(CNN)-- تعود إحدى المفاتيح الأساسية في التجربة الإبداعية للمصمّمة السعودية نسيبة حافظ إلى لحظة شخصية فارقة أعقبت وفاة والدها، حين احتفظت بمجموعة من ربطات العنق الخاصة به وحوّلتها إلى فساتين وتنانير لأخواتها.
لم يكن ذلك الفعل واعياً في سياق مفاهيم الاستدامة أو إعادة التدوير، بل كان تعبيراً عن علاقة عاطفية مع الذاكرة، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى نقطة انطلاق لمقاربة جديدة في التصميم تقوم على إعادة إحياء المواد ومنحها حياة ثانية.
تسجّل حافظ اليوم حضوراً لافتاً في المشهد الإبداعي المعاصر، حيث تعيد عبر أعمالها صياغة العلاقة بين الحِرفة التقليدية والموضة الحديثة، وبين الذاكرة الفردية والهوية الثقافية، في مقاربة تتجاوز الشكل إلى المعنى. وتستمد تصاميمها من المسرحيات الموسيقية، وملهمات السينما المصرية، والأنماط المبهرة لحقب الخمسينيات، والستينيات، والسبعينيات.
وقالت حافظ في مقابلة مع موقع CNN بالعربية إنّ انجذابها للتطريز والحِرف اليدوية التقليدية يعود إلى أثر اليد البشرية في العمل الفني، معتبرةً أن هذا الأثر يذكّر في عالم متسارع بأن الجمال يمكن أن يولد من الصبر، واللامثالية، وعمق العملية الإبداعية، مضيفة أنّ التطريز بالنسبة لها يشبه اللغة، إذ يحمل في كل غرزة تاريخاً ومشاعر وهوية، وهو ما يشكّل مرجعاً دائماً في أعمالها.

وعن إعادة تفسير الحِرف التقليدية بأسلوب معاصر، أوضحت المصممة السعودية أنها لا تنظر إلى التراث كشيء ثابت، بل كعنصر حيّ يتطوّر باستمرار، مؤكدةً أنها تسعى إلى إخراج التقنيات التقليدية من سياقاتها المتوقعة وإعادة إدراجها ضمن سرديات حديثة، من خلال قصّات غير مألوفة، أو تنسيقات معاصرة، أو مزج غير تقليدي للمواد، بهدف صنع حوار بين الماضي والحاضر بدل إعادة إنتاج الماضي كما هو.
مفارش السفرة صارت كيمونو وتنانير وسترات
في هذا السياق، لفتت إلى ميلها لاستخدام مواد غير تقليدية في التصميم، لا تنتمي بالضرورة إلى عالم الموضة، موضحةً أنها تستمتع بتحدي المفاهيم السائدة حول ما هو "مسموح" أو "غير مألوف"، من خلال تحويل المواد الصناعية أو التقنية إلى خامات ناعمة وقابلة للارتداء.
كما أشارت إلى أنّ الاستدامة تشكّل أحد المحرّكات الأساسية لعلامتها التجارية، إذ تركّز على تقليل الهدر والاعتماد على ثلاث ركائز أساسية: الاستدامة، وإعادة التدوير، وإعادة التوظيف (Upcycling).
لهذا، تعتمد على استخدام الأقمشة الفائضة في تصميم قطع جديدة، أو في صناعة حقائب بديلة للأكياس الورقية، أو في تحويل مفارش الطاولات إلى كيمونو، أو تنانير، أو سترات (Vest).
كما تستعيد في هذا السياق بدايات تجربتها مع إعادة توظيف ربطات عنق والدها الراحل ضمن هياكل وقطع جديدة، لتُنتج من خلالها مجموعة من الفساتين والتنانير. وتحضر اليوم ربطات العنق في عدد كبير من تصاميمها.
أما في ما يخص التحديات بين الإبداع والاستدامة، رأت المصممة السعودية أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الإبداع ذاته، بل في البنية التحتية لصناعة الموضة التي بُنيت على السرعة والإنتاج الكثيف، مؤكدةً أن الاستدامة تتطلب تباطؤاً وقرارات أكثر وعياً، لكنها لا تتعارض مع الإبداع، خاصة أن القيود برأيها غالباً ما تقود إلى حلول أكثر ابتكاراً.
وفيما يخص الهوية السعودية بأعمالها، أشارت حافظ إلى أنها لا تتعامل معها كرموز بصرية مباشرة، بل كتجربة معيشة تتكوّن من التناقض بين التقليد والحداثة، ومن روح المجتمع، والطبيعة، والألوان، والطاقة الثقافية للمنطقة، مضيفةً أنها تسعى إلى التعبير عن هذه العناصر بشكل خفي وتراكمي، خاصة أن السرد الثقافي الأصدق يحدث غالباً تحت السطح.

وفي قراءتها لتحوّل المشهد الإبداعي بالسعودية، أكدت حافظ أن ما يميّز المرحلة الحالية هو الإحساس بالإمكانات والانفتاح، مع بروز جيل جديد من المبدعين الذين يبنون منظومة الأزياء ، معتبرةً أن تنوّع الأصوات وغياب سردية واحدة مهيمنة يشكّل علامة صحية على نضج المشهد.
قد يهمك أيضاً
وشددت ختامًا على أن جزءاً أساسياً من ممارستها يرتبط بالعمل مع مبادرات إنسانية ومجتمعية وجمعيات نسائية، سواء من خلال إعادة التوظيف أو التعاون مع مشاريع تدعم الحِرف وتمكين النساء، بما يرسّخ فكرة أن الموضة يمكن أن تكون أداة تأثير اجتماعي إلى جانب كونها مساحة للإبداع.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" cnnarabic "


















0 تعليق