بخروج منتخب المغرب من منافسات النسخة الـ23 لبطولة كأس العالم لكرة القدم، كآخر منتخب من بين عشرة منتخبات من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تأهلت للمنافسة في المونديال، بات متاحا إعادة قراءة أكبر حضور للمنطقة في تاريخ البطولة، باعتبارها فرصة لتحليل الرياضة من حيث كونها إحدى نوافذ فهم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. وهي المهمة التي اضطلع بها المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية.
ففي هذه النسخة من البطولة الأهم والأشهر في عالم كرة القدم:” تأهلت عشرة منتخبات وطنية من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. فمن “أسود الأطلس” المغرب، إلى “أسود الرافدين” العراق، مروراً بـ”محاربي الصحراء” الجزائر، و”نسور قرطاج” تونس، و”الصقور الخضر” السعودية، و”الفراعنة” مصر، لتشهد المنطقة النسخة الأكثر تمثيلاً لها في تاريخ البطولة حتى الآن.
و بعيداً عن الأداء داخل الملعب، باتت الرياضة تمثل بعداً إضافياً يمكن من خلاله توفير إطلالة على التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه المنطقة.
حيث لم يعد فهم الرياضة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ممكنًا من منظور رياضي بحت، إذ أصبحت الملاعب والبطولات والاستثمارات الرياضية جزءًا من المشهد الجيو سياسي الأوسع، وأداة تستخدمها الدول والمجتمعات للتأثير في الداخل والخارج على حد سواء. ومن هذا المنطلق، فإن المشاركة العربية القياسية في كأس العالم 2026 لا تمثل مجرد نجاح رياضي، وإنما تعكس أيضًا تحولات أعمق تشهدها المنطقة في كيفية توظيف الرياضة ضمن استراتيجيات التنمية، وبناء النفوذ، وصياغة المكانة الإقليمية والدولية.
ومن الخليج إلى فلسطين، مروراً بدول المغرب العربي، لعبت الرياضة دورا متعدد الأوجه لهذا النشاط الحيوي الأكثر شعبية، لتوظيف الرياضة كمصدر للشرعية الداخلية، وساحة للتنافس والصراع السياسي، ووسيلة لإبراز النفوذ والتأثير خارج الحدود الوطنية.
وباتت الرياضة أداة متزايدة الأهمية في مجالات السياسة الخارجية والدبلوماسية والقوة الناعمة في مختلف أنحاء المنطقة.
من خلال هذه الرؤية تأتي أهمية ملف المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، والذي رصد من خلاله كيف تؤدي الرياضة دوراً مهماً في تعزيز الوحدة الوطنية، وتحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتطوير البنية التحتية، كما توفر مساحة للتعبير عن المظالم الاجتماعية والمطالبة بالتغيير السياسي.
الملف الذي اعتمد منهجية لا تُلقي بالا لنتائج المباريات أو فنيات وخطط المدربين بل ترى ما يتابعه الملايين من عشاق كرة القدم عبر منظور تتقاطع فيه حقول معرفية متعددة هي الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية، وكذا دراسات القوة الناعمة وعلم الاجتماع السياسي، ولا يغيب عنها الاقتصاد السياسي للرياضة، هذا الملف هنا يعتبر الرياضة بعداً إضافياً يمكن من خلاله فهم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، بعيدا عن فنيات الأداء داخل الملعب.
كرة القدم.. أدوار متعددة
القراءة المتأنية لأبحاث الملف تكشف عن أطروحته الأساسية، التي يقدمها من خلال نماذج متعددة من المنطقة، تبدأ بدول الخليج التي جعلت من الاستثمار الرياضي جزءًا من استراتيجياتها للتحول الاقتصادي وتعزيز حضورها العالمي، وتمر بالقضية الفلسطينية حيث تتخذ الرياضة بعدًا يتجاوز المنافسة ليصبح وسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية ومقاومة الاحتلال والعزلة، كما يناقش توظيف كرة القدم في الصراع على الشرعية داخل ليبيا، والاستراتيجية المغربية في توظيف الرياضة لخدمة التنمية والدبلوماسية، فضلًا عن دور الرياضة في التنافس الدولي داخل القارة الإفريقية، وصولًا إلى العلاقة التاريخية بين كرة القدم والاحتجاجات والصراعات السياسية في الشرق الأوسط.
ولا يدعو الملف إلى النظر إلى الرياضة باعتبارها بديلًا عن أدوات السياسة التقليدية، بل باعتبارها امتدادًا لها. فالملاعب، والبطولات، والأندية، وحقوق البث، وصفقات الاستثمار، جميعها أصبحت عناصر في معادلات القوة والنفوذ. ومن ثم، فإن فهم التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم يعد يقتصر على متابعة ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد، وإنما يقتضي كذلك قراءة الدور المتنامي الذي تؤديه الرياضة بوصفها إحدى أدوات السياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين.
يتضمن الملف مقدمة وست دراسات رئيسية، هي:
الخليج “الغسل الرياضي”
وهي الدراسة التي أعدتها الباحثة آمنة موصلي، وترصد من خلالها كيف أصبحت الرياضة جزءًا من استراتيجيات التحول الاقتصادي (مثل رؤى التنويع الاقتصادي)، وأداة لتعزيز القوة الناعمة والسياسة الخارجية، مع مناقشة الانتقادات المتعلقة بما يُعرف بـ”الغسل الرياضي” وهو مصطلح يُستخدم في الأدبيات السياسية والإعلامية لوصف استخدام الحكومات أو الشركات أو الجهات ذات السمعة المثيرة للجدل للرياضة بهدف تحسين صورتها العامة، أو صرف الانتباه عن انتقادات تتعلق بحقوق الإنسان أو الفساد أو النزاعات أو ممارسات أخرى محل جدل.
ولا يُعد هذا المصطلح مفهومًا قانونيًا أو علميًا متفقًا عليه بشكل كامل، بل هو مصطلح تحليلي ونقدي شائع الاستخدام في الإعلام والأبحاث الأكاديمية ومنظمات حقوق الإنسان، بينما ترفضه غالبًا الدول أو الجهات التي يُوجَّه إليها
فلسطين الهوية والمقاومة
الدراسة الثانية في الملف والتي أعدتها محررة الملف جوليا فابريتسي والمهمومة بقضايا الشرق الأوسط والصراعات والهوية تركز على كيف تمثل الرياضة وسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، وتعزيز الشعور بالانتماء في ظل الظروف السياسية المعقدة. كما تستعرض التحديات التي تواجه الرياضيين الفلسطينيين، بما في ذلك قيود الحركة والمشاركة في المنافسات الدولية.
وترى الدراسة أن الرياضة أصبحت مساحة للتعبير عن الهوية والصمود، إلى جانب كونها نشاطًا رياضيًا.
ليبيا الشرعية
ومن فلسطين الي ليبيا حيث يرصد ويحلل الباحث أنس القماطي العلاقة بين كرة القدم والتحولات السياسية التي شهدتها ليبيا منذ عهد معمر القذافي وحتى مرحلة الانقسام السياسي الحالية. وتوضح كيف استُخدمت الرياضة في أوقات مختلفة كأداة لتعزيز الشرعية أو اكتساب التأييد الشعبي. كما تناقش تأثير الانقسام السياسي على المؤسسات الرياضية وعلى قدرة كرة القدم على توحيد المجتمع الليبي.
المغرب الاقتصاد والعدالة
تستعرض الدراسة التجربة المغربية في توظيف الرياضة ضمن مشروع أوسع للتنمية الاقتصادية وتعزيز الحضور الدولي، خاصة بعد الإنجازات التي حققها المنتخب المغربي في كأس العالم 2022. كما تناقش الاستعدادات لاستضافة بطولات كبرى، ودور الرياضة في دعم السياحة والاستثمار. وفي المقابل، تشير إلى التحديات المرتبطة بتوزيع العوائد الاقتصادية ومتطلبات التنمية المحلية.
إفريقيا التنافس الدولي
الباحث والاكاديمي الجزائري محفوظ عمارة وهو أستاذ مشارك في إدارة الرياضة والعلوم الاجتماعية بجامعة قطر، ويُعد من أبرز الباحثين العرب المتخصصين في سياسات الرياضة، والدبلوماسية الرياضية، والعلاقة بين الرياضة والسياسة في العالم العربي، أعد دراسة قيمة عنونها “ما وراء التنمية.. الرياضة وسياسات النفوذ الجديدة في إفريقيا” وحلل خلالها كيف أصبحت القارة الإفريقية ميدانًا للتنافس بين القوى الدولية عبر الاستثمار في الملاعب، وبرامج تطوير المواهب، وحقوق البث، والدبلوماسية الرياضية.
الشرق الأوسط الصراع السياسي
الباحثة نوران أحمد، وهي باحثة مصرية متخصصة في دراسات الحركات الاجتماعية، والدين والقانون، والسياسة المقارنة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، استعرضت في دراستها “كرة القدم والصراع السياسي في الشرق الأوسط”، العلاقة التاريخية بين كرة القدم والسياسة، بدءًا من حركات التحرر الوطني، مرورًا باحتجاجات الربيع العربي، وصولًا إلى تأثير الحرب على غزة على الخطاب الرياضي والسياسي.
يُذكر أن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، هو هيئة متخصصة في السياسة الدولية والعلاقات الدولية، والأمن والدفاع، والاقتصاد والجغرافيا السياسية، وشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذا ملف الاتحاد الأوروبي والسياسات العالمية.
ويُعد المعهد الذي تأسس عام 1934 في مدينة ميلانو، مؤسسة بحثية مستقلة غير ربحية تنتج دراسات وتقارير موجهة لصناع القرار والباحثين ووسائل الإعلام، كما ينظم مؤتمرات وبرامج تدريبية، ويشارك في مبادرات بحثية مع مؤسسات أوروبية ودولية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "









0 تعليق