بقلم : د.سحر سالم (الخبير الإعلامي ـ استشاري الصحة النفسية ـ مدير عام إذاعة القناة”سابقا”)
مع اقتراب نهاية كل شهر، يتكرر المشهد نفسه في بيوت كثيرة. راتب دخل الحساب منذ أيام أو أسابيع قليلة، لكن ما تبقى منه لا يكفي لاستكمال الشهر. وبين فواتير والتزامات ومصروفات يومية، يردد البعض العبارة الشهيرة: “المرتب مش مكفي”.
ولا شك أن ما نتحدث عنه هنا ينطبق بدرجات متفاوتة على شريحة واسعة من الأسر المصرية، خاصة أسر الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهى تتحمل أعباء التعليم والصحة والسكن والمواصلات ومتطلبات الحياة اليومية، وتسعى في الوقت نفسه للحفاظ على مستوى معيشي مناسب وسط متغيرات اقتصادية متسارعة يشهدها العالم بأسره.
فالضغوط الاقتصادية الحالية ليست حكرًا على دولة بعينها، بل تعيشها دول كثيرة نتيجة تداعيات أزمات عالمية متلاحقة أثرت على أسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة. لكن يبقى السؤال: هل الغلاء وحده هو المسؤول عن اختفاء الراتب بهذه السرعة؟
الحقيقة أن هناك جانبًا آخر من القصة لا نتوقف أمامه كثيرًا. فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى نافذة يومية نطل منها على حياة الآخرين، أصبح كثيرون يقارنون أنفسهم بمن حولهم بصورة مستمرة. هاتف جديد هنا، وأثاث جديد هناك، وسيارة أحدث، ورحلة مصورة، ومشتريات لا تنتهي.
شيئًا فشيئًا، يتحول الشراء من تلبية احتياج حقيقي إلى محاولة للحاق بالآخرين أو تجنب عبارات تتردد أحيانًا في المجالس العائلية وبين الأصدقاء مثل: “لسه معاك الموبايل القديم؟” أو “إمتى هتغير الانتريه؟”. وهنا تبدأ فاتورة صامتة في التراكم دون أن نشعر.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن بعض العروض التجارية أصبحت تدفع الناس إلى شراء أشياء لم تكن ضمن خططهم أصلًا. فمجرد وجود خصم أو عرض مغرٍ يجعل البعض يشعر بأنه وفر المال، بينما الحقيقة أنه أنفقه على شيء لم يكن يحتاج إليه في الأساس. فشراء ما لا نحتاجه يظل إنفاقًا مهما كان حجم التخفيض.
المشكلة ليست في تحسين مستوى الحياة أو الاستمتاع بما نملك، فذلك حق مشروع لكل إنسان. كما أن تجديد بعض المقتنيات أو شراء ما يسهل الحياة أمر طبيعي عندما تكون هناك حاجة حقيقية. لكن التحدي يكمن في التفرقة بين الحاجة والرغبة، وبين ما نريده لأنفسنا وما نشتريه فقط لأن الآخرين يمتلكونه.
وربما يكون الحل أبسط مما نتصور. قبل أي عملية شراء، يمكن أن نسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل سأشتري هذا الشيء لو لم أره عند الآخرين؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد يكون احتياجًا حقيقيًا. أما إذا كانت الإجابة لا، فقد يكون مجرد إنفاق فرضته المقارنة الاجتماعية أكثر مما فرضته الحاجة الفعلية.
في النهاية، لا يمكن لأحد أن ينكر تأثير الظروف الاقتصادية العالمية على دخل الأسر وقدرتها الشرائية، لكن في المقابل لا يمكن تجاهل أن بعض قراراتنا الاستهلاكية تسرّع من نفاد الراتب قبل موعده. وبين الواقع الاقتصادي وضغوط المظاهر، يبقى حسن ترتيب الأولويات والإنفاق الواعي أحد أهم الأدوات التي تساعد الأسرة على عبور الشهر بأقل قدر من الضغوط، حتى لا نجد أنفسنا في كل مرة أمام السؤال نفسه: أين ذهب الراتب؟.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" almessa "








0 تعليق