تنبع خصوصية الاتفاق الأمريكي الإيراني المزمع التوقيع عليه غدا الجمعة من كونه “اتفاق مُرحل” شبيه باتفاق غزة الذي لن يحسم كل القضايا إلا من خلال مسار تفاوضي آخر سيستمر في حالة إيران 60 يوما.
ولأن ترامب يحب اللقطة والشو فإنه أراد أن يوقع على الاتفاق يوم عيد ميلاده وأفسده عليه الإيرانيون، ولكنه وضع خصوصية لنصوص هذا الاتفاق غير معتادة في اتفاقات إنهاء الحروب، وهي إعطاء فترة انتقالية توضع فيها طهران تحت الاختبار حتى يمكن أن يُفرج بشكل تدريجي عن الأموال الإيرانية المجمدة وتُرفع العقوبات أيضا بشكل تدريجي على ضوء التزام إيران بتفكيك برنامجها النووي والالتزام ببنود الاتفاق.
وقد نشرت وكالة «بلومبرج» مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً بين الولايات المتحدة وإيران، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة جوانب: الأول وهو بند مكرر في أي اتفاقية بين بلدين وينص على “تتعهد إيران والولايات المتحدة باحترام سيادة كل منهما ووحدة أراضيه، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر”.
أما الجانب الثاني فهو ما يمكن القول إنه الجانب الرمادي في الاتفاق أو الجانب المؤجل لمدة 60 يوما والمتعلق بتفكيك البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع تدريجي للعقوبات الأمريكية ورفع الحظر عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وهنا سنجد بنودا لافتة في هذا الاتفاق تتعلق بعملية المقايضة التي كانت في الحقيقة جوهر اتفاق أوباما في 2015 والذي وقعته 5 دول عظمي مع إيران وقام في أساسه على رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران مقابل التزامها بنسب تخصيب للأغراض السلمية بلغت وقتها 3.67% وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018 ضاعفت طهران نسب التخصيب حتى وصلت إلى أكثر من 60%.
وعاد “اتفاق الغد” ونص على معادلة أوباما، وهي رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية ورفع الحظر على أصول إيران المجمدة مقابل العودة لنسب التخصيب السابقة والتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب داخل إيران وليس خارجها وبرقابة دولية صارمة.
وجاءت أبرز النقاط المتعلقة بالملف النووي والعقوبات في البنود من السابع إلى العاشر في “اتفاق الغد” وتضمنت: ” تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء جميع أنواع العقوبات المفروضة حالياً على إيران، وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وجميع العقوبات الأمريكية الأحادية، سواء الأولية أو الثانوية”.
كما تضمن الاتفاق مجدداً في مادته الثامنة أن إيران لن تنتج أسلحة نووية مطلقاً. وأن مصير المواد المخصبة وجميع القضايا الأخرى ذات الصلة بالبرنامج النووي، والمتفق عليها بين الطرفين، بما في ذلك الاحتياجات النووية لإيران، ستُعالج بصورة مناسبة في الاتفاق النهائي الذي سيؤكد أحكام هذه المادة، وستحافظ إيران على الوضع القائم في برنامجها النووي، فيما تمتنع الولايات المتحدة عن فرض عقوبات جديدة على إيران أو تعزيز قواتها في المنطقة، وستصدر وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، كما تتعهد الولايات المتحدة بأنه، في ضوء التقدم المحرز في المفاوضات نحو اتفاق نهائي، سيتم الإفراج عن الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة التابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وإتاحتها بالكامل.
أما الجانب الثالث فيتعلق بورقة الضغط التي اخترعتها إيران وهي ورقة مضيق هرمز يقابلها الحصار الأمريكي للمواني الإيرانية، وجاءت في البندين الرابع والخامس، ونص على إعادة حركة الملاحة، خلال مدة أقصاها 30 يوماً، إلى كامل طاقتها. كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المحيطة خلال 30 يوماً من إبرام الاتفاق النهائي، أما المادة الخامسة فنصت على اتخاذ إيران فوراً الخطوات اللازمة لضمان استئناف حركة السفن التجارية من الخليج إلى بحر عُمان وبالعكس، خلال 30 يوماً، إلى مستويات ما قبل الحرب، مع مراعاة الحاجة إلى إزالة العوائق الفنية وتحييد الألغام من جانب إيران.
والحقيقة أن واحدة من أوراق القوة الرئيسية التي امتلكتها إيران وساعدتها في الضغط على أمريكا والمجتمع الدولي لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى وتقليل أثر جوانب ضعفها (مثل الاختراقات التي جرت لقيادتها العسكرية والسياسية وأيضا مشاعر الغضب تجاه أذرعها وتدخلاتها في أكثر من بلد عربي) هو نجاحها في اختراع ورقة مضيق هرمز الذي أغلقته أمام الملاحة الدولية وفرضت شروطها على مرور السفن ورغم أنها تعلم أنه ورقة بلا مستقبل، وإنها ستضطر إلى التنازل عنه في أي اتفاق مع الولايات المتحدة وهو ما اتضح في “اتفاق الغد”.
أما معضلة الاتفاق فستظل إسرائيل التي تحفظت عليه وتجاهلت ما نص عليه بخصوص لبنان حيث أشار إلى تعهد كل من إيران والولايات المتحدة، “إنهاءً فورياً ودائماً للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وتتعهدان، بدءاً من الآن، بعدم القيام بأي عمل عدائي ضد بعضهما بعضاً، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها في مواجهة الطرف الآخر”. ورغم أن أمريكا غير متورطة بشكل مباشر في الحرب في لبنان ومع ذلك نصت على إنهائها، بما يعني التزام إسرائيل بذلك وهو لم يحدث حتى اللحظة على الأقل بشكل كامل.
ستبقى خصوصية “اتفاق الغد” إنه قائم على “حلول مؤجلة” جوهرها إعادة الكَرة مرة أخرى بمحاولة استيعاب إيران في النظام الدولي عبر امتيازات اقتصادية أو بالأحرى عبر استعادتها لحقوقها الاقتصادية مقابل التزامها بنسب التخصيب الدولية المقررة للأغراض السلمية، بما يعني أن فرص إدماج إيران في النظام الدولي قائمة وبشروط متوازنة لا تجعلها دولة “منبطحة” ولا في مواجهة خشنة مع النظام الدولي من خارج قواعده، وهي معادلة صعبة التحقيق وستسعى إسرائيل لإفشالها ولكنها ليست مستحيلة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "














0 تعليق