أربعة صواريخ من لنشين مصريين أغرقت أكبر مدمرة إسرائيلية قرب بورسعيد عام 1967
عمليات البحث عن حطامها بعد عقود أعادت توثيق واحدة من أهم معارك الاستنزاف
إغراق القطعة البحرية أبهر مخططي القتال عالميا وأسهم في تطوير القتال الحديث
في مساء 21 أكتوبر 1967، نجحت القوات البحرية المصرية في إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» قبالة سواحل بورسعيد، باستخدام أربعة صواريخ سطح- سطح أطلقتها لنشات صواريخ مصرية، في عملية أصبحت علامة بارزة في تاريخ الحروب البحرية الحديثة.
جاءت العملية بعد أربعة أشهر من العدوان الإسرائيلي في 5 يونيو 1967، في وقت كانت فيه القوات المسلحة المصرية تعيد تنظيم صفوفها وتستعد لمرحلة جديدة من المواجهة، لتسجل قواتنا البحرية واحدة من أهم عملياتها القتالية خلال الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973.
عملية إغراق «إيلات» تزامنت مع مرحلة شهدت إعادة بناء القوات المسلحة المصرية بعد حرب يونيو 1967، وتطوير أساليب التدريب والقتال، استعدادًا للمواجهات التي تلتها خلال حرب الاستنزاف وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.
شاركت القوات البحرية خلال تلك السنوات في مهام قتالية وتأمينية متعددة، ضمن الجهود العسكرية المصرية على جميع الاتجاهات، مع استمرار تطوير الوحدات والتسليح والتدريب بما يتناسب مع طبيعة التحديات القائمة.
اختير يوم 21 أكتوبر عيدًا للقوات البحرية المصرية تخليدًا لهذه العملية، التي أثبتت قدرة وحدات صغيرة نسبيًا على إغراق مدمرة أكبر حجمًا باستخدام الصواريخ الموجهة المضادة للسفن، ولفتت أنظار المؤسسات العسكرية إلى أهمية هذا النوع من التسليح.
تحتفظ العملية بمكانة خاصة في الذاكرة العسكرية المصرية، بل والعالمية، نظرًا لنتائجها القتالية المباشرة، وتأثيرها في دراسة العلاقة بين حجم السفينة وقوتها النيرانية، والدور الذي أصبحت تؤديه الزوارق الصاروخية في المواجهات البحرية.
المواجهة البحرية الحاسمة
كانت المدمرة الإسرائيلية «إيلات» تتحرك في البحر المتوسط بالقرب من السواحل المصرية، عندما نفذت لنشات الصواريخ المصرية هجومها يوم 21 أكتوبر، في عملية استخدمت فيها صواريخ بحرية موجهة ضد هدف سطحي كبير.
اعتمد الهجوم على لنشات صواريخ من طراز «كومار» السوفيتي، كانت القوات البحرية المصرية قد أدخلتها ضمن تسليحها، وتتميز بصغر حجمها مقارنة بالمدمرات التقليدية، مع امتلاكها صواريخ مضادة للسفن توفر قدرة هجومية مؤثرة.
استخدمت اللنشات صواريخ «ستيكس» السوفيتية، المعروفة أيضًا باسم «بي 15»، هي صواريخ سطح- سطح صممت لاستهداف السفن الحربية، تمثل إحدى مراحل التطور المبكر للتسليح الصاروخي البحري خلال الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة.
ارشيفية
أطلقت الوحدات المصرية 4 صواريخ خلال الاشتباك، أصابت المدمرة وأدت إلى غرقها، لتصبح العملية واحدة من أهم الوقائع القتالية التي أثبتت فاعلية الصواريخ الموجهة المنطلقة من زوارق صغيرة في مواجهة سفن حربية كبيرة.
تكمن أهمية العملية في أنها وقعت خلال مرحلة كانت فيها المدمرات والطرادات والقطع السطحية الكبيرة تحتل موقعًا رئيسيًا في تشكيلات الأساطيل، بينما بدأت الصواريخ المضادة للسفن تفرض متطلبات جديدة على الدفاع البحري.
«كومار» يقهر المدمرة
كانت لنشات «كومار» السوفيتية من الوحدات السريعة المصممة لحمل الصواريخ المضادة للسفن، تتميز بإمكانية تنفيذ هجمات على أهداف بحرية أكبر منها، مع الاعتماد على السرعة والمناورة والتسليح الموجه.
تختلف هذه الفئة من الوحدات عن المدمرات من حيث الحجم والطاقم والقدرة على البقاء في البحر، لكنها تحمل تسليحًا صاروخيًا يتيح الاشتباك مع أهداف سطحية من مسافات تتجاوز نطاق المدافع البحرية التقليدية المستخدمة على بعض السفن.
أظهرت عملية إغراق المدمرة «إيلات» أن التفوق في حجم الوحدة البحرية لا يضمن حمايتها من الصواريخ الموجهة، وأن طبيعة التسليح وإجراءات الاكتشاف والإنذار والدفاع تمثل عوامل مؤثرة في نتائج الاشتباكات.
أصبح نجاح الهجوم موضع اهتمام في الدراسات العسكرية الخاصة بتطور الحرب البحرية، حيث ساهم في تعزيز الاهتمام بوسائل الدفاع ضد الصواريخ، وأنظمة الإنذار المبكر، والتسليح المخصص للتعامل مع التهديدات القادمة من سطح البحر.
لا يعني ذلك أن عملية «إيلات» كانت البداية المطلقة لاستخدام الصواريخ في البحر، لكنها سجلت سابقة قتالية بارزة في إغراق سفينة حربية كبيرة بصواريخ مضادة للسفن أطلقتها زوارق صاروخية، ما منحها أهميتها التاريخية.
«إيلات» والتأثير العسكري
كانت «إيلات» مدمرة إسرائيلية من أصل بريطاني، دخلت الخدمة في البحرية الإسرائيلية بعد انتقالها من البحرية الملكية البريطانية، وهي من القطع السطحية الرئيسية التي استخدمتها حكومة الاحتلال خلال تلك الفترة.
مثلت خسارة مدمرة في مواجهة لنشات صواريخ صغيرة حدثًا عسكريًا لافتًا، خاصة في ظل الفارق الكبير بين الوحدات من حيث الحجم والتجهيزات وطبيعة التسليح الذي صممت كل منها لاستخدامه.
أدى هجوم القوات المصرية إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف طاقم المدمرة الإسرائيلية، وأثار اهتمامًا واسعًا بطبيعة التهديد الصاروخي الذي يمكن أن تتعرض له السفن الحربية، وما يستلزمه من تطوير وسائل الرصد والدفاع والحماية.
العملية المصرية النوعية دفعت المؤسسات العسكرية العالمية إلى مراجعة جوانب من تكتيكات القتال البحري، خاصة ما يتعلق باقتراب السفن الكبيرة من مناطق يمكن أن تعمل فيها زوارق صواريخ معادية.
أهمية ما قامت به القوات البحرية المصرية يرتبط بنتائجه الموثقة، يكفي أن إغراق المدمرة أصبح من الوقائع المرجعية في تاريخ استخدام الصواريخ المضادة للسفن خلال العمليات القتالية التي أظهرت حجم ما تتمتع به قواتنا من تخطيط ودقة في التنفيذ.
أربعة صواريخ ودرس عسكري
أظهرت العملية قدرة الصاروخ المضاد للسفن على إحداث أضرار جسيمة بوحدة بحرية كبيرة، وأكدت أن تطوير الأساطيل يجب أن يشمل وسائل الحماية من التهديدات الصاروخية، إلى جانب امتلاك السفن الحديثة وأنظمة التسليح المتقدمة.
كانت المواجهات البحرية قبل ذلك تعتمد بدرجة كبيرة على المدفعية والطوربيدات والطيران البحري، بينما أخذت الصواريخ الموجهة تحتل مكانة متزايدة في برامج التسليح، مع تطور تقنيات التوجيه والاستشعار ووسائل إطلاق الصواريخ من المنصات المختلفة.
ساعدت عملية إغراق «إيلات» في تسليط الضوء على أهمية زوارق الصواريخ في الدفاع الساحلي، خاصة بالنسبة للدول التي تحتاج إلى حماية مساحات بحرية واسعة باستخدام وحدات صغيرة وسريعة تستطيع تنفيذ مهام قتالية مؤثرة.
العملية نبهت إلى أهمية المعلومات والاستعداد القتالي وحسن استخدام السلاح المتاح، كعناصر ترتبط بكفاءة الأطقم وقدرتها على تنفيذ المهام وفق التوقيتات والإجراءات المحددة، بعيدًا عن المقارنة العددية المباشرة بين الوحدات المتواجهة.
مع تطور أنظمة الدفاع الجوي البحري والحرب الإلكترونية خلال العقود التالية، تغيرت طبيعة المواجهة بين الصواريخ والسفن، لكن العملية ظلت شاهدًا على مرحلة أساسية في انتقال القتال البحري إلى عصر التسليح الصاروخي الموجه.
أدلة الحطام تخرس إسرائيل
عام 1999، أثارت بعض الصحف الإسرائيلية مزاعم تشكك في حقيقة إغراق المدمرة «إيلات» قبالة بورسعيد، وعليه، تم تكليف إحدى الوحدات المتخصصة بالقوات البحرية المصرية بالبحث عن حطام المدمرة في المنطقة التي غرقت بها، بهدف تحديد موقعها والوصول إلى شواهد مادية مرتبطة بالاشتباك التاريخي.
استمرت أعمال البحث لأكثر من شهر، قبل أن تنجح الوحدة المكلفة في تحديد موقع الحطام، والعثور على ذخائر وقطع تحمل كتابات باللغة العبرية، جرى استخراج عدد منها خلال العملية، ما يؤكد أهمية التوثيق الذي كان من تداعياته غلق الجدل الإسرائيلي.
أرادت القوات المسلحة (متمثلة في القوات البحرية) إعادة تأكيد عملية إغراق المدمرة «إيلات»، كون الحدث التاريخي سبق توثيقه من قبل في المصادر العسكرية المصرية والإسرائيلية والدراسات المتخصصة في الحرب البحرية، وبالتالي، فالبحث عن الحطام والغثور عليه بعد أكثر من ثلاثة عقود أخرس إعلام الاحتلال.
يرتبط اختيار 21 أكتوبر عيدًا للقوات البحرية المصرية بما حققته العملية من نتيجة عسكرية مباشرة، وبالمكانة التي اكتسبتها في تاريخ استخدام الصواريخ المضادة للسفن، فقد قدمت مثالًا على قدرة القوات البحرية المصرية على تنفيذ اشتباك ناجح باستخدام وحدات محدودة الحجم.
تعكس العملية كفاءة الأطقم القتالية، في مواجهة سفينة حربية كانت تتمتع بقدرات وتسليح مختلفين، ومن ثم أصبحت ذكرى إغراق المدمرة مناسبة سنوية لاستعراض تاريخ القوات البحرية وتطور قدراتها، والتذكير بتضحيات رجالها، إلى جانب متابعة ما شهدته من تحديث شامل خلال العقود التالية.
احتفال.. ودروس مستفادة
يأتي الاحتفال بعيد القوات البحرية هذا العام في إطار اهتمام القوات المسلحة بتخليد العمليات التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخها، وربط الأجيال الجديدة من الضباط وضباط الصف والجنود بالخبرات القتالية التي اكتسبتها الوحدات المصرية.
يعد اليوم نفسه مناسبة لتأكيد أهمية التدريب والاستعداد وحسن استخدام التكنولوجيا العسكرية، بحسب قائد القوات البحرية المصرية، الفريق محمود عادل فوزي، وهي عوامل ظهرت بوضوح في عملية «إيلات»، ولاتزال تدخل ضمن المتطلبات الأساسية لبناء القوات البحرية الحديثة.
ترتبط خطة التحديث المستمرة بظهور تهديدات جديدة تشمل المنصات البحرية والجوية غير المأهولة، مع ذلك، تظل الخبرة التاريخية لعملية «إيلات»، مرتبطة بمبدأ عسكري أساسي، يتمثل في ضرورة فهم إمكانات السلاح المتاح وتوظيفه بكفاءة، والاستعداد للتغيرات التي قد تفرضها التكنولوجيا على أساليب القتال.
تفرض أيضًا الاستفادة من الدروس المستخلصة من الصراعات الحديثة، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات والمسئوليات البحرية المصرية. وتحضر عملية «إيلات» في هذا السياق كواقعة تاريخية تؤكد أهمية الاستعداد والتدريب والتعامل الواعي مع التطور التكنولوجي.
أقول هذا لأن لنشات صواريخ مصرية نجحت في تحقيق نتيجة قتالية كبيرة باستخدام سلاح كان يمثل تطورًا مهمًا في عصره، وبعد 59 عامًا على العملية، تظل العملية أحد العناوين المشرفة تاريخيًا للقوات البحرية المصرية، فقد تركت أثرًا واضحًا في دراسة وتطوير القتال البحري الحديث.
اقرأ أيضاً
القوات البحرية المصرية.. ثلاثية تأمين الممرات وتوطين الصناعة وتعزيز القدرات القتاليةقائد القوات البحرية: نواصل تطوير القدرات القتالية وتوطين التسليح والبناء البحري
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





