بالبلدي: قوة بوليس الخليج

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قبل حرب 28 فبراير، التي شنتها أمريكا وإسرائيل، ومن ورائهما بعض دول الخليج، كانت إيران في صورة سيئة، قوة إقليمية في لحظة تراجع وضعضعة، تفقد حليفها البعثي في دمشق، وتخسر نفوذها في سوريا، ويتعرض حزب الله لضربات إسرائيلية، تنال كثيراً من رصيد هيبته وقوته معاً، إيران فقدت مرشدها الأعلى، وحشدا هائلا من كبار قادتها العسكريين والاستخباراتيين، وكذلك يفقد حزب الله قائده، الذي اشتهر به وارتبط تاريخه به، كانت الضربات مؤلمة موجعة إلى حد الإذلال، ترافق ذلك مع حرب إبادة قاسية، شنتها إسرائيل على غزة والمقاومة فيها، كما ترافق مع توافق صهيوني أوروبي أمريكي على جريمة إخلاء غزة من أهلها وتهجيرهم إلى مصر والأردن وغيرهما .

في هذه اللحظة الإيرانية المظلِمة القاتمة، كانت تلمع في الأفق لحظة خليجية زاهية، ثقة جلية في أن الزمان زمان الخليج ليقود العالم العربي، ثقة جلية في أن أمن الخليج في الحفظ والصون، فلا تهدده إيران اليوم كما هدده العراق بالأمس، لا مكان لتهديد الخليج، وهو مُحَصَّن بتحالفات وثيقة سواء علنية أو سرية مع إسرائيل وأمريكا والقوى الأوروبية الكبرى، كان الخليج بعد سقوط الأسد وإخراج إيران من سوريا يتنفس أماناً، ثم اطمئناناً ثم ثقةً ثم كبرياءً ثم غروراً لا حدود له، كانت بعض دول الخليج ترى في نفسها قوى إقليمية مؤثرة ذات نفوذ بالغ، يتجاوز العالم العربي إلى عموم الشرق الأوسط وما حوله، ثم جاءت حرب 28 فبراير 2026 ليعود ميزان القوة على شواطئ الخليج عربياً كان أم فارسياً إلى حقيقته التاريخية منذ القِدَم: إيران هي شرطة الخليج، هي بوليس الخليج، هي الدولة الخليجية الوحيدة القادرة على ممارسة الأذى المُرهِق ضد كل جيرانها مجتمعين، متى شاءت وكيفما شاءت دون أن تتوقع رداً متعادلاً أو متساوياً أو متكافئاً منهم، لقد جربت إيران أكثر من مرة، أن تحارب على عدة جبهات خليجية في وقت واحد، توقِعُ الأذى المادي والأدبي بعدة دول في وقت واحد، دون رد عسكري مقابل وبصورة علنية من أية دولة خليجية، لم تكتشف دول الخليج- باستثناء عُمان، التي تتبع سياسة مستقلة- أنها لا تملك شجاعة ولا قدرة الرد العسكري على الاعتداءات الإيرانية، لكنها اكتشفت عدة حقائق أسوأ من بعضها:

1 ـ الأولى أن دول الخليج لا تملك منفردة ولا مجتمعة القدرة ولا القرار على الدخول في مواجهة عسكرية مُشَرِّفة مع إيران، هذا مع الإنفاق المرعب على التسليح في كل هذه الدول منذ غزو العراق للكويت 1990، فقد عجزت مشتريات التسليح الضخمة، أن تُسعِف أصحابها، حين جاءت ساعةُ الاحتياج إليها.

2 ـ الثانية، أن دول الخليج بينها وبين بعضها عاجزة عن اللقاء أو الاتفاق أو التوافق على رؤية موحدة للتعامل مع إيران سلماً أو حرباً، بين دول الخليج من المنافسات والحساسيات والحزازات، ما يجعل التعامل مع إيران بالنسبة لبعضها أسهل من التعامل مع شقيقاتها الخليجيات، أثبتت حرب 28 فبراير ما في الموقف الخليجي من هشاشة وانقسام، وكل ما تستطيعه أي منها، هو أن تصدر بيانات إدانة تدين العدوان الإيراني على أختها وهكذا في الظاهر، بينما في الحقيقة سعت كافة دول الخليج للتواصل مع إيران عبر قنوات علنية وسرية.

3 ـ الثالثة، أن أكثر دول الخليج كانت قبل حرب 28 فبراير 2026 يراودها ما يشبه اليقين، أن أية ضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية حاسمة ضد إيران، سوف يسفر عنها السقوط الحتمي الفوري للنظام الحاكم في إيران، بما يسمح بإعادة تشكيل نظام حكم إيراني جديد موال للخليج وأمريكا وإسرائيل، وهذا لم يكن رهان الخليج فقط، بل رهان إسرائيل وأمريكا كذلك، وقد خاب الرهان، فلم يسقط نظام الفقهاء، ولم يتشكل نظام عميل، بل حصل العكس: ازدادت شرعية النظام وثبت أكثر ورسخ أكثر سواء في الداخل أو في الإقليم أو في السياسة الدولية.

4 ـ الرابعة، أن إيران كسرت بصورة حاسمة احتكار الأذى الذي كانت تنفرد به إسرائيل وأمريكا، حتى أصبحت السياسة العملية في الشرق الأوسط يمكن تعريفها في ثلاث كلمات [السياسة هي فن الأذى]، فكلما ملكت القدرة على إيذاء خصومك، كانت لك المكانة النافذة، وفرضت شروطك وأمليت كلمتك وحافظت على مكانك في الصدارة. حرب 28 فبراير تبادلت فيها إيران- بكفاءة عالية- ممارسة فن الأذى مع إسرائيل، بأن أمطرت سماء العاصمة والمدن الإسرائيلية برشقات من النار، لم تعرفها هذه العاصمة والمدن منذ قيام الدولة الصهيونية رسمياً 1948. كذلك مارست إيران فنون الأذى الموجع ضد الأهداف الأمريكية في منطقة الخليج، سواء كانت في المياه أو كانت قواعد أمريكية على أرض هذه الدولة الخليجية أو تلك.

5 ـ  لقد جربت دول الخليج، أن تحارب إيران قريباً من عشر سنوات خلف قيادة العراق 1980- 1988، ثم جرَّبَت في حرب 28 فبراير 2026، أن تحارب إيران سرَّاً خلف قيادة أمريكا وإسرائيل، في المرَّة الأولى استدار العراق ليطلب من الخليج الثمن، وفي لمح البصر بدأ يسترد ما يراه حقاً له بالتهام الكويت، لكن ما حصل في المرة الثانية، أن دول الخليج بعدما استبشرت بالطلعات الأولى للحرب، التي بدا معها أن النظام الإيراني يعيش أيامه الأخيرة، قبل أن يسقط إلى الأبد، عادت لتكتشف الأسوأ: وهو أنها باتت مسرحاً مكشوفاً وأرضاً مستباحة وسماءً عاريةً، تمارس فيها إيران كافة فنون الأذى دون رادع خليجي، كما دون رادع من حماة الخليج على كثرتهم، وعلى كرم ما يتقاضون من أموال في مقابل حماية منصوص عليها في اتفاقات ثنائية، لكن حين جاءت لحظة الاحتياج الخليجي إليها، تبخرت كأن لم تكن .

ختاماً: انتهت حرب 28 فبراير إلى عكس المقصود منها: النظام الحاكم اكتسب عمراً جديداً، إيران استعادت حضورها على كافة مسارح السياسة في الشرق الأوسط، إيران أعادت تأكيد استقلالها وحافظت على سيادتها، كما لو كانت قلعة حصينة، إيران باتت هي سيدة الخليج، هي بوليس الخليج، هي وحدها القادرة، على أن تمارس كافة فنون الأذى في الخليج كيفما شاءت، ووقتما شاءت دون رادع من الخليج ولا من حراس الخليج.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??