" عندما يُفتح صندوقٌ ظلّ مغلقاً لعقود، لا تخرج منه الأشياء القديمة وحدها، بل تخرج معها الحكايات التي حاولت العائلات نسيانها. من هذه الفكرة البسيطة والعميقة في آنٍ واحد، انطلق الكاتب المسرحي والروائي الدكتور خالد الجابر ليصنع مسرحيته «الصندوق المبيّت»، التي حصدت جائزة شريف بدر الدين لأفضل مؤلف، ضمن مسابقة المونودراما في الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، لتؤكد حضور الكتابة المسرحية القطرية في المشهد الثقافي العربي.
عندما يُفتح صندوقٌ ظلّ مغلقاً لعقود، لا تخرج منه الأشياء القديمة وحدها، بل تخرج معها الحكايات التي حاولت العائلات نسيانها. من هذه الفكرة البسيطة والعميقة في آنٍ واحد، انطلق الكاتب المسرحي والروائي الدكتور خالد الجابر ليصنع مسرحيته «الصندوق المبيّت»، التي حصدت جائزة شريف بدر الدين لأفضل مؤلف، ضمن مسابقة المونودراما في الدورة الحادية عشرة من مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي، لتؤكد حضور الكتابة المسرحية القطرية في المشهد الثقافي العربي.
ويأتي هذا التتويج استكمالاً لمسيرة نجاحات حققتها مسرحية الجابر السابقة «ماسح الأحذية»، التي شاركت في مهرجانات عربية ودولية، وحصدت عدداً من الجوائز المرموقة.
ويستمد عنوان المسرحية دلالته من الموروث الشعبي الخليجي، حيث يُطلق مصطلح «الصندوق المبيّت» على صندوق العرس الذي يرافق العروس إلى بيت زوجها، ويضم مقتنياتها الشخصية وحاجياتها الثمينة، وقد تتوارثه العائلة جيلاً بعد جيل. ومع مرور الزمن، يتحول الصندوق من مجرد قطعة تراثية إلى خزانة للذكريات ومستودع للأسرار العائلية، تختزن بين جنباتها حكايات الماضي، بما تحمله من أفراح وأوجاع وحقائق مسكوت عنها. ويوظف المؤلف هذه الرمزية الشعبية ليجعل من الصندوق عنصراً محورياً في الصراع الدرامي.
وتتناول المسرحية قضايا الهوية والاغتراب والعنصرية والتمييز الاجتماعي، وتقدم معالجة درامية وفكرية للعلاقة بين الإنسان وماضيه، مسلطة الضوء على آثار الظلم المتوارثة، والصراع بين الحقيقة والأحكام الاجتماعية، في نص مسرحي يمنح المهمشين صوتاً، ويكشف المسكوت عنه في الذاكرة والتاريخ.
المونودراما بوصفها مواجهة مع الذات
تعرض مسرحية «الصندوق المبيّت» حكاية إنسان يكتشف أن ماضي عائلته يخفي حقيقة أشد قسوة مما تصور، وأن الاسم الذي حمله طوال حياته ليس مجرد علامة على الانتماء، بل امتداد لتاريخ من القهر والاستغلال والصمت. ومن خلال هذه الحكاية، يفتح العمل أسئلة تتجاوز المصير الفردي إلى علاقة الإنسان بأصوله، وقدرته على التحرر من الأحكام التي يفرضها المجتمع عليه.
ويعتمد المؤلف في «الصندوق المبيّت» على بناء درامي مونودرامي يتصاعد عبر أربعة فصول، يتحول خلالها الصندوق، بعد فتحه، إلى ما يشبه «صندوق باندورا» في الأساطير اليونانية، الذي تنطلق منه الشرور والمآسي والصراع. فمع انكشاف أسراره، تتفجر حقائق الماضي المكبوتة، لتضع البطل أمام مواجهة قاسية مع تاريخه وهويته. غير أن المفارقة تكمن في أن فتح الصندوق، رغم ما يطلقه من آلام وصدمات، يصبح الخطوة الأولى نحو التحرر من الخوف والصمت، في انتقال درامي من اكتشاف الحقيقة إلى التمرد على إرثها، ومن أسر الماضي إلى استعادة الذات.
ويقوم النص على شخصية رئيسية واحدة، تتفاعل مع ظلال الأب والأم، في فضاء مسرحي محدود تتسع دلالاته عبر الإضاءة والأصوات والموسيقى وحركة الجسد. وتؤدي اللغة الشعرية دوراً أساسياً في تشكيل الصراع، إذ تتداخل الأسئلة الوجودية مع الاعترافات الشخصية، وتتحول الوثائق والأسماء والأشياء القديمة إلى أدوات لكشف التناقض بين الصورة التي يقدمها المجتمع عن نفسه والحقائق التي يحاول إخفاءها.
وتصل المسرحية إلى ذروتها في الفصل الأخير، عندما يتم إحراق الصندوق بما يحمله من أسرار ووثائق، في مشهد رمزي لا يمثل انتقاماً من الماضي بقدر ما يجسد محاولة التحرر من سلطته. وأمام ألسنة اللهب، يرفض الابن أن يورث أبناءه تاريخاً من الخوف والصمت، معلناً بداية جديدة لا تحددها خطايا الأب ولا أحكام المجتمع، ومختتماً مواجهته بعبارة مكثفة: "أنا… ابن نفسي".
ويمثل فوز «الصندوق المبيّت» إضافة نوعية إلى حضور الكتابة المسرحية القطرية والخليجية في المشهد الثقافي العربي، ولا سيما في مجال المونودراما، الذي يمنح الكاتب مساحة لاختبار العلاقة بين اللغة والجسد والفكرة، ويضع النص أمام تحدي بناء عالم درامي متكامل من خلال شخصية واحدة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" موقع فرحة "


