بالبلدي: الاتفاق اللبناني- الإسرائيلي وإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق العربي

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ الاستقلال، ظل لبنان أحد أكثر بلدان الشرق الأوسط تأثرًا بالتحولات الإقليمية، ليس بسبب موقعه الجغرافي فحسب، وإنما أيضًا نتيجة تركيبته السياسية والطائفية، التي جعلت توازناته الداخلية وثيقة الارتباط بموازين القوى الخارجية. ولذلك، فإن معظم الاتفاقات السياسية والأمنية المتعلقة بلبنان لم تكن نتاجًا لتوافقات داخلية خالصة، بل جاءت انعكاسًا لتفاهمات أو تنافسات إقليمية ودولية، امتدت آثارها إلى الداخل اللبناني.

وفي هذا الإطار، لا يمثل الاتفاق اللبناني– الإسرائيلي برعاية الولايات المتحدة استثناءً. فعلى الرغم من أن أهدافه المعلنة تتركز في تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية وتعزيز دور مؤسسات الدولة، فإن توقيته ومضمونه يعكسان مسعى أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق العربي، في ظل متغيرات فرضتها الحرب في غزة، واتساع نطاق المواجهة على الجبهة اللبنانية، وتزايد الانخراط الأمريكي في إعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.

غير أن الفرضيات التي استند إليها الاتفاق تعرضت لاختبار مبكر مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما ترتب على ذلك من تراجع فرص الفصل بين المسار اللبناني ومسار الصراع الإقليمي الأوسع. كما أدت هذه التطورات إلى إعادة تشكيل النقاش داخل لبنان، بحيث لم يعد الخلاف يتركز على تفاصيل الاتفاق، بل على البيئة السياسية والأمنية، التي سيُنفذ في إطارها، وعلى مدى قدرة الدولة اللبنانية على تطبيق التزاماتها في ظل استمرار المواجهة العسكرية وعدم استقرار الإقليم.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها، أن البيئة الإقليمية أصبحت المتغير المستقل الأكثر تأثيرًا في مستقبل الاتفاق، بينما باتت التفاعلات اللبنانية الداخلية تعكس بدرجة كبيرة، اتجاهات هذه البيئة أكثر مما تصنعها، ووفقًا لهذه الفرضية، لا يمكن تقييم فرص استدامة الاتفاق من خلال تحليل مواقف القوى اللبنانية وحدها، وإنما من خلال دراسة الكيفية، التي أعادت بها القوى الإقليمية تعريف مفهوم الاستقرار في لبنان، وربطته بحساباتها الأمنية والاستراتيجية.


أولًا: البيئة الإقليمية وإعادة تعريف مفهوم الاستقرار اللبناني

تكشف التطورات الأخيرة، أن القوى الفاعلة في الإقليم لم تعد تختلف حول أهمية تجنب حرب شاملة في لبنان بقدر اختلافها حول الوسائل المؤدية إلى هذا الهدف. فبينما تتفق معظم الأطراف، على أن انهيار الدولة اللبنانية أو انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة لا يخدم الاستقرار الإقليمي، فإنها تتباين بصورة جوهرية في تعريفها لمفهوم الأمن، وفي ترتيب أولويات الوصول إليه.

الولايات المتحدة: من إدارة الأزمة إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية

تعاملت واشنطن مع الاتفاق بوصفه جزءًا من مقاربة أوسع، تهدف إلى إعادة بناء منظومة الأمن الإقليمي بعد الحرب في غزة. ولم يعد الهدف مقتصرًا على احتواء التصعيد على الحدود اللبنانية، بل امتد إلى تعزيز دور الدولة اللبنانية، وتقوية مؤسساتها الأمنية، وربط المساعدات الدولية بإصلاحات سياسية وأمنية، تكرس احتكار الدولة لاستخدام القوة.

إلا أن تصاعد المواجهة الأمريكية– الإيرانية أعاد ترتيب أولويات السياسة الأمريكية. فمع انتقال الاهتمام إلى إدارة الردع الإقليمي، أصبح الملف اللبناني جزءًا من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني، وهو ما جعل تنفيذ الاتفاق، يرتبط بصورة متزايدة، بمسار العلاقة بين واشنطن وطهران، أكثر من ارتباطه بالتفاهمات اللبنانية– الإسرائيلية ذاتها.

إسرائيل: الأمن قبل التسوية

تنطلق المقاربة الإسرائيلية من فرضية مفادها، أن أي ترتيبات سياسية لا يمكن أن تكون مستدامة، إذا لم تسبقها تغييرات ميدانية تقلص مصادر التهديد على الحدود الشمالية. ومن هذا المنطلق، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل جنوبي لبنان، معتبرة أن الضغط العسكري يمثل أداة مكملة للمسار السياسي، وليس نقيضًا له.

كما أن الاعتبارات السياسية الداخلية تضيف بُعدًا آخر إلى عملية صنع القرار الإسرائيلي. ففي ظل الاستقطاب السياسي واقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكتسب الملف الأمني أهمية مضاعفة، إذ تميل الحكومات الإسرائيلية إلى تجنب أي خطوات قد تُفسر داخليًا، على أنها تراجع في مواجهة التهديدات الأمنية. ومن ثم، فإن استمرار الضغط العسكري لا يرتبط فقط بالحسابات الميدانية، بل أيضًا بالاعتبارات السياسية الداخلية، الأمر الذي يحد من فرص الانتقال السريع إلى ترتيبات أكثر استقرارًا.

إيران: الاتفاق في إطار معادلة الردع الإقليمي

من منظور طهران، لا يُنظر إلى لبنان بوصفه ملفًا منفصلًا عن بقية ملفات الإقليم، بل باعتباره أحد المكونات الرئيسية لمنظومة الردع، التي تشكلت خلال العقود الماضية. ولذلك، فإن أي ترتيبات أمنية يُعتقد أنها قد تُضعف هذه المنظومة، تُقاس وفق تأثيرها في ميزان القوى الإقليمي، وليس وفق انعكاساتها داخل لبنان وحده.

وفي ضوء تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، ازدادت أهمية الحفاظ على عناصر الردع الإقليمية بالنسبة لإيران، وهو ما يجعل أي تقدم في تنفيذ الاتفاق مرهونًا أيضًا بمستقبل العلاقة بين الطرفين، وبمدى انتقالها من إدارة التصعيد إلى إدارة التوازن.

*سفير مصر الأسبق ببيروت

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??