه القلق والاضطراب.
وبعد أسابيع قضاها الأب وابنته في حالة حرجة، نجيا من الهجوم. قال مارك سيدويل، مستشار الأمن القومي البريطاني آنذاك لشبكة CNN: "منذ البداية، كان واضحاً لي أن الأمر لم يكن مجرد تسميم، بل محاولة اغتيال".
وبعد3 أشهر، بدأت المدينة تستعيد شيئاً من حياتها الطبيعية. ثم، وعلى بعد حوالي 8 أميال شمال سالزبوري، التقط رولي -دون علم منه- الزجاجة الملقاة التي استُخدمت لنقل السم.. وهكذا، بدأ الكابوس من جديد.
وصرحت أمبر رود، وزيرة الداخلية البريطانية آنذاك، بأن حوادث التسميم هذه أثارت تساؤلات مقلقة.
وتقول في الفيلم: "لا يريد عامة الناس سماع أننا لسنا متأكدين تماماً من ماهية هذه المادة، أو مصدرها، أو الاحتمالات الأخرى بشأنها. إنهم يريدون أن يعرفوا أن حكومتهم ستحافظ على سلامتهم".
لقد تخلى عن سعيه لتحقيق العدالة.. اعتبر البعض محاولة اغتيال سكريبال الفاشلة إحراجاً للرئيس فلاديمير بوتين، الذي نفى المزاعم القائلة بأن روسيا تقف وراء عملية التسميم، واصفاً إياها بأنها "هراء".
وبعد جهود مكثفة لإزالة التلوث، أعلنت السلطات خلو مدينة سالزبوري من غاز الأعصاب بعد مرور عام. وتفيد التقارير بأن سكريبال وابنته يعيشان في الخفاء بهويات جديدة لضمان سلامتهما.
لكن بالنسبة لرولي، لم تكن المحنة قد انتهت بعد؛ فقد استيقظ من غيبوبته بذاكرة مشوشة عما حدث، وأخبره الطبيب بأن السم قد أودى بحياة شريكته.
وقال: "لقد أصبت بصدمة لأن تلك كانت الزجاجة التي أهديتها لـ (دون). شعرت بشعور فظيع، وبذنب هائل حيال ذلك.. ولا يزال من الصعب عليّ التعامل مع هذا الأمر حتى اليوم".
ولا يزال رولي يعيش بالقرب من سالزبوري، محاطاً بما يذكره بتلك الحادثة؛ فقد عانى من مشاكل في التوازن والرؤية بعد الهجوم، وفقد القدرة على استخدام ذراعه اليسرى، وبعد مرور سنوات، قال إن ذاكرته لم تتعافَ تماماً قط.
وأضاف: "أعزو ذلك إلى غاز (نوفيتشوك)، لكنني لا أعرف ما إذا كان قد تسبب في أضرار دائمة".
تم تحديد هوية العملاء الروس لكن لم يتم القبض عليهم قط؛ فقد أصروا على أنهم سافروا إلى سالزبوري كسياح للإعجاب بكاتدرائيتها الشهيرة.
وبعد عام من الهجوم، التقى رولي بالسفير الروسي في لندن، آملاً في الحصول على بعض التوضيح بشأن ما حدث. قال: "أردتُ حقاً سماع الأمر من المصدر والحصول على إجابة. لكنني لم أحصل على أي إجابة فعلية؛ بدا الأمر مجرد أعذار ومحاولة للتنصل من المسؤولية"، وأضاف أنه لم يعد يتوقع تحقيق العدالة للمرأة التي فقدها، وتابع قائلاً: "الأمر خارج عن إرادتي؛ فلا شيء بوسعي فعله".
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" trends "


















0 تعليق