لا يختلف أحد على أهمية أن يكون المرشحون لرئاسة الجمهورية مؤهلين للمسئوليات الكبيرة التي يتطلبها المنصب، والتي تشمل الفهم الكافي للمسائل الاقتصادية بتشعباتها، والقدرة على التحدث والتحاور بذكاء وسرعة بديهة، والحس السياسي العالي، والفهم العميق للقانون ولمعنى الدستور، والذي هو في جوهره الترجمة القانونية لفكرة الدولة، وفهم جيد للعلاقات الدولية والمسائل العسكرية والأمنية، وقدر مناسب من الإلمام باللغة الإنجليزية (بحكم شيوعها في العالم)، وعلاقات واسعة بالرموز السياسية والفئوية في المجتمع، ومعرفة قوية بتاريخ مصر والعالم، وحد مناسب من الثقافة العامة وخاصة الثقافة المصرية، وهي مواصفات غابت بدرجات متفاوتة عن بعض من تولوا هذا المنصب في مصر وفي غيرها من الدول، وإن كان غياب جانب من هذه القدرات لم يمنع من نجاح بعض الرؤساء، ووجودها لم يمنع من فشل بعضهم، إلا أن ذلك كان هو الاستثناء.
مع ذلك، فمن المهم أن نتذكر أن المطلوب من رئيس الجمهورية ليس الإدارة الفنية لأمور الدولة، بل أن الرئيس الذي يغرق نفسه في التفاصيل يحول دون القيام بمهمته الحقيقية، وهي بلورة الرؤية الاستراتيجية لإدارة شئون الدولة، وطرحها والدفاع عنها في الداخل والخارج، وأن الترشيح والتنافس الانتخابي يكون على أساس انحيازات وتوجهات كبرى، وليس خطة قومية أو مشروع تنفيذي تفصيلي.
بعبارة أخرى، فليس مطلوباً أن يصبح الرئيس خبيرا في كل المسائل، أو أن يقدم برنامجاً فنياً مفصلاً، لأن هذه هي مهمة جهاز الدولة، وما في المجتمع من خبرات ومعارف مؤسسية وفردية، يمكنها إمداد الرئيس بما يحتاجه من دعم فني، وإنما عليه أن يكون لديه ما يكفي ليستطيع بلورة أولويات وتوجهات عامة ورؤية استراتيجية كلية تستند إلى فهم سليم للأمور ولواقع البلاد.
لكنني أعتقد أن فكرة تدريب كوادر بحيث تكون مؤهلة لتولي الرئاسة التي طرحها الرئيس في حفل تخرج خريجي الكليات العسكرية تواجه مشاكل عملية ودستورية شديدة: فنص الدستور يحدد من لهم حق الترشح للرئاسة، ومن ثم فإن وضع شروط أخرى تمنع من لا يستوفيها من الترشح، حتى لو بقانون، يعني أن الطعن عليها في المحكمة الدستورية سيؤدي إلى إبطالها… كما أن تخريج مرشحين محتملين من الكلية الحربية لا يعني أنهم سيستطيعون الحصول على التأييد المنصوص عليه في الدستور من خلال التوكيلات الشعبية أو أعضاء مجلس النواب، فماذا يكون الموقف عندئذ….؟ هذا بالإضافة إلى أن الترشح الجاد لرئاسة الجمهورية فكرة لا تأتي إلا لشخصيات لديها قدر كبير من الاعتداد بالنفس والشعور بالقيمة والمكانة، وهذا أمر ضروري ومطلوب لملء هذا المنصب، لكن مثل هذه الشخصيات لن تتقبل فكرة الخضوع لبرنامج دراسي مكثف بهذه الصورة، يستغرق 7500 ساعة دراسية على مدى عامين ونصف كما ذكر الرئيس، وهو ما يعادل نحو 8 ساعات ونصف يومياً، بما في ذلك أيام الجمعة والأعياد والإجازات الرسمية، وهو ما يتخطى أي برنامج دراسي للحصول على الدرجات الجامعية والعليا.
ما البديل إذن؟
إذا كنا جادين فعلا في توفير الظروف التي تسمح بفرز سياسيين مؤهلين لتولي رئاسة الجمهورية، فتصوري أن هذا يتطلب ثلاثة شروط رئيسية: (1) تنشيط الحياة السياسية والحزبية، والتراجع عن القيود والصعوبات القائمة حالياً، لأن هذا هو الذي يجذب المواهب إلى العمل السياسي، ويفرزها ويصقلها؛ (2) وتوسيع مساحة العمل الإعلامي الحر، بحيث يخضع السياسيين لاختبار الرأي العام، وإلى تحدي الخبراء والمنافسين، لكشف حقيقة معارف وخبرات وقدرات السياسيين، والتفرقة بين الافكار الجادة والكلمات والوعود المعسولة، وبين من لديه تصورات تصمد أمام التمحيص، ومن يحاول إقناع الناخبين بأنه يستطيع حل مشاكلهم بسرعة، دون أن يمتلك أفكاراً وقدرات يعول عليها؛ (3) وإتاحة حرية المعلومات أمام الجمهور، وتخفيف القيود على الاطلاع على بيانات الحكومة، ليتمكن السياسيون من بناء أفكارهم وبرامجهم على أساس من المعرفة الدقيقة، وليتمكن المنافسون والمحاورون من مساءلتهم على أسس.
أما فكرة الرئيس في وجوب تبصير الراغبين في الترشح بمعنى قيادة الدولة، وهي فكرة مفيدة للغاية، فيمكن تحويلها إلى برنامج محاضرات وأوراق تتاح للكافة على مواقع مخصصة لهذا الغرض على شبكة الإنترنت، بحيث تقوم بما بها من مواد الحجة على أي مرشح أمام ناخبيه ومنافسيه ومحاوريه في الإعلام، فمن لا يظهر عليه – بعدها- أنه يستوعبها، فيكون هو المقصر، وهو ما سيؤثر بالقطع على اختيارات الناخبين.
كما يمكن أن تقوم الحكومة، من خلال المؤسسات البيروقراطية والأمنية المحايدة، بتوفير ملفات وجلسات تلقين لقائمة المرشحين النهائية بعد إقرارهم من مفوضية الانتخابات، وهو أمر معمول به في كثير من الديمقراطيات، حيث يتم توفير تلقين للمرشحين في المسائل الأمنية والحكومية خلال فترة الحملة الانتخابية، لضمان تكافؤ الفرص بينهم في مخاطبة الناخبين.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


